الغذاء غير الآمن يودي بحياة 1.5 مليون شخص سنويا
إعداد: مريم السوسي
حذرت منظمة الصحة العالمية من اتساع المخاطر المرتبطة بالأغذية غير المأمونة، بعدما كشفت تقديرات جديدة أن الغذاء الملوث أو غير الآمن يتسبب سنويا في نحو 866 مليون حالة مرضية، ويؤدي إلى وفاة حوالي 1.5 مليون شخص عبر العالم.
وتأتي هذه المعطيات قبيل تخليد اليوم العالمي لسلامة الأغذية، الذي يصادف 7 يونيو من كل سنة، ويحمل هذا العام شعار: “من تقدير العبء إلى وضع الحلول – نحو غذاء آمن في كل مكان”. وهو شعار يعكس انتقال النقاش من مجرد رصد حجم المشكلة إلى البحث عن سياسات عملية للوقاية منها.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأطفال دون سن الخامسة هم الفئة الأكثر تعرضا لمخاطر الأمراض المنقولة عبر الغذاء. فرغم أنهم يشكلون حوالي 9 في المائة فقط من سكان العالم، فإنهم يتحملون ما يقرب من ثلث العبء الصحي لهذه الأمراض.
ويواجه الأطفال الصغار خطر الإصابة بهذه الأمراض بمعدل يفوق باقي الفئات العمرية بنحو ثلاث مرات. وتظهر الخطورة بشكل خاص في أمراض الإسهال، التي قد تتحول إلى سبب للوفاة عندما تجتمع مع سوء التغذية، أو ضعف المناعة، أو غياب الرعاية الصحية السريعة.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تسمم غذائي عابر، بل بمشكلة صحية قد تترك آثارا عميقة على نمو الطفل، وعلى قدرته الجسدية والمعرفية في المستقبل.
سلامة الغذاء قضية يومية
قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إن سلامة الغذاء تمس “كل وجبة وكل أسرة كل يوم”. وتختصر هذه العبارة حجم الارتباط بين الغذاء والصحة العامة، لأن الخطر لا يوجد فقط في حالات الأوبئة الكبرى، بل قد يبدأ من وجبة يومية داخل البيت أو المدرسة أو السوق.
وتشير المنظمة إلى أن التقديرات الجديدة توفر، لأول مرة، بيانات وطنية تساعد الحكومات على تحديد الأولويات. فامتلاك أرقام دقيقة حول حجم الإصابات والوفيات يسمح بتوجيه التدخلات نحو المناطق والفئات الأكثر هشاشة، بدل الاكتفاء بسياسات عامة لا تلامس مكامن الخطر.
بين الملوثات البيولوجية والمخاطر الكيميائية
تعود أغلب الأمراض المنقولة بالغذاء إلى مخاطر بيولوجية، مثل البكتيريا والفيروسات والطفيليات. وتنتقل هذه الملوثات غالبا عبر طعام غير محفوظ بطريقة سليمة، أو ماء ملوث، أو أدوات طبخ غير نظيفة، أو ضعف شروط النظافة خلال الإنتاج والنقل والتوزيع.
لكن المخاطر الكيميائية لا تقل خطورة، بل إنها مسؤولة عن نسبة كبيرة من الوفيات. فقد أوضحت المنظمة أن التعرض لمواد مثل الرصاص، والزئبق العضوي، والزرنيخ غير العضوي، قد يضر بالدماغ النامي لدى الأطفال، ويسبب اضطرابات عصبية ومشكلات في النمو قد تستمر مدى الحياة.
وحسب معطيات المنظمة، ارتبطت 73 في المائة من الوفيات الناتجة عن الأغذية الملوثة سنة 2021 بالتعرض لمخاطر كيميائية. وهذا الرقم يطرح أسئلة جدية حول جودة المراقبة، واستعمال المبيدات، وتلوث المياه والتربة، وسلامة المواد المستعملة في التصنيع الغذائي.
تغير المناخ يزيد من تعقيد الأزمة
لم تعد سلامة الغذاء مرتبطة فقط بالنظافة أو المراقبة الصحية التقليدية. فالتغيرات المناخية أصبحت بدورها عاملا يزيد من خطورة المشكلة. ارتفاع درجات الحرارة قد يسرع فساد الأغذية، ويوسع انتشار بعض الجراثيم، كما قد يؤثر على جودة المياه والتربة والمحاصيل.
وفي هذا السياق، قال يوكي ميناتو، المسؤول التقني عن سلامة الأغذية في منظمة الصحة العالمية، إن التقرير الجديد يمثل دعوة إلى اليقظة، لكنه يقدم أيضا خارطة طريق للتحرك. وأوضح أن الأمراض المنقولة بالغذاء لا تزال مستمرة، بل تتفاقم بفعل تغير المناخ ومقاومة مضادات الميكروبات.
وتزيد مقاومة مضادات الميكروبات من صعوبة علاج العدوى الناتجة عن الغذاء الملوث، لأن بعض البكتيريا تصبح أقل استجابة للعلاجات المتوفرة. وهذا يجعل الوقاية والمراقبة أكثر أهمية من انتظار وقوع المرض ثم البحث عن علاجه.
الفئات الهشة في مواجهة الخطر
تكشف الدراسة عن تفاوتات واضحة بين الدول والمناطق. فالأطفال، والفقراء، وسكان المجتمعات محدودة الموارد، يتحملون العبء الأكبر من الأمراض المرتبطة بالغذاء غير الآمن.
وتظهر هذه الفوارق بشكل أكبر في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، حيث تضعف أنظمة المراقبة، وتقل المختبرات، وتغيب أحيانا شروط التخزين السليم، كما يتأثر الناس بندرة الماء الصالح للشرب وضعف الخدمات الصحية.
وتتحمل إفريقيا وجنوب شرق آسيا النصيب الأكبر من الإصابات والوفيات. ولا يمكن فصل ذلك عن الفقر، والهشاشة الصحية، وتحديات المناخ، وصعوبة الوصول إلى غذاء آمن بشكل دائم.
نحو مقاربة شاملة لسلامة الغذاء
تدعو منظمة الصحة العالمية إلى اعتماد نهج “الصحة الواحدة”، وهو تصور يربط بين صحة الإنسان والحيوان والنبات والبيئة. فالغذاء الآمن لا يبدأ في المطبخ فقط، بل يبدأ من التربة والماء والزراعة والتخزين والنقل والأسواق.
ولهذا، تشدد المنظمة على ضرورة كسر الحواجز بين قطاعات الصحة والزراعة والبيئة. فضعف التنسيق بين هذه القطاعات يجعل مواجهة الخطر أكثر صعوبة، خصوصا عندما تتداخل أسباب التلوث بين الماء والتربة والحيوان والإنسان.
كما تؤكد المنظمة أهمية الاستثمار في أنظمة المراقبة والإنذار المبكر، وتوجيه التدخلات بناء على معطيات دقيقة، حتى تتمكن الدول من حماية الفئات الأكثر تعرضا للخطر، وفي مقدمتها الأطفال.
التأخير يكلف الأرواح
تظهر الأرقام الجديدة أن الغذاء غير الآمن ليس مشكلة هامشية، بل أزمة صحية عالمية تتكرر بصمت كل يوم. فالملايين يمرضون بسبب وجبات ملوثة، ومئات الآلاف يفقدون حياتهم بسبب مخاطر كان يمكن الحد منها عبر الوقاية والمراقبة والتدخل المبكر.
وتكمن أهمية التقرير في أنه لا يكتفي بوصف حجم الخطر، بل يدعو إلى تحويل المعطيات إلى سياسات عملية. فسلامة الغذاء ليست مسؤولية المستهلك وحده، بل هي مسؤولية مشتركة بين الحكومات والمنتجين والموزعين والأسر.
وفي النهاية، فإن حماية الغذاء تعني حماية الحياة نفسها. وكل تأخير في بناء منظومة غذائية آمنة يترك الأطفال والفئات الهشة في مواجهة أمراض يمكن الوقاية منها.






