ثمة عمر آخر للمدينة لا يظهر في تاريخ تأسيس أحيائها ولا في عمر مبانيها. يظهر هذا العمر في الطريقة التي يستطيع بها السكان استعمال المدينة كلما تقدموا في السن. فالمسافة التي كانت عادية في الأربعين قد تصبح طويلة في السبعين، والدرج الذي لم يكن يُلاحظ عند مدخل العمارة يمكن أن يتحول إلى حاجز يومي. كما يصبح عبور شارع واسع أو الوصول إلى محطة الحافلة جزءاً من حسابات لم تكن موجودة قبل سنوات.
لا يعني ذلك أن الشيخوخة تحول المدينة تلقائياً إلى مكان معادٍ. لكنها تكشف أن كثيراً من تفاصيل المجال الحضري صُممت انطلاقاً من تصور ضمني لمستخدم قادر على الحركة بسهولة. يستطيع هذا المستخدم المشي بسرعة وصعود الدرج والوقوف طويلاً، كما يستطيع التعامل مع المسافات المتباعدة بين السكن والخدمات.
لهذا يبدو اختزال الشيخوخة في الصحة والتقاعد والحماية الاجتماعية غير كاف لفهم التحول الذي ينتظر المدن المغربية والعربية. فقد يمتلك المسن دخلاً وتغطية صحية وأسرة قريبة، لكنه يظل أقل استقلالاً إذا كان يعيش في الطابق الرابع من عمارة بلا مصعد. ويحدث الأمر نفسه عندما يقيم في حي لا يستطيع مغادرته إلا بسيارة أو بجوار شارع يصعب عبوره مشياً.
عند هذه النقطة لا تعود المسألة متعلقة بقدرات الفرد وحدها. يصبح نموذج المدينة نفسه جزءاً من المشكلة، لأنه يحدد مقدار الاستقلال الذي يستطيع الإنسان الاحتفاظ به عندما يتقدم في العمر.
عندما يصبح العمر قضية تخطيط
تكتسب المسألة في المغرب أهمية خاصة لأن التحول الديموغرافي لم يعد احتمالاً بعيداً. فقد ارتفع عدد السكان البالغين 60 سنة فأكثر من نحو 3.2 ملايين سنة 2014 إلى قرابة خمسة ملايين سنة 2024، وفق معطيات وإسقاطات المندوبية السامية للتخطيط. ويعيش أكثر من ثلاثة ملايين منهم في الوسط الحضري.
وإذا استمرت الاتجاهات الديموغرافية الحالية، قد يتجاوز عدد من بلغوا الستين 10 ملايين شخص بحلول 2060. وستعيش الغالبية منهم في المدن. غير أن الدلالة الحضرية لهذه الأرقام أهم من حجمها المجرد، لأنها تعني تغيراً تدريجياً في طبيعة الطلب على السكن والنقل والخدمات والفضاء العام.
فالمدينة التي يتغير تركيبها العمري لا تحتاج فقط إلى مزيد من الخدمات الصحية ودور الرعاية. تحتاج أيضاً إلى إعادة النظر في الطريقة التي توزع بها الوظائف والخدمات والمسافات. وكلما ارتفع عدد كبار السن، ازدادت أهمية الصيدلية القريبة والسوق الذي يمكن الوصول إليه مشياً. وتزداد كذلك أهمية المركز الصحي المرتبط بالنقل العمومي والحديقة التي لا تتطلب رحلة بالسيارة.
بهذا المعنى، تعيد الشيخوخة طرح واحدة من أقدم قضايا التخطيط: هل نبني مدينة القرب أم مدينة المسافات؟
مدينة المسافات تكشف كلفتها مع العمر
في كثير من التوسعات الحضرية الحديثة، انفصل السكن تدريجياً عن العمل والتجارة وبعض الخدمات. واتسعت الطرق، فيما أصبحت السيارة أداة أساسية للربط بين أجزاء المجال. يستطيع الإنسان القادر على القيادة التكيف نسبياً مع هذا النموذج، لكن التقدم في العمر يكشف كلفته الخفية.
حين يتوقف شخص عن القيادة أو تقل قدرته على المشي لمسافات طويلة، لا تتغير صحته فقط، بل تنكمش خريطته الشخصية للمدينة. مكان كان قريباً بالسيارة يصبح بعيداً، وخدمة موجودة نظرياً في الحي قد تصبح غير قابلة للوصول عملياً.
هنا يظهر البعد الاجتماعي للمشكلة. فالأسر ذات الموارد الأعلى تستطيع شراء بعض الحلول التي تعوض ضعف المدينة، مثل سيارة الأجرة أو المساعدة المنزلية. ويمكنها أيضاً اختيار سكن في إقامة بمصعد أو الانتقال إلى حي أقرب إلى الخدمات.
أما من يعتمد على معاش محدود أو على مساعدة أسرته، فيتحمل بصورة أكبر كلفة الرصيف السيئ والنقل غير الملائم وبعد المرافق. وهكذا يمكن لتفصيل عمراني يبدو محايداً أن ينتج أثراً اجتماعياً غير متكافئ. فالقدرة على تجاوز عيوب المدينة ليست موزعة بالتساوي بين السكان.
السكن الذي يشيخ مع ساكنه
يظهر هذا التفاوت بوضوح أكبر داخل المبنى نفسه. فقد أُنتج جزء مهم من السكن الحضري خلال عقود كان الهدف الأساسي فيها الاستجابة للطلب المتزايد على الوحدات السكنية. وكان المطلوب أيضاً استيعاب التوسع الديموغرافي والهجرة نحو المدن.
لكن المسكن لا يُستخدم لسنوات قليلة. قد تقيم الأسرة فيه ثلاثين أو أربعين عاماً، وفي هذه المدة يشيخ المبنى كما يشيخ سكانه.
العمارة التي بدت مناسبة لعائلة شابة قد تصبح لاحقاً غير ملائمة لأفراد الأسرة أنفسهم. غياب المصعد وضيق الممرات والدرج عند المدخل وطريقة تصميم الحمام يمكن أن تتحول تدريجياً إلى قيود على الاستقلال.
وهنا تصبح الشيخوخة جزءاً من سياسة السكن، وليست مجرد ملحق بالسياسة الصحية. فالسؤال لا يتعلق فقط بكيفية بناء مساكن جديدة قابلة للاستخدام في مختلف مراحل العمر. يتعلق أيضاً بمصير مخزون واسع من المباني القائمة التي سيشيخ سكانها داخلها.
الانتقال من المنزل ليس حلاً بسيطاً
تظهر هنا حدود الحل الفردي. مطالبة المسن بالانتقال إلى مسكن أكثر ملاءمة تبدو بسيطة نظرياً، لكنها قد تعني مغادرة حي عاش فيه عقوداً. وقد تعني أيضاً قطع علاقاته مع الجيران والتجار والأقارب والخدمات التي يعرفها، فضلاً عن الكلفة المالية للانتقال.
لهذا ظهر في النقاش الحضري الدولي مفهوم «الشيخوخة في المكان». ويعني تمكين الإنسان، قدر الإمكان، من الاستمرار في بيئته الاجتماعية المألوفة مع تكييف السكن والحي مع احتياجاته المتغيرة.
لكن تطبيق هذا المبدأ في المدن المغربية والعربية يفتح أسئلة عملية. من يمول تأهيل العمارات القديمة؟ ومن يتحمل كلفة إضافة المصاعد وتحسين المداخل؟ وكيف نتعامل مع المباني التي تجعل بنيتها التقنية هذه التعديلات صعبة أو مكلفة؟
بهذا المعنى، لا تبدأ سياسة الشيخوخة عندما يبلغ السكان السبعين. إنها تبدأ في اللحظة التي يُمنح فيها ترخيص بناء عمارة سيعيش فيها أصحابها بعد ثلاثين عاماً.
الرصيف والحافلة يكشفان عدالة المدينة
الفضاء العام يطرح المشكلة نفسها خارج المنزل. فالرصيف غير المستوي أو المحتل أو المنقطع قد يمثل إزعاجاً لشخص شاب. لكنه يستطيع بالنسبة إلى مسن أن يحدد ببساطة ما إذا كان سيخرج من منزله أم لا.
وينطبق الأمر على غياب المقاعد والظل والمراحيض العمومية والإنارة الكافية. كما ينطبق على المدة المخصصة لعبور الراجلين في التقاطعات الكبيرة. لذلك لا تنظر منظمة الصحة العالمية إلى «المدينة الصديقة لكبار السن» باعتبارها مجموعة مرافق خاصة بالمسنين. بل تربطها بالسكن والنقل والفضاءات الخارجية والمشاركة الاجتماعية والخدمات.
وتكتسب وسائل النقل أهمية مضاعفة مع التقدم في العمر. فقد تصبح قيادة السيارة أقل إمكانية في الوقت الذي يزداد فيه الاحتياج إلى الخدمات الصحية والاجتماعية. وسبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في المغرب أن أشار إلى صعوبات يواجهها كبار السن في الفضاء العام وفي الولوج المستقل إلى النقل.
الرحلة تبدأ قبل ركوب الحافلة
وجود شبكة حافلات أو ترامواي لا يحل المشكلة وحده. فالرحلة تبدأ من باب المنزل، ثم تمر عبر الرصيف والوصول إلى المحطة والانتظار والصعود إلى المركبة. وبعد ذلك تأتي المسافة الفاصلة بين محطة الوصول والوجهة النهائية.
إذا انكسرت هذه السلسلة في إحدى حلقاتها، يمكن أن تصبح شبكة نقل جيدة تقنياً غير قابلة للاستخدام بالنسبة إلى جزء من السكان. ولهذا لا يكفي قياس نجاح النقل بعدد الخطوط أو المركبات فقط. ينبغي أيضاً النظر إلى قدرة الفئات المختلفة على الوصول إليه واستعماله باستقلال.
وتظهر هنا مفارقة في بعض مشاريع تحديث المدن العربية. يمكن الاستثمار بكثافة في بنية تحتية كبيرة ومرئية، بينما تبقى عناصر أصغر مثل الرصيف المتصل والمقعد والمعبر الآمن خارج الأولويات. غير أن تجربة كبير السن مع المدينة تتشكل من هذه التفاصيل بقدر ما تتشكل من المشاريع الكبرى.
هذا لا يقلل من قيمة البنية التحتية الحديثة، وإنما يفرض تقييمها من منظور المستخدم النهائي. فما قيمة محطة حديثة إذا كان الوصول إليها مشياً صعباً؟
حين تنتج المدينة العزلة
يظهر الأثر الأعمق للبيئة العمرانية عندما نصل إلى العزلة الاجتماعية. فكثيراً ما تُفسر وحدة كبار السن بتغير بنية الأسرة أو وفاة الزوج أو ابتعاد الأبناء. وهي عوامل حقيقية، لكن التخطيط يستطيع أن يفاقم العزلة أو يخفف منها.
فالحي الذي يجمع المتجر والسوق والحديقة والمقهى والخدمات الأساسية ضمن مسافة قابلة للمشي ينتج فرصاً يومية للقاء الآخرين. ولا تحتاج هذه اللقاءات دائماً إلى ترتيب مسبق. أما الحي الذي يفصل الوظائف ويجعل السيارة شرطاً للحركة، فإنه يحول التواصل الاجتماعي نفسه إلى نشاط يحتاج إلى تخطيط ومساعدة.
من هنا يصبح الفضاء العام جزءاً من البنية الاجتماعية للمدينة. فالمقعد ليس مجرد مكان للراحة، والساحة ليست فراغاً عمرانياً، والسوق القريب ليس وظيفة تجارية فقط. إنها جميعاً أماكن تسمح للإنسان بالبقاء مرئياً ومشاركاً في الحياة العامة.
وإذا فقد المسن القدرة على الوصول إليها، فإن ما يخسره ليس الحركة وحدها، وإنما جزءاً من موقعه داخل المجتمع الحضري.
مدينة صالحة للعمر لا تعني مدينة للمسنين
لا ينبغي أن تقود الاستجابة لهذا التحول إلى إنشاء «مدينة للمسنين» منفصلة عن بقية السكان. فالمثير في التخطيط الملائم للعمر أنه يفيد فئات أوسع بكثير.
الرصيف الذي يستطيع شخص في الثمانين استعماله بأمان يخدم أيضاً طفلاً وشخصاً ذا إعاقة، كما يخدم من يدفع عربة رضيع. والحافلة منخفضة الأرضية والممر الآمن والمقعد والظل كلها تجهيزات تحسن المدينة للجميع.
لذلك لا ينبغي التعامل مع تهيئة المجال لكبار السن باعتبارها تنازلاً تقدمه المدينة لفئة ضعيفة. إنها، في جانب كبير منها، مؤشر على جودة التصميم الحضري نفسه.
هذا التحول في النظرة مهم أيضاً على مستوى السياسات العامة. فإذا اعتُبرت الشيخوخة مسألة رعاية فقط، ستتركز الاستجابة في المؤسسات الصحية والاجتماعية. أما إذا اعتُبرت مسألة حق في المدينة، فإن المسؤولية تمتد إلى التخطيط والسكن والنقل والتهيئة الحضرية والجماعات المحلية والسياسات الاجتماعية.
مدن اليوم ستستقبل شيخوخة الغد
تملك المدن المغربية والعربية وقتاً للتكيف، لكنها لا تستطيع اعتبار التحول بعيداً. فالعمارات التي تُبنى اليوم والأحياء التي يجري توسيعها وشبكات النقل التي تُرسم ستظل قائمة عندما يصبح جزء أكبر من سكانها فوق الستين والسبعين.
وإذا لم يدخل العمر ضمن حسابات التخطيط الآن، فستظهر الكلفة لاحقاً في صورة عزلة واعتماد أكبر على الأسرة وصعوبة في الوصول إلى الخدمات. كما قد تضطر المدن إلى إعادة تأهيل مبان وفضاءات كان يمكن تصميمها بصورة أكثر مرونة منذ البداية.
لهذا ربما لا يكون الاختبار الحقيقي للمدينة الحديثة مقدار ما تستطيع بناءه، بل عدد المراحل المختلفة من حياة الإنسان التي تستطيع استيعابها. فالمدينة التي يصعب العيش فيها باستقلال مع التقدم في العمر لا تكون قد فشلت في خدمة كبار السن وحدهم. إنها تكشف أيضاً عن تصور ضيق لمن صُمم له الشارع والسكن والنقل والفضاء العام.
ومع انتقال الشيخوخة تدريجياً من مسألة أسرية إلى تحول حضري واسع، سيصبح إدخال العمر في التخطيط أحد الأسئلة التي يصعب على المدينة العربية تأجيلها.