استمع إلى المقال7 دقائق تقريباً

في المدينة السياحية، يمكن لفصل واحد أن يعطي انطباعاً مضللاً عن اقتصاد سنة كاملة. تمتلئ الفنادق ودور الضيافة، تنشط المطاعم والمقاهي، ترتفع حركة سيارات الأجرة، ويزداد الطلب على المرشدين والحرف والمنتجات المحلية. تبدو المدينة في تلك اللحظة كأنها آلة اقتصادية تعمل بكامل طاقتها.

لكن المدينة لا تعيش في الصورة التي يلتقطها الزائر خلال عطلة قصيرة. سكانها يحتاجون إلى دخل وسكن ونقل وخدمات ومدارس وفرص عمل طوال اثني عشر شهراً، ولذلك فإن السؤال الأهم ليس كم سائحاً تستطيع الصويرة استقباله عندما يكون الطلب مرتفعاً، بل كيف يتحول النجاح السياحي إلى اقتصاد حضري أكثر استقراراً عندما يتراجع عدد الزوار.

هذه المسافة بين زمن السائح وزمن الساكن هي التي تجعل الصويرة حالة مهمة لفهم مستقبل المدن السياحية المغربية.

عندما يصبح الموسم تقويماً اقتصادياً

الموسمية ليست مشكلة خاصة بالصويرة، بل واحدة من المعضلات المعروفة في الاقتصادات السياحية. فالطلب يتغير مع العطل والمناخ والمهرجانات والأسعار وحركة الطيران والأسواق الخارجية، بينما تظل الالتزامات اليومية للسكان قائمة.

العامل في مطعم لا يستطيع جعل مصاريف أسرته موسمية. وصاحب النشاط الصغير يحتاج إلى أداء الكراء والفواتير حتى عندما يقل عدد الزبائن. كما أن الفندق أو دار الضيافة يحتاجان إلى حد أدنى من التشغيل والصيانة خارج فترات الذروة.

هكذا ينتقل عدم انتظام الطلب السياحي إلى سوق العمل والدخل المحلي.

وتزداد المشكلة عندما يصبح جزء كبير من الاقتصاد الحضري مرتبطاً بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالزائر. فالسياحة لا تشغل الفندق وحده، وإنما تحرك سلسلة أوسع تشمل النقل والمطاعم والحرف والتجارة والصيانة والخدمات الثقافية والأنشطة البحرية.

كلما اتسعت هذه السلسلة، أصبحت فوائد السياحة أكبر. لكنها تجعل المدينة أيضاً أكثر حساسية لتقلباتها إذا لم تمتلك مصادر أخرى للدخل.

نجاح السياحة لا يعني تلقائياً نجاح المدينة

يمكن لمدينة أن تحقق مؤشرات سياحية جيدة بينما يبقى أثرها على حياة السكان متفاوتاً.

فكل درهم ينفقه الزائر لا يبقى بالضرورة داخل الاقتصاد المحلي. جزء منه يذهب إلى سلاسل الحجز والنقل والاستثمار، وقد تذهب حصة أخرى إلى شركات أو ملاك يوجد مركز نشاطهم خارج المدينة.

لذلك يصبح السؤال الاقتصادي الحقيقي هو مقدار القيمة التي تستطيع الصويرة الاحتفاظ بها محلياً.

عندما يشتري الفندق منتجاته من موردين محليين، ويعمل المطعم مع منتجين من الإقليم، ويجد الحرفي منفذاً عادلاً لمنتجه، وتتطور شركات صغيرة تقدم خدمات للسياحة، يصبح الإنفاق السياحي أكثر قدرة على الدوران داخل الاقتصاد المحلي.

أما إذا تقلص دور السكان إلى وظائف منخفضة الأجر وموسمية، بينما تخرج الأرباح الأكبر إلى الخارج، فإن ارتفاع عدد الزوار لا يكفي وحده لقياس التنمية.

الفرق هنا هو بين مدينة تستقبل السياح ومدينة تستخدم السياحة لبناء اقتصادها.

السكن يكشف الوجه الآخر للجاذبية

نجاح المدينة في جذب الزوار والاستثمارات العقارية يمكن أن يخلق ضغطاً في مكان آخر: السكن.

فالمسكن الموجود في منطقة مطلوبة سياحياً قد يصبح أكثر ربحية إذا استُخدم للإيجار القصير بدلاً من الكراء السكني طويل الأمد. ومع توسع هذه المعادلة، تتغير العلاقة بين قيمة العقار وقدرة السكان على البقاء في أحيائهم.

لا يعني ذلك أن كل إيجار سياحي يمثل مشكلة، ولا أن السياحة وحدها مسؤولة عن ارتفاع أسعار العقار. لكن في المدن التي تتمتع بجاذبية دولية ومخزون عمراني محدود، ينبغي مراقبة العلاقة بين السياحة والسكن بدقة.

فالمدينة القديمة ليست فندقاً كبيراً.

إنها أيضاً مكان يعيش فيه السكان، وتحتاج إلى بقالة وخدمات يومية ومدرسة وحرف موجهة إلى حاجات السكان، لا إلى الاستهلاك السياحي وحده. وإذا أصبحت القيمة الاقتصادية للمكان مرتبطة حصراً بالزائر، فقد تبدأ الوظائف المحلية في التغير تدريجياً.

عندها لا يختفي السكان بقرار واحد، وإنما تصبح الحياة اليومية أكثر كلفة وأقل ملاءمة لهم.

المدينة العتيقة ليست ديكوراً سياحياً

تمنح المدينة العتيقة الصويرة جزءاً أساسياً من هويتها، وقد أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي منذ 2001 بوصفها نموذجاً متميزاً لمدينة محصنة تعود إلى أواخر القرن الثامن عشر ومتأثرة بمبادئ العمارة العسكرية الأوروبية في سياق شمال إفريقي.

هذه القيمة التاريخية هي مصدر قوة، لكنها تضع المدينة أمام معادلة دقيقة.

فالتراث يحتاج إلى موارد للحفاظ عليه، والسياحة تستطيع توفير جزء منها. وفي المقابل، يمكن للطلب السياحي نفسه أن يضغط على المباني والاستخدامات والفضاءات إذا تحولت المحافظة على التراث إلى المحافظة على الواجهة فقط.

المدينة التاريخية لا تبقى حية لأن جدرانها رُممت، بل لأن الوظائف اليومية ما زالت موجودة داخلها.

الحرفي والسكان والتاجر الصغير والطفل المتجه إلى المدرسة جزء من قيمة المكان بقدر المبنى التاريخي. وإذا تحولت الأزقة تدريجياً إلى سلسلة متصلة من المطاعم ودور الضيافة ومتاجر الهدايا، فقد يبقى التراث المعماري بينما تتغير البيئة الاجتماعية التي أعطته معناه.

المهرجان يستطيع جلب الزائر.. لكنه لا يستطيع وحده بناء السنة

أصبحت الصويرة مرتبطة دولياً بالموسيقى والثقافة، وفي مقدمة ذلك مهرجان كناوة وموسيقى العالم. وقد منح هذا الرصيد المدينة قدرة على جذب جمهور لا يأتي من أجل البحر وحده.

وهذه نقطة قوة مهمة لأنها تسمح بتوسيع معنى السياحة خارج النموذج الصيفي التقليدي.

لكن الحدث الكبير، مهما بلغت أهميته، يظل محدوداً في الزمن. يمتلئ الفندق لبضعة أيام، ثم يعود الاقتصاد إلى إيقاع آخر.

التحدي هو تحويل السمعة التي يصنعها الحدث إلى حركة ثقافية مستمرة: عروض أصغر خلال السنة، إقامات فنية، ورشات، مؤسسات ثقافية، معارض، تكوين في الصناعات الإبداعية ومسارات تجعل الثقافة جزءاً من الاقتصاد الحضري الدائم.

عندها لا تكون الثقافة مجرد أداة لجذب السائح، وإنما قطاعاً ينتج العمل والمعرفة والقيمة داخل المدينة.

السياحة البطيئة قد تناسب الصويرة أكثر

ليست كل مدينة مضطرة إلى البحث عن أكبر عدد ممكن من الزوار.

فالمدن ذات النسيج التاريخي المحدود تحتاج إلى التفكير في نوع السياحة بقدر التفكير في حجمها. والزائر الذي يبقى عدة أيام وينفق على خدمات ومنتجات محلية ويكتشف المدينة ومحيطها يمكن أن تكون قيمته الاقتصادية مختلفة عن زائر سريع يمر لساعات.

الصويرة تمتلك عناصر تساعد على هذا النموذج: المدينة العتيقة، الثقافة الموسيقية، المطبخ، الساحل، الحرف، والمجال الطبيعي والقروي المحيط بها.

ربط هذه العناصر يسمح بتوزيع النشاط زمنياً ومكانياً. كما يمكن أن يخفف الضغط عن نقاط محددة داخل المدينة العتيقة ويجعل قرى ومراكز قريبة تستفيد من الحركة السياحية.

لكن ذلك يحتاج إلى نقل ومعلومات ومسارات وخدمات تجعل الزائر قادراً على الخروج من الدائرة السياحية الأكثر شهرة.

من يعمل في المدينة السياحية؟

أحد الاختبارات الأساسية لاستدامة السياحة يتعلق بنوعية الوظائف التي تنتجها.

يمكن للسياحة أن تستوعب مستويات مختلفة من المهارات، وهذه ميزة مهمة. لكنها قد تنتج أيضاً نسبة مرتفعة من العمل الموسمي أو الهش إذا بقي النشاط مرتبطاً بفترات محدودة من السنة.

ولهذا فإن تمديد الموسم ليس قضية تخص الفنادق وحدها. إنه سياسة تشغيل.

كل شهر إضافي يستطيع فيه المطعم أو دار الضيافة أو النشاط الثقافي الاحتفاظ بالعامل يقلل من هشاشة الدخل. وكل نشاط اقتصادي جديد غير مرتبط مباشرة بالسياحة يمنح المدينة بدوره قدرة أكبر على امتصاص التقلبات.

من هنا تظهر الحاجة إلى عدم وضع السياحة في مواجهة التنويع الاقتصادي. المدينة السياحية الأكثر متانة هي التي تستطيع الاستفادة من الزائر من دون أن تجعل مستقبل جميع سكانها معلقاً بوصوله.

حتى الفضاء العام يتغير تحت ضغط السياحة

الساحة والرصيف والشاطئ والمدينة العتيقة ليست منتجات سياحية فقط. إنها فضاءات يستخدمها السكان قبل وصول الزائر وبعد مغادرته.

وحين ترتفع جاذبية المدينة، يمكن أن يزداد التنافس على هذه المساحات. تتوسع بعض الأنشطة التجارية، ويزداد استعمال الأرصفة والساحات، وترتفع حركة السيارات والحافلات السياحية، بينما تحتاج الحياة اليومية للسكان إلى الفضاء نفسه.

هنا تصبح إدارة السياحة جزءاً من إدارة المدينة.

فجودة تجربة الزائر لا ينبغي أن تتحقق على حساب حركة السكان أو قدرتهم على استخدام المجال العام. وفي الواقع، غالباً ما تكون المدينة الجيدة لسكانها أكثر جاذبية للزائر أيضاً.

الرصيف الجيد والنظافة والنقل المنظم والفضاء العام المريح ليست تجهيزات سياحية. إنها بنية حضرية يستفيد منها الجميع.

ماذا يحدث عندما يغادر آخر سائح؟

هذا ربما هو الاختبار الأكثر بساطة للمدينة السياحية.

إذا بقيت بعد انتهاء الموسم مدينة يستطيع سكانها العمل والعيش واستخدام فضاءاتها والحصول على الخدمات، فإن السياحة تكون قد دخلت في اقتصاد حضري أوسع. أما إذا انخفض النشاط بشدة وأغلقت المؤسسات المؤقتة وتقلصت فرص العمل، فإن الموسم يكون قد أخفى هشاشة لم تظهر أثناء الازدحام.

الصويرة لا تحتاج إلى التخلص من هويتها السياحية. هذه الهوية واحدة من أهم أصولها الاقتصادية والثقافية.

لكن المرحلة الأكثر نضجاً في علاقة المدينة بالسياحة تبدأ عندما يصبح الهدف أكبر من زيادة عدد الزوار.

إنها تبدأ من توزيع النشاط على أشهر السنة، وربط السياحة بالإنتاج المحلي والثقافة والحرف، وحماية الوظيفة السكنية للمدينة، وتحسين ظروف العمل، وإبقاء جزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد المحلي.

فالمدينة السياحية الناجحة ليست التي تمتلئ عندما يأتي الجميع.

إنها التي تظل مدينة عندما يغادرون.