لم تكن المدينة المغربية في حاجة إلى كأس العالم حتى تكتشف اختلالاتها. غير أن اقتراب 2030 وضعها أمام موعد يضغط الزمن ويسرّع مشاريع كان بعضها سيحتاج سنوات أطول للانتقال من الدراسات إلى التنفيذ. ففي الدار البيضاء تتغير شبكات النقل والطرق والمحطات، بينما تعرف الرباط ومراكش وطنجة وفاس وأكادير بدورها أوراشاً مرتبطة بالتنقل والتجهيز والاستقبال.
لهذا لا تبدو السنوات المقبلة مجرد مرحلة تجهيز لمونديال كرة القدم. إنها فترة ستُضخ خلالها استثمارات قادرة على ترك أثر طويل في شكل المدن وطريقة العيش داخلها. لكن الأثر لن يتحدد بحجم الإنفاق وحده، بل بالطريقة التي ستندمج بها هذه المشاريع في المدينة الموجودة أصلاً.
يتزامن هذا التحول مع انتقال فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة، بعد تجربة على رأس وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. ولا تمنح هذه الخلفية الحكومة الجديدة نتيجة مسبقة، لكنها تجعل المدينة ملفاً يصعب التعامل معه باعتباره شأناً قطاعياً ثانوياً. فمشكلات السكن والنقل والعقار والمجال العام مترابطة، بينما ظلت مسؤولياتها موزعة بين قطاعات ومؤسسات ومستويات مختلفة من التدبير.
فالأسرة التي تسكن بعيداً عن مكان العمل لا تعاني مشكلة سكن فقط، بل تعاني أيضاً مشكلة نقل وتخطيط. والحي الذي ترتفع فيه كثافة البناء من دون حدائق ومدارس ومرافق لا يعاني نقصاً في التجهيزات وحدها، وإنما خللاً في الطريقة التي صُنعت بها المدينة.
المونديال يمكن أن يغيّر المدينة.. ولكن أي مدينة؟
الأوراش المرتبطة بعام 2030 واسعة، وتشمل الملاعب والمطارات والشبكات السككية والطرق ومشاريع النقل والتأهيل الحضري. ويحتاج المغرب إلى جزء كبير من هذه الاستثمارات بصرف النظر عن كأس العالم، لأن الضغط على البنية الحضرية سبق المونديال بسنوات.
غير أن النظر إلى هذه الأوراش باعتبارها قائمة مشاريع منفصلة قد يفوّت فرصة أكبر. فالمحطة الجديدة لا تنتهي عند أبوابها، كما أن الطريق أو الملعب لا ينتهيان عند حدودهما الهندسية. كل مشروع كبير يعيد توزيع الحركة والعقار والاستثمار حوله، وقد يغير قيمة أحياء كاملة ويدفع المدينة إلى التوسع في اتجاهات جديدة.
من هنا يصبح دور التخطيط أكثر تعقيداً. المطلوب ليس فقط إنجاز المشروع في موعده، وإنما استباق ما سيحدث حوله بعد تشغيله. فالاستثمار في النقل، مثلاً، يستطيع تحسين الوصول إلى حي كامل وجذب أنشطة جديدة إليه. لكنه قد يرفع أيضاً أسعار الأرض والإيجارات، فتستفيد المنطقة من الاستثمار بينما يصبح البقاء فيها أصعب على بعض سكانها وأنشطتها الصغيرة.
هذه المفارقة ليست سبباً لرفض التجديد الحضري، وإنما حجة لصالح تخطيط أكثر حساسية للنتائج الاجتماعية. فالمدينة لا تتغير فقط عندما يظهر مبنى جديد، بل أيضاً عندما يتغير من يستطيع السكن والعمل والبقاء في المكان.
حين يعيد الاستثمار رسم خريطة الحي
يمكن رؤية هذه الإشكالية في الدار البيضاء، حيث يطرح مستقبل المعاريف ودرب غلف نموذجاً مصغراً لما قد تواجهه مناطق أخرى. فإعادة التأهيل لا تتعلق هنا بأرض فارغة تنتظر مشروعاً جديداً، وإنما بنسيج حضري تشكل خلال عقود واكتسب وظائف اقتصادية واجتماعية معقدة.
درب غلف، مثلاً، ليس مجرد مجموعة محلات يمكن إعادة ترتيبها هندسياً. إنه سوق ارتبط باقتصاد المدينة وذاكرتها، وتكونت داخله شبكات من التجار والخدمات والزبائن. لذلك لا يكفي أن يبدو المكان أكثر انتظاماً بعد التأهيل حتى نعتبر العملية ناجحة.
المعيار الأهم هو ما إذا كان التجديد سيحسن المكان مع الحفاظ على قدرته على احتضان الأنشطة التي صنعت حيويته. وإذا أدت زيادة قيمة العقار إلى دفع هذه الأنشطة بعيداً، فقد تكسب المدينة واجهة أكثر ترتيباً وتفقد في المقابل جزءاً من اقتصادها الحضري الحي.
وهذا ما يجعل التجديد العمراني قضية اجتماعية بقدر ما هو قضية هندسية. فالأحياء ليست صفحات بيضاء، والشارع لا يؤدي وظيفة مرورية فقط. هناك ذاكرة ومصالح ومسارات يومية تشكلت بمرور الزمن، وأي مشروع يتجاهلها قد يحل مشكلة عمرانية ويخلق مشكلة أخرى.
عندما يكون السكن موجوداً والمدينة غائبة
تظهر القضية بصورة أوضح في السكن، وهو المجال الذي تأتي منه رئيسة الحكومة الجديدة مباشرة. فقد أظهرت مراحل التوسع السابقة أن إنتاج الشقق لا يعني بالضرورة إنتاج أحياء قابلة للحياة.
يمكن للأسرة أن تنتقل إلى مسكن أفضل، ثم تدفع يومياً جزءاً من هذا التحسن في كلفة التنقل والوقت. يحدث ذلك عندما يبقى العمل والمدرسة والمستشفى والإدارة بعيداً عن مكان السكن. وعندها تنتقل المشكلة من داخل البيت إلى العلاقة بين البيت والمدينة.
لهذا يحتاج تقييم سياسة الإسكان إلى تجاوز عدد الوحدات المنجزة. فالسؤال لا يتعلق فقط بعدد المساكن التي أضيفت إلى السوق، وإنما بنوعية الأحياء التي نشأت حولها، ومدى اتصالها بالنقل والخدمات وفرص العمل.
هذا التحول في المقاربة يحتاج بدوره إلى تنسيق حكومي أوسع، لأن وزارة واحدة لا تستطيع معالجة كل عناصره. عندما يُخطط حي قبل وصول النقل، أو ترتفع كثافة البناء من دون زيادة المدارس والحدائق والمرافق، تظهر حدود العمل القطاعي حتى عندما ينجح كل قطاع في تنفيذ الجزء الذي يخصه.
المواطن، في المقابل، لا يعيش اختصاصات المؤسسات منفصلة. الطريق والحافلة والسكن والمدرسة والماء والحديقة تشكل بالنسبة إليه تجربة حضرية واحدة. وحين تفشل إحدى حلقاتها، تنعكس النتيجة على علاقته بالمدينة كلها.
المدينة ليست الطريق بين المطار والملعب
يحمل الاستعداد للمونديال إغراءً مفهوماً بتركيز الجهد في الأماكن التي ستظهر أمام الزائر والكاميرا: المطار والمحطة ومحاور الحركة ومحيط الملعب والفنادق والساحات الرئيسية. لكن المدينة لا تنتهي عند هذه المسارات.
خلف الواجهة تستمر حياة يومية لا تظهر في البث التلفزيوني. هناك العامل الذي يحتاج إلى حافلتين للوصول إلى عمله، والطفل الذي يعبر شارعاً غير مهيأ جيداً، والمسن الذي لا يجد مكاناً مظللاً للجلوس. وهناك أيضاً أحياء لا تحتاج إلى مشروع ضخم بقدر حاجتها إلى رصيف جيد وإنارة ونظافة ومساحة خضراء ونقل منتظم.
ولا يعني ذلك وضع احتياجات السكان في مواجهة متطلبات كأس العالم. على العكس، تستطيع استثمارات كثيرة أن تخدم الطرفين في الوقت نفسه. فالقطار الذي يستجيب لضغط 2030 سيواصل نقل السكان بعد البطولة، والمطار الموسع سيخدم الاقتصاد والسياحة، وشبكة النقل الجديدة يمكن أن تغير حياة آلاف العمال والطلبة يومياً.
الفارق يوجد في طريقة تصميم الاستثمار وربطه بالمدينة. فإذا كان المونديال يحدد موعد الإنجاز، فينبغي أن تحدد احتياجات السكان الوظيفة التي ستستمر بعده.
وهنا تستعيد التفاصيل الصغيرة قيمتها. فالرصيف ليس المساحة المتبقية بعد تحديد عرض الطريق، والشجرة ليست زينة توضع بعد انتهاء الأشغال. كما أن الساحة العامة ليست فراغاً بين مشروعين عقاريين، بل جزء من البنية التي تجعل المدينة قابلة للعيش.
المونديال خارج المدن الست
لا ينبغي كذلك أن يحجب التركيز على المدن المرتبطة مباشرة بكأس العالم بقية الخريطة الحضرية. فالدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة وفاس وأكادير ستستفيد بدرجات مختلفة من تسارع الاستثمار، لكن المغرب الحضري أوسع بكثير من هذه المراكز.
هناك مدن متوسطة وصغيرة تحتاج إلى النقل والماء والمساحات العامة والخدمات والسكن المتصل بفرص العمل، حتى وإن لم تستضف مباراة واحدة. وإذا أحدثت السنوات المقبلة قفزة كبيرة في المدن الرئيسية، بينما استمرت بقية المراكز بالإيقاع السابق، فقد تتسع الفوارق داخل المغرب الحضري في اللحظة نفسها التي تتحسن فيها واجهته الدولية.
لذلك تكتسب البرامج التي تتحدث عن التأهيل خارج المدن المستضيفة أهمية خاصة. غير أن القيمة الحقيقية لن تكون في وجود هذا التوجه في الوثائق، بل في كيفية ترجمته جغرافياً ومالياً. فالعدالة المجالية لا تعني بناء المنشآت نفسها في كل مدينة، وإنما الاستجابة لاختلاف احتياجاتها مع ضمان مستوى معقول من الخدمات والفرص.
فمشكلة الدار البيضاء ليست بالضرورة مشكلة الرشيدية، كما تختلف حاجات مراكش عن حاجات وجدة أو آسفي. ومن هنا ينبغي أن تكون هناك سياسة وطنية للمدينة، ولكن بأدوات تتكيف مع حجم كل مركز حضري ووظيفته وموارده وضغوطه السكانية.
من سياسة الإسكان إلى سياسة الحياة في المدينة
ربما يكون هذا هو التحول الأكثر أهمية أمام الحكومة الجديدة. فالمغرب لا يحتاج إلى التخلي عن سياسة الإسكان أو الطرق أو التجهيزات، وإنما إلى ربطها داخل تصور واحد يجعل نوعية الحياة الحضرية نتيجة مقصودة منذ بداية المشروع.
ويشمل ذلك أيضاً إعادة الاعتبار للمشي والنقل العمومي والفضاء العام. فالطفل الذي يسير إلى المدرسة، والشخص ذو الإعاقة، والمسن الذي يحتاج إلى مكان للراحة، والعامل الذي ينتظر الحافلة تحت الشمس، جميعهم مستخدمون للمدينة مثل سائق السيارة.
ومع ارتفاع درجات الحرارة والضغط على الموارد، ستزداد أهمية الأشجار والظل والمساحات الخضراء والقرب من الخدمات. لذلك لم تعد هذه العناصر ترفاً جمالياً يمكن إضافته إذا تبقى جزء من الميزانية، بل أصبحت جزءاً من قدرة المدينة على التكيف وعلى توفير حياة يومية أكثر راحة.
ويحتاج هذا التصور أيضاً إلى حضور السكان في عملية التخطيط. فالخبرة التقنية ضرورية، لكن الذين يعيشون الحي يمتلكون معرفة مختلفة بتفاصيله: أين يختنق المرور، وأين يصعب عبور الشارع، وأي مساحة عامة تنجح في جذب الناس، ولماذا يبقى فضاء آخر فارغاً رغم جودة تصميمه.
ما الذي سيبقى في 2031؟
عندما تنطلق كأس العالم ستتجه الكاميرات إلى الملاعب والمطارات والمحطات والمحاور الكبرى، وسيصبح تنظيم البطولة جزءاً من الصورة التي يقدمها المغرب إلى العالم. غير أن الحكم على أثر هذه المرحلة في المدينة يحتاج إلى الانتظار قليلاً بعد مغادرة المشجعين.
في 2031 ستكون المنشآت قد خرجت من ضغط الموعد، وعندها يمكن النظر إلى ما فعلته بالمدينة المحيطة بها. فإذا أصبح الوصول إلى العمل أسهل، وتحسن النقل داخل الأحياء، واقتربت الخدمات من السكن، واتسعت المساحات العامة، فستكون استثمارات 2030 قد تجاوزت الوظيفة المرتبطة بالبطولة.
ويمكن عندها أيضاً النظر إلى المدن التي لم تستضف المباريات لمعرفة نصيبها من التحول. فنجاح السياسة الحضرية لن يظهر فقط في جودة المراكز الأكثر حضوراً في الصورة، وإنما في قدرتها على تقليص الفجوة بينها وبين بقية المجال الحضري.
تصل فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة وهي تحمل تجربة مباشرة في التعمير والإسكان وسياسة المدينة. ولا تكفي هذه الخلفية وحدها للحكم مسبقاً على المسار الذي ستتخذه الحكومة، لكنها تجعل المدينة ملفاً يمكن متابعة حصيلتها من خلاله بوضوح. كما يمنح موعد 2030 المغرب ضغطاً زمنياً واستثمارات يصعب أن تجتمع بالحجم نفسه في الظروف العادية.
لهذا قد تكون القضية الأساسية خلال السنوات المقبلة أقل ارتباطاً بعدد المشاريع من العلاقة التي ستنشأ بينها. فإذا بقي السكن منفصلاً عن النقل، والطريق منفصلاً عن المشاة، والاستثمار منفصلاً عن الحي، ستكون المدن قد حصلت على منشآت جديدة من دون أن تغير بالضرورة منطقها القديم. أما إذا تحولت هذه الأوراش إلى فرصة لربط تلك العناصر، فقد يخرج المغرب من 2030 بما هو أبقى من الملاعب والمطارات والطرق: سياسة مدينة تجعل الاستثمار الكبير محسوساً في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية.
