خبراء يحذرون من تبذير المياه رغم تحسن الوضع المائي في المغرب

إعداد: نادية بنعيسى
عرف المغرب خلال السنة الجارية تحسناً ملحوظاً في وضعه المائي بفضل التساقطات المطرية والثلجية المهمة التي شهدتها مختلف المناطق. وارتفعت نسبة ملء السدود إلى مستويات مريحة مقارنة بالسنوات الماضية التي اتسمت بالجفاف والخصاص المائي.
غير أن هذا التحسن لا يعني انتهاء التحديات المرتبطة بالماء. فخبراء البيئة والموارد المائية يحذرون من أن العودة إلى سلوكيات التبذير قد تقوض المكاسب التي تحققت خلال الموسم الحالي.
عاش المغرب خلال السنوات الأخيرة واحدة من أصعب الفترات المناخية. فقد تراجعت التساقطات بشكل ملحوظ، وانخفضت مستويات المياه في السدود والفرشات المائية.
وأثرت هذه الوضعية على التزويد بالماء الشروب وعلى النشاط الفلاحي. كما عانت عدة مناطق من قيود على الاستهلاك ومن صعوبات في تلبية الحاجيات اليومية للسكان.
وقد دفعت هذه الظروف الدولة إلى إطلاق برامج استعجالية واستثمارات كبرى لحماية الأمن المائي للمملكة.
ساهمت الأمطار والثلوج التي عرفها الموسم الحالي في تحسين المخزون المائي الوطني. كما ساعدت في تغذية الفرشات المائية والوديان والبحيرات الطبيعية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يؤكد المختصون أن المغرب يظل ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة. كما أن التقلبات المناخية أصبحت أكثر حدة خلال السنوات الأخيرة.
ولهذا السبب، فإن الوفرة الحالية يجب أن تشجع على مزيد من الحذر وليس على التوسع في الاستهلاك غير الضروري.
مع بداية فصل الصيف، بدأت تظهر بعض الممارسات التي تثير مخاوف المختصين. وتشمل هذه السلوكيات الاستعمال المفرط للمياه في غسل السيارات وتنظيف الواجهات والأرصفة.
كما يثير ملء المسابح الخاصة وتجديد مياهها بشكل متكرر تساؤلات حول مدى احترام مبادئ ترشيد الاستهلاك.
ويرى خبراء أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى استنزاف جزء مهم من الموارد المائية إذا تحولت إلى سلوك واسع النطاق.
يواصل المغرب تنفيذ عدد من المشاريع الاستراتيجية لمواجهة تحديات الماء. وتشمل هذه المشاريع بناء السدود وتوسيع شبكات الربط المائي بين الأحواض.
كما تراهن المملكة على تحلية مياه البحر لتأمين حاجيات المدن الساحلية والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
وتعد إعادة استعمال المياه المعالجة من بين الخيارات التي تحظى باهتمام متزايد، خاصة في سقي المساحات الخضراء وبعض الأنشطة الصناعية.
لا تستفيد جميع المناطق المغربية من الموارد المائية بنفس الدرجة. فبعض الجهات الشمالية تعرف وفرة نسبية، بينما تواجه مناطق أخرى ضغوطاً متزايدة بسبب قلة التساقطات.
ولهذا يبرز مشروع نقل المياه بين الأحواض كأحد الحلول المطروحة لتحقيق توازن أفضل في توزيع الموارد المائية.
كما يمكن لهذه المشاريع أن تساهم في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمناطق التي تعاني من الإجهاد المائي.
أصبحت محطات تحلية مياه البحر جزءاً أساسياً من السياسة المائية الوطنية. وتوفر هذه المنشآت مورداً إضافياً يخفف الضغط على المياه التقليدية.
كما تسمح بتأمين حاجيات المدن الساحلية والسكان والقطاع السياحي. وفي المقابل، يمكن توجيه جزء أكبر من المياه العذبة لدعم الأنشطة الفلاحية.
ويرى المختصون أن هذا الخيار سيكتسب أهمية أكبر خلال العقود المقبلة.
لم تعد قضية الماء مجرد ملف بيئي. بل أصبحت مرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والتنمية المجالية.
فكل تراجع في الموارد المائية ينعكس على الفلاحة والتشغيل والإنتاج الغذائي. كما يؤثر على جودة الحياة داخل المدن والقرى.
ولهذا تدعو المؤسسات والخبراء إلى اعتبار الماء مورداً استراتيجياً يتطلب حماية مستمرة وتدبيراً عقلانياً.
يؤكد المختصون أن نجاح السياسات المائية لا يعتمد فقط على المشاريع الكبرى. بل يحتاج أيضاً إلى مساهمة المواطنين والمؤسسات في ترشيد الاستهلاك.
فالحفاظ على كل قطرة ماء أصبح ضرورة وطنية. كما أن تغيير السلوكيات اليومية يمكن أن يحقق نتائج مهمة على المدى الطويل.
وبينما يمنح الموسم الحالي بعض الارتياح، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الاقتصاد في الماء إلى ثقافة دائمة، تضمن للمغرب مواجهة التقلبات المناخية المستقبلية بثقة أكبر واستعداد أفضل.
