فيضانات آسفي.. إعادة الإعمار وتحديات تعافي الإنسان

إعداد: يوسف التازي
بعد مرور أكثر من ستة أشهر على الفيضانات التي ضربت مدينة آسفي وخلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة، ما تزال المدينة تعيش على إيقاع ورش واسع لإعادة التأهيل. فقد استعادت الآليات حضورها في الشوارع والأزقة، بينما يواصل السكان انتظار تعافٍ حقيقي يعيد إليهم الشعور بالأمان والاستقرار.
ورغم تقدم الأشغال في عدد من المرافق، فإن الجراح الإنسانية التي خلفتها الكارثة لا تزال حاضرة في ذاكرة الأسر التي فقدت أحباءها أو مصادر رزقها.
تشهد الأحياء المتضررة أشغالاً متواصلة لإعادة تأهيل البنية التحتية. وتشمل التدخلات إصلاح شبكات التطهير والماء الصالح للشرب، إلى جانب تهيئة الشوارع والفضاءات التجارية التي تضررت بفعل السيول.
وتؤكد المعطيات المتوفرة أن وتيرة الأشغال تسارعت خلال الأشهر الأخيرة، في إطار البرنامج الحكومي الذي أطلق لإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
ورغم التحسن التدريجي في المشهد العمراني، فإن سكان المدينة يؤكدون أن آثار الفيضانات لم تختفِ من حياتهم اليومية.
فالكثير من الأسر ما زالت تعيش تبعات الفقدان، بينما يجد بعض التجار صعوبة في استعادة نشاطهم السابق. كما أن عدداً من المحلات التجارية لا يزال مغلقاً في انتظار استكمال عمليات الإصلاح.
استفاد عدد من التجار من دفعات مالية خُصصت للمساعدة على إصلاح المحلات واستئناف الأنشطة الاقتصادية. كما شملت برامج الدعم فئات لم تستفد في المراحل السابقة، وفق المعايير التي حددتها السلطات المختصة.
ويرى المهنيون أن هذه المبادرات ساهمت في تخفيف جزء من الخسائر، لكنها تحتاج إلى مواكبة مستمرة حتى تستعيد المدينة حيويتها الاقتصادية بالكامل.
ألقت الفيضانات بظلالها على الحركة التجارية والسياحية في آسفي. فقد تراجع الإقبال على المدينة خلال الأشهر الماضية، كما تأثرت الأنشطة المرتبطة بالأسواق التقليدية والخدمات.
ومع تقدم الأشغال، يعول الفاعلون الاقتصاديون على عودة الزوار تدريجياً، خاصة بعد استكمال مشاريع التأهيل وتحسين الفضاءات العمومية.
تكشف تجربة آسفي أن إعادة الإعمار لا تقتصر على إصلاح الطرق والمباني. فالمدينة تحتاج أيضاً إلى إعادة ترميم الثقة والدعم النفسي والاجتماعي للأسر المتضررة.
ويرى مختصون أن نجاح برامج إعادة التأهيل يقاس بقدرتها على إعادة السكان إلى دورة الحياة الطبيعية، وليس فقط بإنجاز المشاريع العمرانية.
فالتنمية الحقيقية تبدأ عندما يشعر الإنسان بأن دولته تقف إلى جانبه في لحظات المحنة، وأن التعويض لا يقتصر على الممتلكات، بل يشمل أيضاً استعادة الكرامة والأمل.
تواصل آسفي اليوم كتابة فصل جديد من التعافي. فالأشغال الميدانية تتقدم، والدعم المالي يتواصل، غير أن التعافي الكامل سيظل مرتبطاً بقدرة السياسات العمومية على الجمع بين إعادة بناء المدينة والعناية بالإنسان.
فالكوارث الطبيعية تنتهي بانحسار المياه، لكن آثارها الاجتماعية قد تمتد سنوات طويلة إذا لم ترافقها سياسات تعزز التضامن، وتحمي الفئات الهشة، وتعيد الثقة إلى المتضررين.

