استمع إلى المقال8 دقائق تقريباً

لا تحتاج المدينة إلى أن تفقد سكانها بالكامل حتى تبدأ في الانكماش. يكفي أحياناً أن يغادر منها الأشخاص الذين كان يمكن أن يصنعوا مستقبلها. طالب يحصل على البكالوريا فينتقل إلى مدينة جامعية، وخريج يبحث عن أول وظيفة فيتجه نحو الدار البيضاء أو الرباط أو طنجة، ومقاول صغير يكتشف أن السوق والتمويل والشركاء أقرب إليه في مركز اقتصادي أكبر. تستمر المدينة الأصلية في مكانها، وتبقى شوارعها ومبانيها وسكانها، لكن جزءاً من طاقتها البشرية يتحرك في اتجاه آخر.

هذه الحركة ليست جديدة في المغرب. الجديد هو أن التحول الحضري بلغ مستوى يجعل من الصعب النظر إليها باعتبارها انتقالاً تقليدياً من القرية إلى المدينة. فقد وصلت نسبة التمدن، بحسب الإحصاء العام للسكان والسكن لسنة 2024، إلى 62.8 في المائة. وأصبحت الهجرة الداخلية تشمل انتقالات بين المدن نفسها، وبين المراكز الصغيرة والحواضر الكبرى، وبين أقاليم تتفاوت قدرتها على إنتاج الوظائف والخدمات.

هنا يتغير السؤال. لم يعد الأمر متعلقاً فقط بسبب انتقال المغاربة إلى المدن، بل بسبب قدرة بعض المدن على الاحتفاظ بسكانها وجذب آخرين، مقابل مدن تجد نفسها في موقع المصدّر للطلبة والعمال والكفاءات.

ليست كل المدن في السباق نفسه

يمكن لخريطة المغرب أن توحي بشبكة واسعة من المدن والمراكز الحضرية، لكن وجود المدينة على الخريطة لا يعني امتلاكها الوظائف نفسها. فالجامعة والمستشفى المتخصص والمنطقة الصناعية والمطار والإدارة المركزية وشبكات الشركات والخدمات المتقدمة لا تتوزع بالتساوي.

تنتج هذه الفوارق قوة جذب تراكمية. عندما تستقطب مدينة استثماراً جديداً، فإنها لا تحصل على الوظائف المرتبطة به فقط. قد تستقطب أيضاً مورّدين وخدمات ومكاتب ومهارات، ثم يصبح وجود هذه الأنشطة سبباً لجذب استثمارات أخرى.

في المقابل، تواجه المدينة الأصغر معادلة أكثر صعوبة. ضعف السوق يقلل جاذبيتها لبعض الاستثمارات، وقلة الاستثمار تحد من الوظائف. وعندما تقل الوظائف يغادر جزء من الشباب، فيصبح السوق المحلي أضعف.

بهذا المعنى، يمكن أن تنتج الجغرافيا الاقتصادية دوائر تعزز نفسها: مدن تزداد جاذبيتها لأنها جذابة أصلاً، وأخرى يصبح كسر مسارها أكثر صعوبة كلما استمر خروج السكان الأكثر قدرة على الحركة.

وتشير دراسات البنك الدولي حول التحضر في المغرب إلى أن المدن الثانوية توظف نسبة أقل من العمال في الخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة، مقارنة بالمراكز الاقتصادية الأكبر. كما شددت هذه الدراسات على أهمية الاستثمار والمهارات وربط المدن بالأسواق لتقليص الفوارق المجالية.

الجامعة قد تكون أول محطة للمغادرة

تبدأ العلاقة غير المتكافئة بين المدن مبكراً. ففي عدد من المدن الصغيرة والمتوسطة، لا يجد الطالب جميع التخصصات أو المؤسسات التي يبحث عنها. يصبح الانتقال إلى مدينة أخرى قراراً تعليمياً في البداية، لكنه قد يتحول إلى انتقال دائم.

بعد سنوات الدراسة، يكون الطالب قد بنى شبكة علاقات في المدينة الجديدة، وتعرف إلى سوق عمل أوسع، وربما حصل على تدريب أو أول وظيفة فيها. عندها تصبح العودة إلى مدينته الأصلية خياراً أقل جاذبية إذا لم يجد مستوى قريباً من الفرص.

ليست المشكلة في انتقال الطالب ذاته؛ فالحركة بين المدن جزء طبيعي من التعليم والاقتصاد. المشكلة تظهر عندما تصبح الحركة في اتجاه واحد تقريباً، وعندما لا تستطيع المدينة الصغيرة جذب خريجين من مدن أخرى أو استعادة جزء ممن غادروها.

عندها تتحول الجامعة من قضية تعليم إلى قضية حضرية. فالمدينة التي لا تستطيع توفير مسار يبدأ بالتكوين وينتهي بفرصة مهنية تواجه صعوبة في الاحتفاظ بجيل كامل، مهما حسنت شوارعها أو ساحاتها.

الوظيفة تعيد رسم خريطة السكان

يظل العمل العامل الأكثر وضوحاً في هذه المعادلة. فالمغادرة لا تعني دائماً تفضيل الحياة في مدينة كبيرة. كثير من الناس قد يفضلون مدينة أصغر، حيث المسافات أقصر والسكن أقل ضغطاً والقرب من الأسرة أكبر، لكن التفضيل وحده لا يصنع وظيفة.

لذلك ينبغي قراءة الهجرة الداخلية أيضاً باعتبارها خريطة للفرص الاقتصادية. عندما تتركز الشركات والإدارات والخدمات المتخصصة والأنشطة الصناعية في أقطاب محددة، تتحرك اليد العاملة في اتجاهها.

المشكلة أن هذا التركيز يخلق كلفة في الجهتين. الحاضرة الجاذبة تواجه ضغطاً على السكن والنقل والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية. أما المدينة التي يغادرها السكان فتخسر جزءاً من الطلب المحلي والمهارات والقدرة على المبادرة.

ويقر الإطار الجديد للشراكة بين المغرب والبنك الدولي للفترة 2026-2035 باستمرار الفوارق المجالية، واضعاً تحسين اتصال المدن والمجالات بالأسواق والخدمات ضمن محاور العمل.

وهذا يعني أن عدم التوازن بين المدن ليس مسألة ديموغرافية فقط. إنه مرتبط بكيفية توزيع البنية الاقتصادية والخدمات وإمكان الوصول إليها.

هل تكفي الطرق لوقف النزيف؟

عادة ما تظهر البنية التحتية باعتبارها أول جواب عن التفاوت المجالي. تحسين الطريق أو السكك الحديدية يمكن أن يقلص زمن الرحلة، ويفتح أسواقاً جديدة أمام الشركات، ويجعل المدينة الصغيرة أقرب إلى مركز اقتصادي أكبر.

لكن الاتصال يحمل مفارقة تستحق الانتباه. فالطريق الجيدة تستطيع جلب الاستثمار إلى المدينة، لكنها تستطيع أيضاً تسهيل مغادرتها.

إذا رُبطت مدينة صغيرة بحاضرة قوية اقتصادياً من دون تطوير اقتصادها المحلي، قد يتحول الاتصال الأفضل إلى وسيلة تسمح للسكان بالوصول إلى الوظائف والخدمات خارجها. وقد تنتقل بعض المشتريات والأنشطة التجارية بدورها إلى المركز الأكبر.

لذلك لا ينبغي التعامل مع الربط الترابي باعتباره مشروع نقل منفصلاً عن التنمية المحلية. قيمته الحقيقية تظهر عندما يساعد المدينة على الوصول إلى الأسواق وجذب الأنشطة، لا عندما يجعل الرحيل منها أسرع فقط.

وتشير تجارب النقل الحضري في المغرب إلى أن تقليص زمن الرحلة يوسع فعلاً المجال الذي يستطيع الباحث عن العمل الوصول إليه. وهذا يوضح العلاقة المباشرة بين الاتصال وفرص الشغل، لكنه يؤكد أيضاً ضرورة التفكير في مكان إنتاج تلك الفرص.

عندما تغادر الكفاءات يبقى أثرها في المدينة

ليس جميع المغادرين متشابهين من منظور المدينة. خروج شاب يحمل تعليماً أو مهارة مطلوبة يختلف اقتصادياً عن حركة سكانية عادية، لأن تكوينه يمثل مورداً كان يمكن أن يدخل في إنتاج قيمة محلية.

إذا تكرر هذا المسار، تظهر مشكلة يصعب قياسها بعدد السكان وحده. قد لا تفقد المدينة نسبة كبيرة من سكانها، لكنها تفقد نسبة أكبر من أطبائها أو مهندسيها أو التقنيين أو أصحاب المشاريع المحتملين.

ثم تبدأ حلقة أخرى. ضعف الكفاءات يجعل استقطاب بعض الأنشطة الاقتصادية أصعب، وضعف الأنشطة يقلل فرص عودة الكفاءات.

غير أن المغادرة ليست خسارة حتمية. يستطيع أبناء المدينة المقيمون في حواضر أخرى أن يصبحوا شبكة معرفة واستثمار وعلاقات إذا وجدت آليات تربطهم باقتصاد مدينتهم الأصلية. ويمكن للعمل عن بعد وبعض الأنشطة الرقمية أن يغيرا جزءاً من المعادلة، لكنهما يحتاجان إلى اتصال جيد وخدمات وبيئة محلية تسمح بالاستقرار.

المدينة الصغيرة ليست نسخة مصغرة من الدار البيضاء

أحد أخطاء السياسات الحضرية المحتملة هو تصور أن نجاح المدينة الصغيرة يعني تقليد الحاضرة الكبرى. ليس مطلوباً أن تمتلك كل مدينة مطاراً دولياً أو منطقة مالية أو جامعة ضخمة. كما أن توزيع المؤسسات بطريقة متساوية حسابياً لا يضمن اقتصاداً محلياً قابلاً للحياة.

ما تحتاج إليه المدينة المتوسطة هو وظيفة واضحة داخل شبكة المدن. قد تتخصص في صناعة معينة، أو خدمات صحية وتعليمية تخدم مجالاً أوسع، أو اقتصاد ثقافي وسياحي، أو أنشطة مرتبطة بالزراعة والصناعات الغذائية أو الخدمات الرقمية.

المهم ألا يبقى دورها محصوراً في السكن والاستهلاك والإدارة.

فإذا كان على السكان الذهاب إلى مدينة أخرى للحصول على التعليم المتخصص والعلاج والعمل والتسوق والخدمات المتقدمة، تتحول المدينة تدريجياً إلى نقطة إقامة أكثر منها مركزاً منتجاً للحياة الاقتصادية.

وهنا يصبح دعم المدن المتوسطة سياسة وطنية، لا قضية محلية تخص مجالسها وحدها.

حتى الحواضر الكبرى تدفع ثمن التركيز

قد يبدو تركيز السكان والاستثمار مفيداً للمدن الكبرى، لكنه يحمل كلفة متزايدة. فكل وظيفة جديدة لا يصاحبها سكن قريب أو نقل فعال يمكن أن تضيف رحلة يومية أطول إلى شبكة مزدحمة.

وكل موجة جديدة من الطلب على السكن قد تدفع الأسعار إلى الأعلى، وتوسع البناء في الأطراف. عندها تستقبل المدينة السكان والفرص، لكنها تستقبل أيضاً الاختناقات والضغط على الماء والمدارس والمستشفيات والفضاء العام.

لهذا لا ينبغي وضع المدن الكبرى والصغيرة في مواجهة. تخفيف الضغط عن الدار البيضاء أو الرباط أو طنجة لا يتحقق بإغلاق أبوابها أمام القادمين، وإنما بجعل مدن أخرى قادرة على إنتاج أسباب للبقاء فيها.

فالمدينة الكبرى لا تحتاج بالضرورة إلى منافس، بل إلى شبكة حضرية وطنية أكثر توازناً.

من سياسة المدن إلى سياسة شبكة المدن

تكشف الهجرة الداخلية في النهاية عن شيء أعمق من رغبة الأفراد في تغيير مكان الإقامة. إنها تكشف أين توجد الفرص، وأين يشعر السكان بأن مستقبلهم ممكن.

لهذا لا يكفي قياس نجاح التنمية الترابية بعدد المشاريع الموزعة بين الجهات. الأهم هو معرفة ما إذا كانت تلك المشاريع قادرة على تكوين اقتصاد محلي يحتفظ بالمهارات ويخلق وظائف ويصل إلى الأسواق.

وقد أعاد البنك الدولي في تقريره الإقليمي لسنة 2026 التأكيد على العلاقة بين إنتاج الوظائف وبين التخطيط الحضري والسكن والبنية التحتية والاتصال بالأسواق. وتشير المقارنة التي شملت مئات المدن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى وجود مجال واسع لتحسين إنتاجية المدن عندما تعمل هذه العناصر ضمن سياسة متكاملة.

بالنسبة إلى المغرب، قد يكون التحدي المقبل أقل ارتباطاً بزيادة نسبة السكان الحضريين في حد ذاتها، وأكثر ارتباطاً بالمكان الذي سيعيش فيه هؤلاء السكان وبنوع الفرص المتاحة لهم.

فالبلد الذي تتركز فيه أفضل فرص الدراسة والعمل والعلاج والاستثمار في عدد محدود من المراكز سيستمر سكانه في التحرك نحو تلك المراكز، مهما كثرت الدعوات إلى التوازن المجالي.

أما المدينة الصغيرة، فلا تحتاج إلى إقناع شبابها بالبقاء. تحتاج أولاً إلى أن تجعل البقاء قراراً يمكن الدفاع عنه اقتصادياً واجتماعياً. وعندما يصبح الرحيل شرطاً شبه ضروري للدراسة أو العمل أو التقدم المهني، فإن المشكلة لا تكون في اختيار السكان، بل في الخريطة التي وزعت الفرص بينهم.