يبدأ الاختناق المروري عادة قبل أن تتوقف السيارات تماماً. حادث بسيط في محور رئيسي، حافلة تتأخر عن موعدها، تقاطع يستقبل عدداً من المركبات يفوق قدرته، أو إشارة ضوئية تمنح الوقت نفسه لشارع مزدحم وآخر شبه فارغ. تتراكم هذه الاضطرابات الصغيرة، وبعد فترة قصيرة تصبح شبكة كاملة أبطأ من المعتاد، بينما لا يعرف السائق إلا الجزء الذي يراه أمامه.
لسنوات طويلة تعاملت المدن مع هذه المشكلة عبر أدوات مادية واضحة: طريق أوسع، قنطرة جديدة، نفق إضافي أو موقف أكبر للسيارات. غير أن المدن الأكثر اعتماداً على التقنيات الرقمية بدأت تضيف طبقة أخرى إلى شبكة النقل، قوامها جمع المعلومات وتحليلها في الزمن الفعلي. وبذلك لم يعد الشارع مجرد مساحة تتحرك فوقها المركبات، بل أصبح مصدراً مستمراً للبيانات عن السرعة والتدفق والحوادث وأوقات الانتظار ومسارات الحافلات.
هذا التحول هو أحد أكثر تطبيقات «المدينة الذكية» وضوحاً، لكنه يكشف أيضاً حدود الفكرة. فالمدينة تستطيع أن تعرف بدقة أكبر أين يوجد الازدحام، وقد تستطيع تخفيفه مؤقتاً، لكن التكنولوجيا وحدها لا تجيب عن سؤال أكثر عمقاً: لماذا يحتاج هذا العدد من الناس إلى استعمال السيارة في الوقت نفسه؟
عندما تبدأ الإشارة الضوئية في قراءة الشارع
في نظام تقليدي، تعمل كثير من الإشارات وفق دورات زمنية محددة سلفاً. يحصل كل اتجاه على عدد معين من الثواني، سواء كانت أمام الإشارة عشر سيارات أو خمسون. أما أنظمة التحكم التكيفي فتستخدم بيانات حركة المرور لتعديل توقيت الإشارات بحسب التدفقات الفعلية، ويمكنها التنسيق بين مجموعة من التقاطعات حتى لا ينتقل الاختناق ببساطة من شارع إلى آخر.
الفارق يبدو تقنياً، لكنه يغير طريقة إدارة الشبكة. فبدلاً من انتظار دراسة مرورية دورية ثم تعديل التوقيت يدوياً، تستطيع مراكز التحكم متابعة ما يحدث والاستجابة بسرعة أكبر. وإذا وقع حادث أو ارتفع الضغط على محور معين، يمكن تغيير توزيع الوقت بين الاتجاهات أو إعطاء أولوية لبعض وسائل النقل.
لكن تحسين الإشارة لا يزيد مساحة الشارع. إنه يحاول استخدام المساحة الموجودة بكفاءة أكبر، ولذلك تظل فائدته مرتبطة بحجم الطلب على الطريق. عندما يقترب عدد المركبات من قدرة الشبكة القصوى، يصبح تحسين التدفق أصعب مهما ازدادت دقة الخوارزميات.
الحافلة تستطيع أن تخبر المدينة بأنها متأخرة
تظهر فائدة البيانات بصورة أوضح عندما لا تُستخدم لخدمة السيارة وحدها. فالحافلة المتصلة بنظام تحديد الموقع تستطيع إرسال موقعها ودرجة تأخرها إلى مركز التحكم، ومن ثم يمكن منحها أولوية عند بعض التقاطعات إذا كان ذلك مناسباً لحركة الشبكة. وبدلاً من أن تقف حافلة تحمل عشرات الركاب في الصف نفسه خلف السيارات الخاصة، تصبح الإشارة جزءاً من سياسة تعطي وزناً لعدد الأشخاص الذين يتحركون، لا لعدد المركبات فقط.
هنا ينتقل مفهوم «الذكاء» من التقنية إلى الاختيار الحضري. فإذا استُخدمت البيانات فقط لتسريع السيارات، قد تصبح المدينة أكثر كفاءة في إدارة حركة المركبات من دون أن تصبح أفضل في نقل السكان. أما عندما تدخل الحافلات والترام والمشاة والدراجات في منظومة القياس واتخاذ القرار، فإن المعلومات يمكن أن تساعد على إعادة ترتيب الأولويات داخل الشارع نفسه.
وتزداد أهمية هذا الفرق في المدن العربية التي تستثمر في الرقمنة بالتوازي مع استمرار الاعتماد الكبير على السيارة. فالشاشة التي تعرض حركة المرور في مركز تحكم متطور لا تعني بالضرورة أن نظام التنقل أصبح مستداماً، تماماً كما أن تطبيقاً يخبر السائق بأسرع طريق لا يحل مشكلة وجود عدد متزايد من السيارات الباحثة عن الطريق الأسرع نفسه.
الطريق الأسرع قد يصنع ازدحاماً جديداً
تطبيقات الملاحة مثال واضح على التناقض الذي تصنعه البيانات. فهي تساعد الفرد على تجنب محور مزدحم، لكن نجاحها على نطاق واسع يمكن أن يحول حركة المرور إلى شوارع لم تُصمم لاستقبال هذا الحجم من المركبات. وعندما تتلقى أعداد كبيرة من السائقين الاقتراح نفسه، قد ينتقل الضغط من الطريق الرئيسي إلى أحياء سكنية وشوارع محلية.
بهذا المعنى، لا تتطابق مصلحة السائق الفردية دائماً مع مصلحة المدينة. التطبيق يبحث عن أسرع رحلة لمستخدمه، بينما يفترض بالتخطيط الحضري أن ينظر إلى السلامة والضوضاء والتلوث والنقل العمومي وحياة الأحياء، إضافة إلى زمن الرحلة. وما يبدو تحسيناً حسابياً لمسار سيارة واحدة قد تكون له تكلفة مختلفة عندما يتكرر آلاف المرات.
لذلك تحتاج المدينة الذكية إلى أكثر من استقبال البيانات التي تنتجها المنصات الخاصة. إنها تحتاج إلى قدرة مؤسساتية تحدد ما الذي تريد تحسينه أصلاً، لأن الخوارزمية لا تستطيع أن تقرر وحدها ما إذا كان توفير خمس دقائق لسائق أهم من حماية شارع سكني من حركة المرور العابرة.
البيانات تكشف المشكلة لكنها لا تختار السياسة
يمكن للبيانات المتراكمة أن ترسم خريطة شديدة التفصيل لحركة المدينة. فهي تكشف المحاور التي تنهار في ساعات معينة، والأحياء التي تعاني ضعف النقل العمومي، والتقاطعات التي تتكرر فيها التأخيرات، كما تسمح بمقارنة زمن الرحلات بين السيارة والحافلة ورصد أثر إغلاق طريق أو افتتاح خط نقل جديد.
وتصبح هذه المعرفة أكثر قيمة عندما تدخل مرحلة التخطيط، لا عندما تبقى حبيسة غرفة المراقبة. فإذا أظهرت البيانات أن آلاف الرحلات اليومية تتجه بين منطقتين لا تربطهما خدمة نقل عمومي جيدة، فقد لا يكون الحل توسيع الطريق بينهما. ربما تكون الحافلة السريعة أو خط النقل الجديد أكثر قدرة على معالجة أصل المشكلة.
هنا تتغير وظيفة البيانات من إدارة الأزمة إلى فهمها. والمدينة التي تستخدم التكنولوجيا فقط عندما تتشكل الطوابير أمام الإشارات تظل تتعامل مع النتيجة، بينما تسمح القراءة الطويلة للبيانات بفهم الأسباب التي تنتج تلك الطوابير كل صباح.
من يراقب المدينة التي تراقب الحركة؟
غير أن اتساع القدرة على القياس يفتح مسألة لا يمكن فصلها عن مشروع المدينة الذكية: الخصوصية. فهناك فرق كبير بين حساس يعد المركبات المارة وبين نظام يستطيع التعرف إلى الأشخاص أو تتبع تحركاتهم وربطها بمعلومات أخرى. وكلما أصبحت شبكة المدينة أكثر اتصالاً، ازدادت أهمية تحديد نوع البيانات التي تُجمع، ومدة الاحتفاظ بها، والجهة التي تستطيع الوصول إليها.
لا ينبغي أن يتحول تحسين المرور إلى مبرر لجمع أكبر كمية ممكنة من المعلومات لمجرد أن التقنية تسمح بذلك. المبدأ الأكثر أماناً هو جمع القدر الضروري لتحقيق وظيفة محددة، مع تقليل البيانات الشخصية قدر الإمكان ووضع قواعد واضحة لاستخدامها وحمايتها.
وهذا الجانب ليس تفصيلاً قانونياً يأتي بعد تركيب النظام، بل جزء من تصميمه. فالمدينة الذكية التي تحتاج إلى مراقبة سكانها بصورة دائمة حتى تعمل بكفاءة قد تكون قد حلت مشكلة مرورية وخلقت في المقابل مشكلة حضرية أكثر تعقيداً.
المدن العربية أمام اختبار مختلف
بالنسبة إلى مدن مثل الدار البيضاء والقاهرة والرياض وعمان، لا يبدأ التحول الرقمي من النقطة نفسها. فهناك اختلاف كبير في جودة النقل العمومي، وفي انتظام البيانات، وفي قدرة المؤسسات على التنسيق بين المرور والنقل والتعمير والأمن والخدمات البلدية. لذلك قد يكون شراء التكنولوجيا أسهل من بناء النظام الإداري الذي يجعلها مفيدة.
يمكن تركيب حساسات وكاميرات وإنشاء مركز تحكم خلال مدة محدودة، لكن البيانات لن تعالج شبكة حافلات ضعيفة، ولن تقرب السكن من أماكن العمل، ولن تجعل الرصيف صالحاً للمشي. كما أنها لن تمنع التوسع العمراني من إنتاج رحلات أطول إذا استمرت الوظائف والخدمات في التركز بعيداً عن مناطق السكن.
لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الاستثمار في أنظمة المرور الذكية ليس: ما أحدث تقنية يمكن للمدينة شراؤها؟ الأجدى هو تحديد المشكلة التي تريد حلها، ثم معرفة ما إذا كانت البيانات قادرة على تغيير القرار المتعلق بها.
المدينة الأذكى قد تكون التي تقل فيها الحاجة إلى السيارة
تصل التكنولوجيا إلى حدودها عندما يصبح نجاحها سبباً في زيادة الطلب عليها. فإذا جعل نظام ذكي القيادة أسرع وأسهل، فقد يشجع بعض الناس على استعمال السيارة أكثر، وعندها تستعيد الطرق جزءاً من الازدحام الذي جرى تخفيفه. وهي مفارقة عرفها التخطيط المروري منذ زمن في مشروعات توسيع الطرق، حين تجذب السعة الإضافية رحلات جديدة بمرور الوقت.
لذلك لا ينبغي قياس ذكاء شبكة النقل بعدد الحساسات أو الشاشات الموجودة في مركز التحكم. المعيار الأكثر فائدة هو ما إذا أصبحت الرحلات اليومية أكثر موثوقية وأماناً وأقل استهلاكاً للوقت والطاقة، وما إذا كان السكان يملكون بدائل حقيقية عن السيارة الخاصة.
عند هذه النقطة تصبح البيانات أداة قوية، ولكنها تعود إلى حجمها الطبيعي: وسيلة تساعد المدينة على رؤية نفسها واتخاذ قرارات أفضل، وليست بديلاً عن القرار الحضري. فالمدينة التي تعرف مكان كل سيارة، لكنها لا تعرف لماذا اضطر صاحبها إلى استخدامها، تعرف الكثير عن حركة المرور ولا تعرف بالضرورة ما يكفي عن المدينة.
