استمع إلى المقال8 دقائق تقريباً

مرة كل أسبوع، تتغير حركة المكان. تصل الشاحنات والعربات في الصباح الباكر، وتُنصب الخيام، وتتحول مساحة قد تبدو فارغة في بقية الأيام إلى مركز مؤقت للتجارة والحركة واللقاء. يأتي البائع بالخضر أو الحبوب أو الملابس والأدوات المنزلية، ويصل المشتري من أحياء المدينة أو القرى المحيطة، ثم ينتهي كل شيء تقريباً في المساء ليعود المكان إلى إيقاعه المعتاد.

قد يبدو هذا المشهد جزءاً من اقتصاد قديم كان يفترض أن يتراجع مع توسع المدن والمتاجر الحديثة. لكن الأرقام تقول شيئاً مختلفاً. فقد أحصت أعمال التوطين الجغرافي للمنشآت الاقتصادية في المغرب 1,022 سوقاً أسبوعياً نشطاً، يوجد نحو 71 في المائة منها في الوسط القروي.

استمرار هذا العدد لا يعني أن السوق الأسبوعي انتصر على الحداثة التجارية، كما لا يعني أن المغاربة لم يغيروا أنماط استهلاكهم. الأرجح أنه يكشف عن وظيفة لم تستطع المتاجر الكبرى ولا التجارة الرقمية تعويضها بالكامل.

فالسوق الأسبوعي لا يبيع السلع فقط. إنه يربط منتجين صغاراً وتجاراً ومستهلكين داخل شبكة لا تحتاج دائماً إلى محل دائم أو رأسمال كبير أو سلسلة توزيع معقدة. وهذه البساطة هي مصدر قوته، لكنها أيضاً مصدر كثير من مشكلاته.

لماذا بقي السوق؟

يمكن فهم استمرار السوق الأسبوعي انطلاقاً من عتبة الدخول إليه. ففتح متجر دائم يتطلب كراءً وتجهيزاً ومصاريف شهرية والتزامات مستمرة، بينما يسمح السوق للبائع بممارسة النشاط في زمن ومكان محددين وبتكلفة مختلفة.

هذه الخاصية تفتح المجال أمام تجار صغار ومنتجين لا يستطيعون بالضرورة تحمل تكاليف التجارة الدائمة. كما تسمح لهم بالتحرك بين أسواق مختلفة خلال الأسبوع، بحيث يصبح يوم السوق جزءاً من شبكة تجارية تتغير جغرافياً من يوم إلى آخر.

بالنسبة إلى المستهلك، يؤدي السوق وظيفة أخرى. فهو يجمع سلعاً متنوعة في مساحة واحدة، ويتيح المقارنة والتفاوض المباشر. كما يحتفظ بعلاقة أقرب بين بعض المنتجات ومصدرها، خصوصاً عندما يصل المنتج الزراعي من المجال المحيط مباشرة أو عبر عدد محدود من الوسطاء.

لهذا لا ينبغي تفسير استمرار السوق بالماضي وحده. ففي جانب منه، يستمر لأنه يوفر حلاً اقتصادياً لمشكلة معاصرة: كيف يدخل البائع الصغير إلى السوق عندما تكون كلفة التجارة المنظمة مرتفعة؟

بين القرية والمدينة توجد شبكة خفية

تكشف جغرافية الأسواق الأسبوعية أن العلاقة بين المدينة والريف أكثر تعقيداً من الفصل الإداري بين المجالين. فالمنتجات والعمال والتجار والمستهلكون يتحركون باستمرار بينهما.

السوق واحد من الأماكن التي تصبح فيها هذه الحركة مرئية.

قد تصل المنتجات الزراعية من القرى إلى سوق قريب من مركز حضري، بينما تتحرك في الاتجاه الآخر الملابس والأدوات المنزلية والسلع المصنعة والخدمات. لذلك يؤدي السوق وظيفة لوجستية، حتى عندما لا يحمل هذا الاسم.

وهنا تكمن أهميته في الاقتصاد الترابي. فالمنتج الصغير يحتاج إلى نقطة يمكن أن يلتقي فيها الطلب والعرض من دون إنشاء شبكة توزيع خاصة به. والسوق يوفر هذه النقطة بصورة دورية.

لكن هذه الوظيفة تعتمد على الطرق والنقل ومكان السوق نفسه. وكلما كان الوصول إليه صعباً، ارتفعت كلفة نقل البضائع وانخفضت قدرته على خدمة المجال المحيط.

ولهذا لا يمكن فصل تحديث الأسواق عن سياسة الربط بين المراكز الحضرية والقرى.

السوق ليس خارج المدينة حتى عندما يبدو كذلك

مع التوسع العمراني، وجدت بعض الأسواق التي كانت تقع في أطراف المراكز نفسها محاطة تدريجياً بالسكن والطرق والأنشطة الجديدة. وما كان موقعاً هامشياً في مرحلة معينة يمكن أن يصبح بعد سنوات جزءاً من نسيج عمراني أكثر كثافة.

عندها يبدأ الصدام.

حركة الشاحنات والسيارات والعربات تحتاج إلى مساحة، والباعة يحتاجون إلى أماكن للعرض، والمتسوقون يحتاجون إلى الوقوف والتنقل. وفي ساعات قليلة يمكن أن ينتج السوق ضغطاً يفوق ما تنتجه المنطقة في بقية الأسبوع.

من وجهة نظر المرور، قد يبدو نقل السوق إلى الخارج حلاً منطقياً. لكن تغيير الموقع ليس قراراً تقنياً فقط. فالسوق يعيش أيضاً من قربه من السكان ومن سهولة الوصول إليه. وإذا نُقل إلى موقع بعيد من دون نقل عمومي جيد، قد تتحول معالجة الازدحام إلى إضعاف للنشاط نفسه.

السؤال الصحيح، إذن، ليس أين نضع السوق حتى لا يزعج المدينة، بل كيف ندمجه في نظام الحركة والتجارة والخدمات.

الأرقام تكشف فجوة التجهيز

استمرار السوق لا ينبغي أن يحجب أوضاع البنية التحتية داخله. فالمعطيات المتاحة عن الأسواق الأسبوعية المغربية تظهر تفاوتاً واضحاً في التجهيز.

وفق بيانات التوطين الجغرافي، لا تتوفر الكهرباء إلا في نحو 56 في المائة من هذه الأسواق، والماء الصالح للشرب في نحو 53 في المائة. أما الربط بشبكة الصرف السائل فلا يتجاوز تقريباً 16 في المائة.

هذه النسب تنقل النقاش من صورة السوق التقليدي إلى شروط العمل داخله.

فالماء والصرف والنظافة وجمع النفايات ليست تفاصيل تجميلية، خصوصاً في الأماكن التي تباع فيها المواد الغذائية واللحوم والخضر. كما أن الإنارة والطرق الداخلية ومناطق تحميل البضائع ومواقف المركبات تؤثر في السلامة وفي قدرة السوق على العمل بكفاءة.

وهنا يصبح التحديث ضرورياً، لكن معنى التحديث نفسه يحتاج إلى تحديد.

التحديث لا يعني تحويل السوق إلى مركز تجاري

أسهل تصور لتحديث السوق هو استبدال الخيام والعربات بمحلات ثابتة وبنايات منظمة. غير أن هذا الحل قد يغير اقتصاد السوق نفسه.

فكل تحسين مادي يحمل كلفة. وإذا تحولت الكلفة إلى رسوم وكراء أعلى، يمكن أن يجد أصغر التجار أنفسهم خارج المكان الذي أُعيد تأهيله من أجلهم.

تظهر هنا مفارقة مألوفة في مشاريع تطوير الفضاءات التجارية الشعبية: تحسين المكان قد يرفع قيمته، وارتفاع القيمة قد يغير نوع المستخدم القادر على البقاء فيه.

لذلك يجب ألا يقاس نجاح إعادة التأهيل بجودة الأرضية والواجهات وحدها. ينبغي أن يقاس أيضاً بعدد التجار الصغار الذين استطاعوا الاستمرار بعد الأشغال، وبمستوى الرسوم، وبقدرة المستهلكين على الوصول إلى السوق.

فالهدف ليس صنع نسخة مصغرة من المركز التجاري، وإنما تحسين شروط اقتصاد مختلف في بنيته ووظيفته.

من يدفع ثمن الفوضى؟

في المقابل، لا يمكن استخدام أهمية السوق ذريعة لقبول كل أشكال الاختلال. فالازدحام والنفايات وغياب شروط النظافة واحتلال الطرق ليست ثمناً حتمياً للتجارة الشعبية.

عندما تضعف الإدارة، يدفع الجميع الكلفة. السكان يتحملون الازدحام والنفايات، والتاجر يعمل في ظروف أقل جودة، والمستهلك يستخدم فضاء قد يفتقر إلى الخدمات الأساسية، بينما تخسر الجماعة فرصة تنظيم مورد اقتصادي مهم.

لهذا ينبغي التمييز بين الاقتصاد الشعبي والفوضى. الأول يؤدي وظيفة اجتماعية واقتصادية ويمكن دعمه، أما الثانية فهي نتيجة ضعف التنظيم أو التجهيز وليست خاصية يجب الحفاظ عليها.

يمكن، مثلاً، تنظيم مناطق التحميل والتفريغ، وتحديد مسارات للمشاة، وتحسين جمع النفايات والماء والصرف. كما يمكن توفير نقل مناسب وربط السوق بمحيطه من دون القضاء على مرونته التجارية.

المعادلة ليست بين الإبقاء على السوق كما هو أو إزالته. هناك مساحة واسعة بين الخيارين.

السوق أيضاً فضاء اجتماعي

إذا نظرنا إلى السوق من زاوية اقتصادية فقط، سنفقد جزءاً من سبب بقائه.

في عدد من المناطق، يمثل يوم السوق موعداً اجتماعياً بقدر ما يمثل موعداً تجارياً. يأتي الناس لشراء حاجاتهم، لكنهم يلتقون أيضاً بأشخاص من دواوير ومناطق مختلفة. وتنتقل المعلومات والعلاقات والخدمات داخل الفضاء نفسه.

هذه الوظيفة أقل وضوحاً في الإحصاءات، لكنها مهمة في فهم السوق باعتباره نوعاً من الفضاء العام المؤقت.

فالمدينة الحديثة أنتجت فضاءات تجارية أكثر انتظاماً، لكنها غالباً أكثر تخصصاً. المتجر مكان للشراء، والإدارة مكان للخدمة، والمقهى مكان للجلوس. أما السوق التقليدي فيجمع وظائف متعددة داخل المكان نفسه.

وهذا لا يجعله أفضل بالضرورة، لكنه يجعله مختلفاً.

المراكز التجارية لم تلغِ الحاجة إلى السوق

قد يبدو المركز التجاري والسوق الأسبوعي طرفين متناقضين، لكنهما يخدمان في الواقع شرائح وحاجات مختلفة، وقد يستخدم الشخص نفسه الاثنين.

يمكن للمستهلك شراء بعض السلع من متجر كبير ثم التوجه إلى السوق للحصول على منتجات أخرى أو أسعار مختلفة. كما أن المتجر المنظم يوفر الاستمرارية والراحة، بينما يوفر السوق التنوع والتفاوض وإمكانية دخول تجار أصغر.

لهذا لم تؤد حداثة الاستهلاك إلى اختفاء الأشكال القديمة بالضرورة. المدينة تجمع طبقات اقتصادية متعددة، وقد تتعايش فيها التجارة الرقمية والمتجر الكبير والدكان الصغير والسوق الأسبوعي في الوقت نفسه.

المشكلة تبدأ عندما تضع السياسات نموذجاً واحداً للتجارة وتعتبر بقية الأشكال مرحلة يجب تجاوزها.

ألف سوق يعني ألف فرصة للتخطيط

إن وجود أكثر من ألف سوق أسبوعي نشط في المغرب لا ينبغي قراءته فقط باعتباره رقماً عن التجارة التقليدية. إنه أيضاً شبكة من المواقع التي يمكن أن تؤثر في الاقتصاد المحلي والنقل والنظافة والخدمات وعلاقة المراكز الحضرية بمحيطها.

ولهذا فإن تحديث الأسواق يمكن أن يصبح جزءاً من سياسة ترابية أوسع إذا تجاوز إصلاح الأسوار والأرضيات.

ينبغي أن يبدأ السؤال بوظيفة كل سوق: من يأتي إليه، ومن أين تأتي البضائع، وما المجال الذي يخدمه، وما علاقته بشبكة الطرق والمراكز السكانية؟ بعد ذلك يمكن تحديد نوع الاستثمار الذي يحتاج إليه.

فالسوق الموجود قرب مدينة متوسطة لا يؤدي بالضرورة الوظيفة نفسها التي يؤديها سوق يخدم جماعات قروية متباعدة. ومعاملة الاثنين بالنموذج نفسه قد تنتج تجهيزات جيدة على الورق لكنها ضعيفة الاستخدام.

المدينة الحديثة لا تحتاج إلى قتل السوق

ربما يكون استمرار السوق الأسبوعي المغربي دليلاً على أن تحديث المدينة لا يسير دائماً بالطريقة الخطية التي نتخيلها. القديم لا يختفي بمجرد ظهور الجديد، خصوصاً عندما يستمر في أداء وظيفة اقتصادية لا يجد السكان بديلاً عنها بالسعر والمرونة نفسيهما.

لكن البقاء وحده ليس دليلاً على النجاح.

فالأسواق التي تفتقر إلى الماء والصرف والنظافة والتنظيم لا ينبغي الاحتفاء بها بوصفها تراثاً. كما أن تحديثها بطريقة ترفع كلفة الدخول على التجار الصغار قد يحل مشكلة عمرانية ويخلق مشكلة اجتماعية.

بين هذين الطرفين توجد السياسة الحضرية التي تحتاجها هذه الأسواق: تحسين البنية الأساسية من دون طرد الاقتصاد الصغير، وتنظيم الحركة من دون عزل السوق عن زبنائه، ورفع شروط النظافة من دون تحويل المكان إلى فضاء تجاري لا يستطيع مستخدموه الأصليون تحمله.

بعد أكثر من ألف سوق ما زال يعمل أسبوعاً بعد آخر، ربما لا يكون السؤال لماذا لم يختف السوق المغربي. السؤال الأكثر فائدة هو: ما الذي يقدمه للمدينة والمجال المحيط حتى لم تستطع البدائل الحديثة الاستغناء عنه؟

والإجابة عن ذلك هي التي ينبغي أن تحدد شكل تحديثه، لا الرغبة في جعله يشبه شيئاً آخر.