سياسات المدن

الجوطية في المدن المغربية.. بين الاقتصاد غير المهيكل وفوضى المجال الحضري

بقلم: علاء الدين طاهر

لم يعد المشهد الحضري في العديد من المدن المغربية يقتصر على الشوارع والمباني ووسائل النقل. فقد أصبحت “الجوطية” أو الأسواق العشوائية جزءا من الحياة اليومية داخل الأحياء والساحات العمومية. وتنتشر العربات اليدوية والباعة المتجولون فوق الأرصفة وفي محيط الأسواق والمحطات، لتشكل فضاء اقتصاديا موازيا أصبح حاضرا بقوة في المدينة المغربية.

ورغم أن هذه الظاهرة ليست جديدة، فإن اتساعها خلال السنوات الأخيرة حولها إلى قضية حضرية واجتماعية واقتصادية تثير الكثير من النقاش حول الحق في المدينة والتنظيم العمراني وفرص العيش الكريم.

ارتبطت “الجوطية” في الذاكرة الشعبية المغربية بالسوق المفتوح الذي يوفر سلعا متنوعة بأسعار أقل من تلك المعروضة في المحلات التجارية النظامية.

ولهذا السبب أصبحت هذه الأسواق وجهة يومية لآلاف الأسر، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

فبالنسبة للكثير من المواطنين، توفر الجوطية إمكانية اقتناء الملابس والأدوات المنزلية والخضر والفواكه والسلع المستعملة بأسعار تناسب إمكاناتهم المالية.

وقد ساهم هذا الدور الاجتماعي في ترسيخ حضور هذه الأسواق داخل عدد من المدن المغربية.

لا يمكن فهم انتشار الأسواق العشوائية بمعزل عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة.

فالنمو الديمغرافي والهجرة القروية وارتفاع معدلات البطالة دفعت أعدادا متزايدة من الأشخاص إلى البحث عن مصادر دخل خارج الاقتصاد المنظم.

وبالنسبة لكثير من الباعة المتجولين، يشكل الرصيف أو الساحة العمومية فرصة وحيدة لكسب لقمة العيش.

ومع مرور الوقت، تحولت بعض المواقع إلى أسواق دائمة تستقطب الزبائن بشكل يومي وتفرض وجودها داخل المجال الحضري.

من أبرز نتائج انتشار الجوطيات احتلال الأرصفة والمساحات العمومية.

ففي عدد من المدن، يجد المارة أنفسهم مضطرين إلى استعمال الطريق المخصص للسيارات بسبب استغلال الأرصفة في عرض السلع.

ويؤدي هذا الوضع إلى زيادة مخاطر حوادث السير وإلى خلق اختناقات مرورية داخل الأحياء والشوارع التجارية.

كما يساهم التوسع غير المنظم للأسواق العشوائية في التأثير على جمالية المدينة وتشويه المشهد الحضري.

تثير الجوطيات أيضا جدلا اقتصاديا يتعلق بالمنافسة داخل السوق المحلية.

فالتجار النظاميون يؤدون الضرائب والرسوم المختلفة ويتحملون تكاليف الكراء والكهرباء والماء والتصاريح القانونية.

في المقابل، يزاول عدد من الباعة المتجولين نشاطهم خارج هذه الالتزامات.

ويعتبر العديد من المهنيين أن هذا الوضع يخلق منافسة غير متوازنة تؤثر على مردودية الأنشطة التجارية المنظمة.

لا تقتصر آثار الأسواق العشوائية على الجانب الاقتصادي فقط.

ففي بعض الحالات، تطرح هذه الأسواق إشكالات مرتبطة بالنظافة والصحة العامة.

وتزداد هذه المخاوف عندما يتعلق الأمر ببيع المواد الغذائية في ظروف لا تستجيب دائما لمعايير التخزين والسلامة الصحية.

كما يؤدي تراكم النفايات والاكتظاظ إلى الضغط على الفضاءات العمومية وإلى تدهور البيئة الحضرية في بعض المناطق.

رغم الانتقادات الموجهة إلى الجوطيات، فإن اختزال الظاهرة في جانب الفوضى وحده لا يعكس الصورة الكاملة.

فالأسواق العشوائية ليست سببا للأزمة الاجتماعية بقدر ما هي نتيجة لها.

فالبائع المتجول لا يحتل الرصيف في أغلب الأحيان بحثا عن مخالفة القانون، بل سعيا إلى تأمين مورد رزق في ظل محدودية فرص الشغل.

ولهذا فإن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة الظاهرة بشكل مستدام.

حاولت العديد من المدن المغربية خلال السنوات الماضية إيجاد حلول لتنظيم نشاط الباعة الجائلين.

وشملت هذه المبادرات إنشاء أسواق نموذجية وإعادة إيواء عدد من الباعة داخل فضاءات مخصصة للتجارة.

غير أن بعض هذه التجارب واجه صعوبات متعددة. فاختيار المواقع غير المناسبة أو ضعف الإقبال التجاري أدى في بعض الحالات إلى عودة الباعة إلى الشارع.

وتؤكد هذه التجارب أن الحل لا يكمن فقط في توفير مكان بديل، بل في خلق فضاءات اقتصادية قادرة على ضمان الاستمرارية وجذب الزبائن.

تكشف ظاهرة الجوطية عن اختلالات أعمق داخل المدينة المغربية.

فعندما تتحول الأرصفة إلى فضاءات للعمل والعيش، فإن ذلك يعكس وجود صعوبات في إدماج فئات واسعة داخل الاقتصاد الرسمي.

كما يكشف عن الحاجة إلى سياسات حضرية أكثر قدرة على التوفيق بين متطلبات التنظيم ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

فالمدينة الحديثة لا تقاس فقط بعدد المشاريع العمرانية أو البنيات التحتية، بل بقدرتها على استيعاب مختلف الفئات الاجتماعية وتوفير فرص العيش الكريم للجميع.

تحتاج معالجة الأسواق العشوائية إلى رؤية متكاملة تجمع بين التخطيط الحضري والتنمية الاقتصادية والإدماج الاجتماعي.

كما تتطلب توفير فرص عمل حقيقية للفئات الهشة وتطوير آليات لدعم الأنشطة الاقتصادية الصغيرة.

وفي النهاية، تبدو “الجوطية” أكثر من مجرد سوق شعبي داخل المدينة المغربية. إنها مرآة تعكس التناقض القائم بين طموح التحديث الحضري وواقع اجتماعي ما زالت فيه فئات واسعة تبحث عن موطئ قدم داخل الاقتصاد الرسمي وفضاء المدينة المنظم.

زر الذهاب إلى الأعلى