كتب وأفكارافتتاحيات

الثقافة السياسية في المغرب بين المدينة والقرية.. مقاربة سوسيولوجية في اختلاف الوعي والتمثلات

بقلم: حمدون القراص

يصعب الحديث عن الثقافة السياسية في المغرب باعتبارها ثقافة موحدة ومتجانسة، لأن المجتمع المغربي نفسه يتكون من فضاءات اجتماعية وثقافية مختلفة، لكل منها علاقته الخاصة بالسلطة والسياسة والمجال العام. ومن بين أبرز هذه الفوارق، يبرز التباين القائم بين المدينة والقرية، ليس فقط على مستوى نمط العيش، بل أيضا في طريقة فهم السياسة والتفاعل معها وممارسة المواطنة.

فالمدينة المغربية والقرية المغربية لم تتطورا تاريخيا بنفس الإيقاع، ولم تعيشا نفس التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما انعكس بشكل واضح على الثقافة السياسية داخل كل مجال. ففي الوقت الذي ارتبطت فيه المدن تدريجيا بظهور الأحزاب والنقابات والحركات الطلابية والصحافة والفضاءات العمومية للنقاش، ظل العالم القروي لفترة طويلة أكثر ارتباطا بالبنيات التقليدية والعلاقات المحلية والسلطة الرمزية للأعيان والزوايا والعلاقات العائلية.

في المدينة، تشكلت الثقافة السياسية الحديثة في سياق التحولات المرتبطة بالإدارة والتعليم والجامعة والحركة الوطنية والصراع الاجتماعي. ولهذا ارتبط المجال الحضري تاريخيا بظهور النخب السياسية والفكرية، وبروز أشكال مختلفة من الاحتجاج والتنظيم المدني. فالمدينة ليست فقط فضاء عمرانيا، بل هي أيضا فضاء للنقاش والتعدد والاحتكاك بالأفكار والتيارات المختلفة.

أما في العالم القروي، فقد تطورت العلاقة بالسياسة داخل سياق مختلف تماما. فالبنية الاجتماعية التقليدية ظلت تلعب دورا أساسيا في تشكيل الوعي السياسي، حيث بقيت الروابط العائلية والقبلية وشبكات النفوذ المحلي أكثر تأثيرا من الخطاب الحزبي الكلاسيكي. ولهذا ظلت الانتخابات في عدد من المناطق القروية مرتبطة، لسنوات طويلة، بمنطق العلاقات الشخصية والوساطة والأعيان أكثر من ارتباطها بالبرامج السياسية أو الإيديولوجية.

هذا التباين لا يعني أن سكان القرى “بعيدون عن السياسة” كما يتم تصوير الأمر أحيانا، بل إنهم يمارسون شكلا مختلفا من العلاقة مع السلطة والمجال العام. ففي القرية، غالبا ما تكون السياسة مرتبطة بالمطالب المباشرة واليومية: الطريق، الماء، النقل، الصحة، والدعم الاجتماعي. بينما تميل المدينة أكثر نحو النقاشات المرتبطة بالحريات والحقوق والسياسات العمومية والقضايا الإيديولوجية.

كما أن مستوى التعليم والانفتاح الإعلامي لعب دورا مهما في تعميق هذه الفوارق. فالمدينة استفادت بشكل أكبر من الجامعة والإعلام والصحافة والفضاءات الثقافية، ما ساهم في خلق ثقافة سياسية أكثر تنوعا وصدامية أحيانا. في المقابل، ظل العالم القروي يعاني لفترات طويلة من ضعف البنية التعليمية والثقافية، وهو ما أثر على طبيعة المشاركة السياسية داخله.

غير أن هذا التقسيم التقليدي بدأ يعرف تحولات مهمة خلال السنوات الأخيرة. فوسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية ساهمت في تقليص جزء من الفجوة بين القرية والمدينة، وأصبح سكان العالم القروي أكثر حضورا داخل النقاش العمومي الرقمي. كما أن الهجرة القروية نحو المدن خلقت بدورها نوعا من التداخل الثقافي والسياسي بين المجالين.

وفي المقابل، بدأت المدينة نفسها تعرف مظاهر جديدة من الهشاشة والتهميش، خصوصا داخل الأحياء الشعبية والهامشية، حيث تظهر أنماط من الثقافة السياسية أقرب أحيانا إلى منطق الاحتجاج الاجتماعي المباشر منها إلى المشاركة المؤسساتية التقليدية.

ومن الناحية السوسيولوجية، يمكن القول إن الثقافة السياسية في المغرب تتشكل من تفاعل معقد بين الحداثة والتقليد، بين الدولة المركزية والبنيات المحلية، وبين المجال الحضري والعالم القروي. فالمغرب لم يعرف قطيعة كاملة مع البنيات التقليدية، بل عرف نوعا من التعايش بين أنماط مختلفة من الوعي السياسي.

ولهذا نجد أن بعض القيم التقليدية المرتبطة بالزعامة المحلية والروابط العائلية ما تزال حاضرة حتى داخل بعض المدن، بينما بدأت مفاهيم جديدة مرتبطة بالحقوق والمواطنة والاحتجاج تنتقل تدريجيا إلى العالم القروي.

كما أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية تلعب دورا حاسما في إعادة تشكيل الثقافة السياسية المغربية. فالبطالة، والهجرة، والتغيرات الثقافية، وصعود الإعلام الرقمي، كلها عوامل تعيد صياغة علاقة المواطن المغربي بالسياسة والمؤسسات بشكل مستمر.

وفي النهاية، لا يمكن فهم الثقافة السياسية في المغرب من خلال صورة نمطية تختزل المدينة في الحداثة والقرية في التقليد، لأن الواقع أكثر تعقيدا وتشابكا. فالمدينة والقرية أصبحتا اليوم فضاءين متداخلين يؤثر كل منهما في الآخر، داخل مجتمع يعيش تحولات سريعة تمس الاقتصاد والقيم وأنماط العيش والوعي الجماعي.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام المغرب ليس فقط في تحديث المؤسسات، بل أيضا في بناء ثقافة سياسية مشتركة تقوم على المواطنة والعدالة المجالية والمشاركة الواعية، حتى لا تبقى الفوارق بين المدينة والقرية مجرد فوارق عمرانية، بل تتحول إلى فجوات في الإحساس بالانتماء والتمثيل والثقة في المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى