التعمير والإسكان

تراجع مبيعات العقار بالمغرب بأكثر من 9% وانخفاض الأسعار في المدن الكبرى

إعداد: ياسين العمراني

سجل سوق العقار بالمغرب خلال الفصل الأول من سنة 2026 مؤشرات تدل على تباطؤ واضح في وتيرة المعاملات، بالتزامن مع انخفاض طفيف في الأسعار بعدد من المدن الكبرى. وتبرز هذه المعطيات تحولات مهمة في سلوك المشترين والمستثمرين، كما تفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل القطاع خلال الأشهر المقبلة.

ويظل العقار من القطاعات الحيوية في الاقتصاد المغربي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بقطاعات البناء والأشغال العمومية والتمويل والتشغيل، فضلاً عن دوره في الاستجابة للحاجيات السكنية للمواطنين.

أظهرت المعطيات الأخيرة انخفاضاً محدوداً في أسعار الأصول العقارية على المستوى الوطني. كما سجلت المعاملات تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.

وشمل الانخفاض مختلف مكونات السوق، سواء العقارات السكنية أو الأراضي أو العقارات المخصصة للاستعمال المهني. ويعكس ذلك حالة من الحذر لدى المشترين والمستثمرين في انتظار مؤشرات أوضح حول اتجاه السوق.

ويرى متابعون أن تراجع المعاملات يبقى أكثر أهمية من انخفاض الأسعار، لأنه يعكس تباطؤاً في حركة البيع والشراء داخل السوق العقارية.

برزت الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة ضمن المدن التي سجلت تراجعاً في الأسعار والمعاملات خلال الفترة الأخيرة.

ويعكس هذا الوضع تأثير عوامل متعددة، من بينها ارتفاع تكاليف التمويل، وانتظار بعض المشترين فرصاً أفضل، إضافة إلى تغير أولويات الاستثمار لدى عدد من الأسر والمقاولات.

كما أن وفرة العرض في بعض المناطق قد ساهمت في زيادة المنافسة بين المنعشين العقاريين، وهو ما انعكس على مستوى الأسعار.

يرى بعض الخبراء أن التراجع الحالي لا يعني بالضرورة وجود أزمة عقارية. بل يمكن اعتباره مرحلة تصحيح طبيعية بعد سنوات من التفاوت بين العرض والطلب في بعض الفئات العقارية.

ويؤكد هؤلاء أن السوق العقارية تمر بدورات متعاقبة من النمو والتراجع. كما أن انخفاض الأسعار قد يشجع بعض الفئات على العودة إلى السوق والاستفادة من فرص اقتناء أفضل.

وفي المقابل، يعتبر آخرون أن استمرار التراجع لفترة طويلة قد يفرض تحديات إضافية على الفاعلين في القطاع.

يبقى الحصول على التمويل من بين العوامل الأساسية المؤثرة في دينامية السوق العقارية. فتكلفة القروض وشروط التمويل تؤثر بشكل مباشر على قرارات الأسر الراغبة في شراء السكن.

كما أن المستثمرين يراقبون باستمرار تطور أسعار الفائدة والظروف الاقتصادية قبل اتخاذ قرارات استثمارية كبيرة.

ولهذا فإن أي تحسن في شروط التمويل قد ينعكس إيجاباً على حجم الطلب خلال الفترات المقبلة.

رغم التراجع المسجل في المعاملات، فإن الطلب على السكن لا يزال قائماً في العديد من المدن المغربية. فالنمو الديمغرافي والتوسع الحضري يواصلان خلق حاجيات جديدة في مجال الإسكان.

كما أن فئات واسعة من الشباب والأسر الجديدة تبحث عن حلول سكنية ملائمة من حيث السعر والموقع وجودة الخدمات.

ويفرض هذا الواقع على القطاع العقاري تطوير عروض أكثر تنوعاً تستجيب لمختلف الشرائح الاجتماعية.

يؤثر أداء السوق العقارية بشكل مباشر على الاستثمار داخل المدن. فالعقار يشكل عنصراً أساسياً في مشاريع التهيئة الحضرية وتطوير البنيات التحتية والمناطق الاقتصادية الجديدة.

ومن شأن استمرار التباطؤ أن يدفع الفاعلين إلى مراجعة استراتيجياتهم الاستثمارية، والتركيز على المشاريع الأكثر طلباً وقدرة على تحقيق التوازن بين الكلفة والسعر النهائي.

كما قد يشجع ذلك على الابتكار في نماذج السكن والخدمات الحضرية المرتبطة به.

تكشف المؤشرات الحالية أن السوق العقارية المغربية تمر بمرحلة إعادة تموقع أكثر من كونها مرحلة أزمة. فالتراجع المحدود في الأسعار قد يخلق فرصاً جديدة للمشترين، بينما يدفع المنعشين العقاريين إلى تطوير عروض أكثر تنافسية.

ويبقى مستقبل القطاع مرتبطاً بتطور المؤشرات الاقتصادية العامة، ومستويات التمويل، وثقة المستثمرين والمستهلكين. غير أن المؤكد هو أن العقار سيظل أحد المكونات الرئيسية في التنمية الحضرية والاقتصادية بالمغرب خلال السنوات المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى