من الفلاح إلى الناخب.. هل تغيرت علاقة البادية المغربية بالسلطة؟

قراءات المدينة
Listen to articlesAutomated reading of the article

Listening requires a matching voice in your browser.

عندما نشر عالم الاجتماع السياسي الفرنسي ريمي لوفو سنة 1976 كتابه الشهير «الفلاح المغربي، المدافع عن العرش» (Le Fellah marocain, défenseur du trône)، لم يكن يبحث في حياة الفلاح المغربي بوصفها موضوعاً فلاحياً أو اقتصادياً فحسب، بل كان يحاول فهم واحدة من أكثر المسائل تعقيداً في المغرب بعد الاستقلال: كيف بُني التوازن بين الملكية والنخب المحلية والعالم القروي، في وقت كانت فيه المدن تنتج أشكالاً مختلفة من الاحتجاج والتنظيم الحزبي والنقابي؟

بعد نصف قرن تقريباً، تغير المغرب الذي درسه لوفو بصورة عميقة. اتسعت المدن، وتراجعت الحدود القديمة بين القرية والمجال الحضري، وانتشر التعليم والهاتف والإنترنت، وأصبحت الهجرة الداخلية والخارجية جزءاً من حياة أسر قروية كثيرة. ومع ذلك، ونحن نتابع حملة انتخابات 23 شتنبر 2026، تعود إلى الواجهة مفردات عرفها المغرب السياسي منذ عقود: الأعيان، والعائلة، والوسيط المحلي، والولائم، وشبكات النفوذ والقدرة على تعبئة الدواوير.

لا يعني ذلك أن كتاباً صدر في سياق تاريخي مختلف يستطيع تفسير انتخابات اليوم بصورة جاهزة. لكن عودة هذه المفردات تجعل إعادة قراءة لوفو مفيدة، لا لكي نقول إن المغرب لم يتغير، وإنما للبحث عما تغير فعلاً، وعما استطاع أن يتكيف ويستمر.

ماذا كان يقصد لوفو بـ«الفلاح المدافع عن العرش»؟

لا تختزل أطروحة لوفو في القول إن الفلاح المغربي كان أكثر ارتباطاً بالملكية من ساكن المدينة، كما قد يوحي عنوان الكتاب إذا قُرئ منفصلاً عن سياقه. كان اهتمامه منصباً أساساً على بناء النظام السياسي وشبكات الوساطة التي ربطت المركز بالمجال القروي.

في المغرب الذي أعقب الاستقلال، تمتعت الأحزاب الوطنية والحركة النقابية بحضور مهم في المدن، بينما شكل العالم القروي مجالاً اجتماعياً وسياسياً مختلفاً. وركز لوفو على دور النخب المحلية والأعيان وشبكات السلطة والإدارة في بناء توازن سياسي منح البادية وزناً يتجاوز كونها مجرد مجال للإنتاج الزراعي.

فالفلاح، في هذه القراءة، لم يكن فرداً يقف مباشرة أمام الدولة، بل كانت بينهما شبكة من العلاقات والوسطاء والمصالح والسلطات المحلية. ومن هنا اكتسب الأعيان أهميتهم، لقدرتهم على الجمع بين موقعهم داخل المجتمع المحلي وعلاقاتهم بمؤسسات السلطة.

وهذه واحدة من الأفكار التي جعلت كتاب «الفلاح المغربي، المدافع عن العرش» يحتفظ بقيمته باعتباره أداة لفهم مرحلة تاريخية من تطور النظام السياسي المغربي، حتى وإن تغير المجتمع الذي تناوله.

الأعيان لم يختفوا.. لكنهم تغيروا

إذا انتقلنا إلى حملة 2026، نجد أن مفهوم «الأعيان» ما يزال حاضراً في وصف المنافسة داخل عدد من الدوائر. وقد رصدت تقارير ميدانية حديثة في سوس انتقال شخصيات محلية ذات وزن انتخابي بين الأحزاب، وتنافس تنظيمات سياسية على استقطاب مرشحين يمتلكون شبكات جاهزة من العلاقات والأنصار.

غير أن «عين» 2026 ليس بالضرورة هو عين ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. فقد يكون اليوم رجل أعمال، أو رئيس جماعة، أو منتخباً سابقاً، أو شخصية راكمت نفوذاً اقتصادياً واجتماعياً، وقد تستمد قوته من شبكة خدمات وعلاقات محلية أكثر مما تستمدها من المكانة التقليدية وحدها.

لقد تغيرت أشكال النفوذ، لكن حاجة بعض التنظيمات الحزبية إلى شخص قادر على تحويل العلاقات الاجتماعية والمحلية إلى قوة انتخابية لم تختف تماماً.

وهنا تظهر إحدى مفارقات الممارسة الحزبية. فالحزب الحديث يفترض أن يتنافس بالبرنامج والتنظيم والكوادر، لكنه قد يجد نفسه في بعض الدوائر محتاجاً إلى شخصية تسبق قوتها الانتخابية انتماءها الحزبي. وعندما ينتقل المرشح بين الأحزاب بينما تظل شبكته المحلية قائمة، يصبح السؤال عن وزن الحزب في مقابل وزن الشخص سؤالاً مشروعاً في تحليل السلوك الانتخابي.

لماذا تستمر الوساطة؟

من السهل إصدار حكم أخلاقي على الوساطة السياسية، لكن الحكم وحده لا يفسر استمرارها.

فالوسيط لا يصبح مؤثراً لمجرد أن المواطن القروي «تقليدي» أو محدود التعليم، بل ترتبط قوته أيضاً بالطريقة التي تصل بها الإدارة والخدمات إلى المواطن. عندما يصبح الوصول إلى خدمة أو وثيقة أو مسؤول محلي مساراً معقداً، يستطيع الشخص الذي يعرف المسؤول أو يملك القدرة على التدخل أن يراكم رأسمالاً اجتماعياً قد يتحول لاحقاً إلى نفوذ سياسي.

عندها لا تعود العلاقة الانتخابية مرتبطة بالبرنامج الحزبي وحده، بل تدخل فيها ذاكرة الخدمات والوساطات والعلاقات الشخصية.

وهذا يقلب جزءاً من السؤال. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن سبب اعتماد المواطن على الوسيط، ينبغي أيضاً النظر إلى المؤسسات والظروف التي تمنح الوسيط هذه القيمة.

كلما استطاع المواطن الوصول إلى حقه مباشرة من المؤسسة، تراجعت القيمة السياسية لمن يقدم هذا الحق في صورة خدمة شخصية. أما حين تختلط الحقوق بالخدمات الشخصية، فإن شبكات الوساطة تجد بيئة تساعدها على الاستمرار، في القرية كما في المدينة.

القرية التي عرفها لوفو لم تعد موجودة

سيكون من الخطأ، مع ذلك، التعامل مع البادية المغربية الحالية كما لو أنها بقيت معلقة في الزمن الذي كتب فيه لوفو دراسته.

لقد غيرت الهجرة شكل الأسرة القروية، وقلصت الطرق ووسائل النقل المسافة بين القرية والمدينة، كما أحدث الهاتف الذكي والإنترنت تحولاً كبيراً في الوصول إلى الأخبار والصور والخطابات السياسية. وقد يعيش أحد أفراد الأسرة في الدوار، بينما يعمل آخر في الدار البيضاء أو أكادير، وثالث خارج المغرب، وتنتقل بينهم المعلومات والأموال والتجارب بصورة شبه يومية.

حتى مفهوم «القروي» أصبح أقل وضوحاً من السابق. فهناك سكان يعيشون في مجالات مصنفة إدارياً باعتبارها قروية، بينما ترتبط حياتهم الاقتصادية والاجتماعية بالمدينة. كما أنتج توسع الضواحي والمراكز الصاعدة مجالات لا هي قرية بالمعنى التقليدي ولا مدينة مكتملة الوظائف.

لهذا فإن ناخب 2026 في البادية ليس نسخة متأخرة من الفلاح الذي درسه لوفو قبل نصف قرن.

الوليمة والناخب الجديد

حتى بعض المظاهر التقليدية للحملة قد تحمل اليوم دلالات أكثر تعقيداً.

ففي تقرير ميداني من الرحامنة خلال الحملة الحالية، حضر مئات الأشخاص مأدبة انتخابية، لكن بعض الحاضرين تحدثوا عن مشاركتهم في تجمعات تنظمها أحزاب مختلفة، بينما فصل آخرون بين حضور الوليمة وبين قرارهم داخل صندوق الاقتراع.

هذه التفاصيل مهمة لأنها تحذر من القراءة الآلية للعلاقات الانتخابية. فقبول الضيافة لا يقدم في ذاته دليلاً على أن صوت الناخب أصبح مضموناً، مثلما أن حضور تجمع انتخابي لا يعني بالضرورة الاقتناع السياسي بصاحبه.

وقد يكون الناخب نفسه قد تعلم كيف يتعامل مع بعض أدوات التعبئة التقليدية من دون أن يمنحها التأثير نفسه الذي كانت تتمتع به سابقاً.

وهذا لا ينفي إمكان وقوع مخالفات انتخابية، كما لا يثبت وجودها في حالة بعينها. فأي اتهام بشراء الأصوات أو الضغط على الناخبين يحتاج إلى أدلة موثقة وإلى ما تثبته الجهات المختصة، ولا يصح تحويل حالات فردية أو روايات غير موثقة إلى وصف عام للانتخابات أو للعالم القروي.

الأمية ليست تفسيراً سياسياً كافياً

تظهر الأمية كثيراً في النقاش حول الانتخابات في العالم القروي، وكأن القدرة على القراءة والكتابة تحدد بصورة مباشرة قدرة الإنسان على الاختيار السياسي.

لكن العلاقة أكثر تعقيداً.

فالناخب الذي لا يقرأ البرنامج الحزبي قد يمتلك معرفة دقيقة بالمرشح وبأدائه داخل المنطقة، وقد يعرف من حضر ومن غاب ومن قدم وعوداً لم تتحقق. وفي المقابل، لا تضمن الشهادة الجامعية أن يكون الاختيار الانتخابي مبنياً دائماً على مقارنة عقلانية للبرامج.

التعليم مهم في توسيع القدرة على الوصول إلى المعلومات وفحصها، لكن اختزال السلوك السياسي للبادية في الأمية يحجب عناصر أخرى: الاقتصاد المحلي، والبطالة، والهجرة، والخدمات، والروابط العائلية، والثقة في المؤسسات، وطبيعة حضور الأحزاب بين استحقاق انتخابي وآخر.

لماذا تعود الأحزاب إلى الدواوير؟

تقدم الحملة الحالية أمثلة تساعد على فهم أهمية المجال القروي. ففي إقليم الصويرة، حيث يعيش نحو 73 في المئة من السكان في الوسط القروي وفق معطيات أوردتها البوابة الرسمية للمملكة خلال الحملة، اتجه النشاط الانتخابي إلى القرى والدواوير والأسواق الأسبوعية، واعتمد اللقاء المباشر وطرق الأبواب للوصول إلى الناخبين.

لكن التركيز على الدواوير يفتح سؤالاً آخر يتعلق بالعمل الحزبي نفسه. فإذا كان التنظيم السياسي لا يظهر في حياة المواطن إلا مع اقتراب موعد الانتخابات، فإنه يترك فراغاً خلال السنوات الفاصلة، وقد يكون الوسيط المحلي أكثر قدرة على ملء هذا الفراغ من التنظيم الحزبي.

لذلك ربما لا ينبغي تفسير قوة الأعيان انطلاقاً من قوة الأعيان وحدها، بل أيضاً من قدرة الأحزاب، أو عجزها، عن بناء حضور اجتماعي دائم خارج زمن الانتخابات.

من الفلاح المدافع عن العرش إلى المواطن الذي يفاوض الجميع

هنا يمكن العودة إلى ريمي لوفو.

المغرب الذي وصفه تغير، لكن بعض الأسئلة التي أثارها لم تفقد قيمتها: كيف تتصل الدولة بالمجتمع المحلي؟ من يقوم بالوساطة؟ كيف تتحول المكانة الاقتصادية والاجتماعية إلى نفوذ سياسي؟ وما موقع العالم القروي داخل التوازنات الوطنية؟

الفرق أن المواطن الموجود في الطرف الآخر من هذه العلاقة تغير بدوره.

لقد أصبح أكثر حركة واتصالاً بالمعلومات وأقل عزلة عن المدينة والعالم، وقد يكون قادراً على الاستفادة من شبكة الوساطة من دون أن يمنحها ولاءً سياسياً كاملاً. وربما أصبحت بعض العلاقات الانتخابية عملية تفاوض متبادل أكثر منها علاقة طاعة ثابتة.

لكن هذه تبقى فرضية ينبغي اختبارها بالنتائج والمعطيات، لا استنتاجاً يمكن استخلاصه من مشاهد الحملة وحدها.

الكتاب القديم أمام صندوق جديد

قيمة كتاب «الفلاح المغربي، المدافع عن العرش» (Le Fellah marocain, défenseur du trône) اليوم لا تكمن في أن نفتح صفحاته لنجد نتيجة انتخابات 2026 مكتوبة مسبقاً، وإنما في الأسئلة التي يسمح لنا بإعادة طرحها على المغرب المعاصر.

إلى أي حد ما تزال شبكات الوساطة المحلية قادرة على تحويل النفوذ الاجتماعي إلى أصوات؟ وما وزن شخصية المرشح مقارنة بالانتماء الحزبي في الدوائر القروية؟ وهل أضعفت الإدارة الحديثة والرقمنة الحاجة إلى الوسيط أم أعادت إنتاجها بأشكال جديدة؟ وإلى أي مدى غير الهاتف الذكي علاقة المواطن القروي بالسياسة كما غير علاقته بالسوق والمدينة والعالم؟

لن تجيب الحملة وحدها عن هذه الأسئلة.

بعد اقتراع 23 شتنبر، ستصبح النتائج التفصيلية ونسب المشاركة والتفاوتات بين الدوائر والمجالات القروية والحضرية مادة أكثر صلابة للاختبار. وعندها يمكن العودة مرة أخرى إلى ريمي لوفو، لا لإثبات أنه كان على حق أو خطأ بعد نصف قرن، وإنما لقياس المسافة التي قطعها المغرب بين الفلاح الذي درسته العلوم السياسية في سياق الدولة ما بعد الاستقلال، والناخب القروي الذي يتحرك اليوم داخل مجتمع أكثر اتصالاً وتعقيداً وتحولاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Continue reading

A letter from the city

Stories worth receiving.

Register your interest in our newsletter. Mailings will begin when it launches.