استمع إلى المقال3 دقائق تقريباً

حين يُذكر مصطلح «المدينة الذكية»، يذهب الخيال عادة إلى أبراج زجاجية وشاشات عملاقة وسيارات بلا سائق. لكن الدار البيضاء، أكبر مدن المغرب وعاصمته الاقتصادية، تقدّم نموذجاً أقل استعراضاً وأكثر التصاقاً بالحياة اليومية. الذكاء هنا يبدأ من سؤال بسيط: كم دقيقة يحتاج ساكن الحي الشعبي كي يصل إلى عمله؟

السكة أولاً

قبل أكثر من عقد، في 13 دجنبر 2012، دخل الخط الأول لترامواي الدار البيضاء الخدمة، وتبعه الخط الثاني في يناير 2019. وفي شتنبر 2024 انطلق الخطان الثالث والرابع، لتصبح الشبكة ممتدة على أكثر من سبعين كيلومتراً وتضم نحو 110 محطات. وقبل ذلك بأشهر، في مارس 2024، بدأ «الباصواي» بخطيه الأول والثاني، على مسار يقارب 24 كيلومتراً، ليصل أحياء لم تكن السكة لتبلغها بالتكلفة نفسها.

قد لا يبدو ذلك «ذكياً» بالمعنى التقني للكلمة، لكنه في جوهر الفكرة. فالمدينة الذكية، كما يعرّفها المخططون، هي المدينة التي تنقل الناس بكفاءة وتقلّص الزمن الضائع بين السكن والعمل والخدمات. وقبل توسيع الشبكة، كان الترامواي ينقل نحو 220 ألف راكب يومياً سنة 2019، وهو رقم يكشف حجم الطلب الذي ظلّ مكبوتاً لسنوات في مدينة ارتبطت صورتها طويلاً بالاختناق المروري.

من الشباك إلى الشاشة

الوجه الثاني للتحول أقل ظهوراً، لكنه يمس المواطن مباشرة. فمنذ يوليوز 2019 أطلقت وزارة الداخلية منصة «رخص» الوطنية لمعالجة طلبات رخص البناء والرخص الاقتصادية إلكترونياً، وقد بُنيت على تجربة سابقة انطلقت من الدار البيضاء نفسها. لم يعد الحصول على رخصة البناء يمر حتماً عبر طوابير الشبابيك وتنقل الملفات الورقية بين المكاتب، إذ صار الإيداع والتتبع يتمان عبر المنصة.

هذا التحول لا يلغي البيروقراطية بضربة واحدة، لكنه يجعلها أكثر شفافية. فالملف الرقمي يترك أثراً، ويمكن تتبع مساره ومعرفة أين توقف ولماذا، وهو ما لم يكن ممكناً حين كانت الملفات تضيع في الأدراج.

مختبر للأفكار

تحاول المدينة أيضاً أن تصنع لنفسها فضاءً للنقاش حول مستقبلها. ففي ماي 2025 احتضنت الدورة التاسعة لمنتدى «Casablanca Smart City» تحت شعار الابتكار من أجل مدينة مستدامة ودامجة، وتخللها «هاكاثون» امتد 48 ساعة شارك فيه أكثر من 200 شاب، اشتغلوا على حلول في التنقل والطاقة والمشاركة المواطنة. وتحدثت رئيسة مجلس المدينة نبيلة الرميلي خلال المنتدى عن «تحول حضري» تعيشه الدار البيضاء، كما جرى الحديث عن مشروع «Casa Tech Valley» الذي يستهدف خلق أكثر من 20 ألف منصب شغل مؤهل.

غير أن المسافة بين المنتدى والشارع تظل هي المقياس الحقيقي. فالمشاريع المعلنة تحتاج إلى سنوات كي تتحول إلى أثر ملموس، والأرقام الطموحة تحتاج إلى متابعة دقيقة كي لا تبقى مجرد وعود.

ما لم يتغيّر بعد

الوجه الآخر للصورة يعرفه كل من يعيش في الدار البيضاء. فالأحياء الطرفية ما زالت تنتظر ربطاً أفضل بشبكات النقل، والخدمات الرقمية لا تصل بالسهولة نفسها إلى جميع الفئات، خاصة كبار السن ومن لا يتقنون استعمال التطبيقات. كما أن التكنولوجيا وحدها لا تحل مشاكل مثل السكن غير اللائق أو نقص المساحات الخضراء.

المدينة الذكية الحقيقية ليست تلك التي تملك أكبر عدد من أجهزة الاستشعار، بل تلك التي تستعمل التكنولوجيا لتقليص الفوارق بين أحيائها. وبهذا المعيار تسير الدار البيضاء في الاتجاه الصحيح، لكن الطريق ما زال طويلاً. والسؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مشروع جديد يبقى واحداً: هل سيشعر به ساكن الحي البعيد، أم سيبقى حكراً على الواجهة؟