استمع إلى المقال3 دقائق تقريباً

في بداية التسعينيات، كانت ميديين الكولومبية تُوصف بأنها أخطر مدينة في العالم. فقد سجّلت عاصمة كارتيلات المخدرات سنة 1991 أكثر من 400 جريمة قتل لكل مئة ألف نسمة. وفي الوقت نفسه، تكدّست على سفوح الجبال المحيطة بالوادي أحياء عشوائية بناها نازحون فرّوا من العنف في الأرياف، بلا طرق ولا خدمات، ومعزولة تماماً عن المدينة الرسمية في الأسفل.

لذلك كان سكان هذه الأحياء يقضون أحياناً أكثر من ساعتين للوصول إلى عملهم في وسط المدينة. إذ كانوا يصعدون وينزلون مئات الدرجات، ثم ينتظرون حافلات لا تصل إلى أحيائهم أصلاً. وهكذا صارت العزلة الجغرافية وجهاً آخر للإقصاء الاجتماعي.

 تلفريك للنقل اليومي لا للسياحة

بعد ذلك، وتحديداً سنة 2004، افتتحت ميديين الخط الأول من «الميتروكابل»، وهو تلفريك يصعد من محطة المترو في الوادي إلى حي سانتو دومينغو سافيو المعلق على الجبل. وقد كان أول نظام تلفريك في العالم مخصص للنقل العمومي اليومي بمواعيد منتظمة، كما كان مرتبطاً بشبكة المترو بتذكرة واحدة.

نتيجة لذلك، صارت الرحلة التي كانت تأخذ ساعتين تُقطع في دقائق. علاوة على ذلك، يحمل هذا الخط وحده نحو 30 ألف راكب يومياً. أما اليوم، فتضم الشبكة ستة خطوط وعشرين محطة، ونقلت أكثر من 22 مليون راكب سنة 2025.

 سلالم كهربائية في الهواء الطلق

في الكومونة 13، أحد أعنف أحياء المدينة سابقاً، كان على السكان تسلّق ما يعادل 28 طابقاً للوصول إلى بيوتهم. لهذا ركّبت المدينة سنة 2011 سلالم كهربائية في الهواء الطلق على طول 384 متراً، مقسّمة على ست مراحل. وبفضل ذلك تحوّل الحي إلى فضاء مفتوح تزيّنه جداريات الغرافيتي. بل إنه صار اليوم من أكثر الأماكن زيارة في المدينة.

العمران الاجتماعي: أجمل المباني لأفقر الأحياء

غير أن التلفريك وحده لم يكن سر التحول. ففي منتصف العقد الأول من الألفية، أطلقت البلدية سياسة سمّتها «العمران الاجتماعي». ومبدؤها بسيط وجريء في آن واحد: توجيه أجود المشاريع المعمارية وأعلى الاستثمارات نحو الأحياء الأكثر فقراً، بدلاً من المركز.

على سبيل المثال، بُنيت بجانب محطات التلفريك «حدائق-مكتبات» ضخمة بتصاميم معمارية لافتة. إضافة إلى ذلك، شُيّدت مدارس ومراكز ثقافية وساحات عامة. وبالتالي كانت الرسالة واضحة لسكان الأحياء المهمّشة: أنتم جزء من المدينة، وتستحقون الأفضل. ولهذا السبب نالت ميديين سنة 2016 جائزة «لي كوان يو» العالمية للمدن، إحدى أرفع الجوائز في مجال التخطيط الحضري.

ما لا تقوله الصورة الوردية

من جهة، تراجعت نسبة جرائم القتل في ميديين بشكل مذهل، إذ وصلت سنة 2024 إلى نحو 11 لكل مئة ألف نسمة، وهي الأدنى منذ عقود. ومن جهة أخرى، يحذّر الباحثون من نسب هذا التراجع إلى العمران وحده. ذلك أن عوامل أخرى لعبت دورها، منها التدخلات الأمنية، وكذلك تحولات في عالم الجريمة المنظمة نفسه، حيث تسيطر عصابات على بعض الأحياء بهدوء بدل الحرب المفتوحة.

فضلاً عن ذلك، تواجه الكومونة 13 اليوم تحدياً جديداً: السياحة الكثيفة التي ترفع الأسعار وتغيّر حياة السكان. وبعبارة أخرى، فإن التحول الناجح يجلب معه أسئلته الخاصة.

ماذا تتعلم المدن العربية؟

– أولاً، الحي العشوائي جزء من المدينة: لم تهدم ميديين أحياءها الجبلية، بل ربطتها بالمدينة ووفّرت لها الخدمات. لذلك فالتهجير ليس الحل الوحيد.
– ثانياً، الحل يأتي من طبيعة المكان: فحين تعجز الطرق عن صعود الجبل، يصبح التلفريك أو السلم الكهربائي وسيلة نقل عمومي، لا لعبة سياحية.
– ثالثاً، الجودة رسالة سياسية: فعندما يرى سكان الحي الفقير أجمل مبنى في المدينة يُشيَّد عندهم، يتغيّر إحساسهم بالانتماء.

وأخيراً، في مدن عربية كثيرة، من الأحياء المعلقة على جبال فاس وتطوان إلى أحياء الجزائر العاصمة وعمّان، تبدو تجربة ميديين أقرب إلينا مما نظن.