استمع إلى المقال2 دقائق تقريباً

لم تولد كوبنهاغن مدينةً للدراجات. في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات كانت السيارة تزحف على شوارعها كما زحفت على كل المدن الأوروبية، وتراجعت حصة الدراجة في التنقل اليومي إلى نحو عُشر الرحلات فقط. كانت الطرق السريعة مخططة لتخترق الأحياء القديمة، وكان المستقبل يبدو محسوماً لصالح المحرّك.

ثم جاءت أزمة النفط سنة 1973. فرضت الحكومة الدنماركية «أيام أحد بلا سيارات»، ونزل السكان إلى الشوارع يطالبون بمسارات آمنة للدراجات. ما بدأ كردّ فعل على أزمة طاقة تحوّل مع السنوات إلى خيار سياسي واعٍ: المدينة للناس قبل أن تكون للسيارات.

أرقام تحكي التحول

اليوم، يتنقل نحو 62 في المائة من سكان كوبنهاغن إلى العمل أو الدراسة على الدراجة، وفق أرقام البلدية. وتضم المدينة أكثر من 350 كيلومتراً من المسارات المفصولة عن طريق السيارات برصيف، إضافة إلى مسارات خضراء تعبر الحدائق والضفاف. وفي 2016، سجّلت عدّادات البلدية لأول مرة عدداً من الدراجات في وسط المدينة يفوق عدد السيارات.

لكن الأرقام وحدها لا تشرح شيئاً. السر في التفاصيل: مسارات بعرض كافٍ تفصلها عن السيارات حافة مرتفعة، وإشارات ضوئية منسّقة على سرعة الدراجة حتى يعبر الراكب عدة تقاطعات دون توقف، ومساند للأقدام عند الإشارات، وحاويات قمامة مائلة ليرمي فيها الراكب دون أن ينزل.

جسور للدراجات لا للسيارات

استثمرت المدينة في منشآت خاصة بالدراجات والمشاة وحدهم. أشهرها «الأفعى الدراجة»، جسر برتقالي متعرّج افتُتح سنة 2014 فوق الميناء، و«جسر الميناء الداخلي» الذي افتُتح سنة 2016 ليربط ضفتين كانت الدراجة تلفّ حولهما طويلاً. وعلى مستوى المنطقة الحضرية، تمتد شبكة «الطرق السريعة للدراجات» لتربط الضواحي بالمركز، حتى يصبح التنقل اليومي لمسافة 15 كيلومتراً على الدراجة أمراً عادياً.

لماذا يختار الناس الدراجة؟

حين تسأل البلدية السكان عن سبب ركوبهم الدراجة، لا يتصدر «حماية البيئة» الأجوبة. السبب الأول أنها الوسيلة الأسرع والأسهل. هنا يكمن الدرس الحقيقي: لم تُقنع كوبنهاغن سكانها بالموعظة، بل جعلت الدراجة الخيار الأكثر عملية.

ماذا تتعلم المدن العربية؟

لا يتعلق الأمر بنسخ كوبنهاغن، فالمناخ والمسافات والثقافة مختلفة. لكن ثلاثة دروس تصلح لكل مدينة:

– البنية التحتية تصنع السلوك: لا أحد يركب الدراجة في شارع يشعر فيه بالخطر. المسار المفصول والآمن هو الشرط الأول.
– القرار السياسي يسبق الهندسة: التحول بدأ من الشارع، من ضغط السكان، قبل أن يصير خطة رسمية.
– البداية تكون بالمسافات القصيرة: في مدن عربية كثيرة، نسبة كبيرة من الرحلات اليومية قصيرة، وتصلح للمشي أو الدراجة لو وُجد الظل والأمان والمسار المتصل.

في مدن تختنق بالزحمة، يبدو السؤال مشروعاً: كم من رحلاتنا اليومية لا تحتاج أصلاً إلى سيارة؟