في بداية الستينيات، كانت سنغافورة مدينة الأكواخ والأحياء المكتظة. عشرات الآلاف من الأسر تعيش في مساكن عشوائية معرّضة للحرائق والأوبئة، والمدينة الصغيرة لا تملك أرضاً واسعة ولا موارد طبيعية. بدت أزمة السكن يومها مستعصية.
اليوم، يسكن نحو 78 في المائة من السكان المقيمين في شقق بناها «مجلس الإسكان والتنمية»، وفق أرقام 2021. والأهم أن الغالبية الساحقة من هذه الشقق مملوكة لساكنيها، لا مستأجَرة.
مؤسسة واحدة وقرار طويل النفس
أُنشئ مجلس الإسكان والتنمية سنة 1960، ليخلف مؤسسة استعمارية سابقة عجزت عن مواكبة الأزمة. وكانت مهمته الأولى بسيطة وقاسية: بناء أكبر عدد من المساكن بأسرع وقت. وخلال خمس عشرة سنة تقريباً، صار أكثر من نصف السكان يعيشون في شقق المجلس.
لكن سنغافورة لم تكتف بالبناء، بل راهنت على التملك. سُمح للمواطنين باستعمال مدخراتهم الإجبارية في صندوق الادخار المركزي لشراء شققهم، مع قروض وإعانات ميسّرة. والفكرة وراء ذلك سياسية بقدر ما هي اقتصادية: من يملك بيته يرتبط بمدينته ويحرص عليها.
الحي قبل العمارة
ما يميّز التجربة أنها لم تبنِ عمارات فقط، بل مدناً جديدة متكاملة: مدارس، ومراكز صحية، وأسواق شعبية للأكل، وحدائق، ومحطات نقل. تُصمَّم كل «بلدة جديدة» لتوفر حاجات الحياة اليومية على مسافة قريبة.
وتطبق سنغافورة منذ أواخر الثمانينيات سياسة الاندماج العرقي، التي تحدد حصصاً لكل مجموعة إثنية في كل عمارة وحي، لمنع تشكّل أحياء مغلقة على جماعة واحدة. وهي سياسة مثيرة للنقاش، لكنها تعكس فكرة أن السكن أداة لصناعة المجتمع لا مجرد سقف.
## حدود النموذج
التجربة ليست بلا أسئلة. تُباع الشقق بعقود إيجار طويلة لمدة 99 سنة لا ملكية أبدية، ما يطرح سؤالاً عن قيمتها حين تقترب العقود من نهايتها. كما ارتفعت أسعار الشقق في السنوات الأخيرة، وصار الشباب يشتكون من طول الانتظار. ثم إن النموذج قام على دولة قوية تملك معظم الأراضي، وهذا شرط لا يتوفر في كل مكان.
ماذا تتعلم المدن العربية؟
– السكن سياسة طويلة المدى: لم تُحلّ الأزمة ببرنامج واحد، بل بمؤسسة مستقرة وخطة متواصلة لعقود.
– السكن العمومي لا يعني الهامش: حين يُبنى جيداً ويُدمج في الحي والخدمات، يصبح اختيار الطبقة الوسطى لا ملجأ الفقراء وحدهم.
– الحي المتكامل قبل عدد الوحدات: كثير من مشاريع السكن الاجتماعي العربية أنتجت شققاً بعيدة بلا نقل ولا خدمات. سنغافورة تذكّرنا بأن المسكن يبدأ من الحي.


