من سطوح المدينة القديمة في الدار البيضاء، تبدو صومعة مسجد الحسن الثاني قريبة جداً. كأنها تطلّ على البيوت المتلاصقة من فوق كتف البحر. المسافة بين الصومعة والسطوح قصيرة على الخريطة. لكنها طويلة في حياة الناس. إنها المسافة بين مدينة نصنعها للصورة، ومدينة يعيشها سكانها كل صباح.
هذه المسافة بالذات تنتظر فاطمة الزهراء المنصوري. فقد عيّنها الملك محمد السادس يوم 29 شتنبر 2026 أول رئيسة للحكومة في تاريخ المغرب. وقبل ذلك، قضت خمس سنوات وزيرةً لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. لذلك لا يبدو ملف المنصوري وسياسة المدينة تفصيلاً في سيرتها. بل هو المدخل الأوضح لقراءة ما قد تفعله بالحكومة، وما قد تفعله الحكومة بالمدن.
وزيرة جاءت من الورش
قلّة من رؤساء الحكومات وصلوا إلى المنصب وملف السكن بين أيديهم. والمنصوري واحدة منهم. كما أنها لم تعرف المدينة من مكاتب الوزارة وحدها. فقد جمعت بين الحقيبة الوزارية ورئاسة مجلس جماعة مراكش.
تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعداً من أصل 395. هذا الرقم يكفي للتكليف، لكنه بعيد عن الأغلبية. وقد بدأت المنصوري مشاوراتها مع التجمع الوطني للأحرار (66 مقعداً) وحزب الاستقلال (65 مقعداً). ولم تحسم الأحزاب شيئاً بعد.
غير أنّ الرقم الأثقل في هذه الانتخابات ليس عدد المقاعد. فنسبة المشاركة نزلت إلى نحو 38 في المائة. وكانت قرابة 50 في المائة قبل خمس سنوات. أي أن أقل من أربعة مغاربة من كل عشرة ذهبوا إلى الصندوق. والباقون؟ ينتظرون أن يروا شيئاً يتغير في الحي، لا في البلاغات.
ما تركته الوزارة وراءها
أوضح ما في الحصيلة هو برنامج الدعم المباشر للسكن. الفكرة بسيطة، وجريئة في بساطتها. كانت الدولة تمنح الامتيازات للمنعشين العقاريين. أما اليوم، فهي تمنح المال للمشتري مباشرة، بين 70 ألفاً و100 ألف درهم. والمشتري هو من يختار بيته.
إلى حدود يونيو 2026، تجاوز عدد المستفيدين 105 آلاف، من أصل نحو 218 ألف طلب. أكثر من نصفهم دون الأربعين. وربعهم تقريباً من مغاربة العالم. كما تجاوزت قيمة المساكن المقتناة 43 مليار درهم، ودفعت الدولة قرابة خُمسها.
أرقام جيدة. لكنها تقول كم أسرة اشترت بيتاً، ولا تقول أين. وفي التعمير، “أين” هي السؤال كله. تخيّل شقة تبعد ساعة عن العمل، في حي بلا حافلة ولا مدرسة قريبة. قد تحلّ هذه الشقة مشكلة السكن، ثم تخلق ثلاث مشاكل أخرى.
أما برنامج “مدن بدون صفيح”، فيبلغ اليوم عامه الثاني والعشرين. أعلنت الوزارة 62 مدينة خالية من دور الصفيح. واستفادت من البرنامج قرابة 385 ألف أسرة. والوعد الرسمي هو إغلاق الملف سنة 2028. لكن هذا الوعد تكرر بصيغ مختلفة منذ 2004. وهذا وحده سبب كافٍ لقراءته بحذر.
المنصوري وسياسة المدينة في امتحان 2030
ست مدن مغربية ستستقبل مباريات كأس العالم. وهي الدار البيضاء، والرباط، ومراكش، وفاس، وطنجة، وأكادير. وقرب الدار البيضاء، يرتفع ملعب الحسن الثاني الكبير بطاقة مرتقبة تبلغ 115 ألف متفرج. سيكون الملعب الأكبر في البطولة. كما ستصرف الحكومة الجديدة مليارات الدولارات على هذا الموعد.
السؤال ليس هل سيكون المغرب جاهزاً يوم الافتتاح. سيكون جاهزاً، على الأرجح. السؤال الحقيقي هو: ماذا سيبقى في شارع بسيدي البرنوصي، أو في حيّ شعبي بفاس؟ وماذا سيبقى بعد أن يغادر آخر مشجع؟
المدن التي سبقتنا إلى هذا الامتحان تعرف الجواب جيداً. فبعض ملاعبها صارت عبئاً على الميزانيات. وبعض خطوط النقل ربطت المطار بالملعب، لا الحي بالمعمل. وفي أحياء أخرى، جاء التجميل ثم رحل السكان القدامى.
ما الذي تطلبه المدن فعلاً؟
المدن لا تطلب معجزات. إنها تريد سكناً قريباً من الحياة: من العمل والمدرسة والحافلة. وتريد من الدولة أن تضبط سوق العقار. فبدون ذلك، قد يبتلع المضاربون الدعم قبل أن يصل إلى الأسر.
وتريد المدن كذلك مشاريع تخدم سكان 2031، لا زوار صيف 2030. مثلاً، يستطيع خط الترامواي الذي يخدم الملعب أن يخدم حياً عمالياً إن مرّ بجانبه. والساحة التي تستقبل المشجعين تستطيع أن تبقى مفتوحة للأطفال بعدهم.
ثم هناك المدن التي لن تستقبل أي مباراة، وهي الأغلبية. مدن متوسطة وصغيرة تنتظر نصيبها من الطرق والمستشفيات والمرافق. وهي تخشى أن يبتلع المونديال الميزانيات كلها.
وأخيراً، هناك الجماعات الترابية. فلا سياسة مدينة تنجح إذا بقي القرار في الرباط وحدها. والمنصوري تعرف هذا أكثر من غيرها، بحكم تجربتها عمدةً لمراكش.
امتحان من نوع آخر
في هذا التعيين مفارقة. سيسأل المغاربة المنصوري عن التضخم والشغل والصحة والتعليم. وسيحاسبونها عليها. لكننا قد نقرأ حصيلتها الحقيقية في مكان آخر تماماً. في المسافة بين الصومعة والسطوح.
إذا ضاقت هذه المسافة سنة 2030، فسيتذكر المغاربة المونديال كلحظة تحوّلت فيها مدنهم. وإذا اتسعت، فستبقى الملاعب جميلة في الصور. أما الأحياء، فستبقى كما هي، تنتظر.

