استمع إلى المقال7 دقائق تقريباً

لا يحتاج ساكن شارع مزدحم في الدار البيضاء أو الرباط أو مراكش إلى جهاز لقياس الضوضاء حتى يعرف أن مدينته صاخبة. يكفي أن يحاول فتح النافذة، أو إجراء مكالمة قرب طريق رئيسي، أو النوم بينما تستمر حركة السيارات والدراجات في الأسفل. غير أن الاعتياد على هذه الأصوات جعلها تبدو في كثير من الأحيان جزءاً طبيعياً من الحياة الحضرية، كأن المدينة لا تستطيع أن تعمل إلا إذا أحدثت ضجيجاً.

هذه الفكرة تستحق المراجعة. فالضوضاء ليست نتيجة حتمية للكثافة السكانية، وإنما ترتبط أيضاً بطريقة تنظيم الحركة والأنشطة والأحياء. ويمكن لمدينتين متقاربتين في عدد السكان أن تنتجا مستويات مختلفة تماماً من الإزعاج الصوتي إذا اختلف فيهما النقل وتوزيع الوظائف وتصميم الشوارع ومراقبة مصادر الضوضاء.

من هنا يصبح الهدوء قضية تخطيط وجودة حياة، وليس مجرد تفضيل شخصي لسكان يبحثون عن الراحة.

عندما تتحول حركة المدينة إلى ضوضاء

يأتي جزء كبير من الصوت الحضري من وظيفة أساسية لا تستطيع المدينة الاستغناء عنها: الحركة. السيارات والحافلات والدراجات والشاحنات تنقل السكان والبضائع، لكنها تنتج في الوقت نفسه بيئة صوتية ترافق الناس في الشارع وتدخل إلى المنازل والمدارس وأماكن العمل.

وتعتبر منظمة الصحة العالمية حركة المرور على الطرق المصدر الرئيسي للضوضاء في معظم المدن، كما تربط التعرض المستمر للضجيج باضطرابات النوم والتوتر وآثار في صحة القلب والأوعية الدموية. لذلك لم يعد التعامل مع الضوضاء في السياسات الحضرية الحديثة مقتصراً على الشكايات المتعلقة بالإزعاج، بل أصبح جزءاً من النقاش حول الصحة والبيئة وتصميم المدينة.

وتؤكد تجربة المدن الأوروبية حجم المسألة. فقد خلص تقرير الوكالة الأوروبية للبيئة لعام 2025 إلى أن أكثر من خُمس السكان في أوروبا يتعرضون لمستويات ضارة من ضوضاء النقل وفق عتبات الإبلاغ الأوروبية، وترتفع النسبة إلى أكثر من 30 في المائة عند استخدام توصيات منظمة الصحة العالمية الأكثر صرامة.

لا تعني هذه الأرقام أن الوضع الأوروبي يمكن نقله آلياً إلى المدن المغربية والعربية. لكنها تكشف شيئاً أساسياً: عندما تقاس الضوضاء بصورة منتظمة، تظهر باعتبارها مشكلة حضرية قابلة للرصد والسياسة، لا مجرد انطباع شخصي.

المدينة الصاخبة ليست صاخبة في كل مكان

إذا كانت الضوضاء مشكلة عامة، فإن التعرض لها غير متساوٍ.

فالمنزل المطل على طريق سريع أو شارع تجاري لا يعيش البيئة الصوتية نفسها التي يعيشها منزل داخل حي قليل المرور. والسكن المجاور لمحطة أو ورش بناء أو منطقة للأنشطة الليلية يختلف عن السكن في شارع تحميه المسافة والأشجار وانخفاض حركة المركبات.

وهنا تظهر علاقة خفية بين الهدوء وسوق العقار. فالقدرة على الابتعاد عن الطرق الصاخبة أو اختيار مسكن بعزل صوتي جيد تحتاج إلى موارد مالية. أما الأسر التي تختار سكنها أساساً وفق السعر والقرب من العمل، فقد تكون قدرتها على اختيار البيئة الصوتية محدودة.

بهذا المعنى يمكن أن يصبح الهدوء امتيازاً مكانياً.

لا يتعلق الأمر بأن كل حي شعبي صاخب وكل حي مرتفع الدخل هادئ، فواقع المدن أكثر تعقيداً. لكن التخطيط يستطيع توزيع مصادر الإزعاج بطريقة تجعل بعض السكان يتحملون نصيباً أكبر من الكلفة البيئية التي تنتجها المدينة كلها.

الليل يكشف جودة المدينة

خلال النهار، تختلط الضوضاء بإيقاع العمل والحركة. أما في الليل فتتغير المسألة لأن الحاجة إلى النوم تجعل الصوت نفسه أكثر تأثيراً.

هنا تتقاطع وظائف يصعب التوفيق بينها. المطعم يريد أن يستمر في العمل، والمقهى يحتاج إلى الزبائن، وشركة التوصيل تتحرك ليلاً، والمستشفى لا يتوقف، والشاحنات تحتاج أحياناً إلى ساعات أقل ازدحاماً لنقل البضائع. وفي الجهة الأخرى توجد نافذة منزل يفصلها عن هذه الأنشطة بضعة أمتار.

لا يمكن حل هذا التعارض بإغلاق المدينة بعد ساعة محددة، كما لا يمكن تركه للسكان وأصحاب الأنشطة كي يتفاوضوا عليه كل ليلة.

إنه سؤال تخطيط.

عندما توضع الأنشطة الليلية الكثيفة بجوار السكن من دون قواعد واضحة للعزل ومواعيد العمل وحركة المركبات، تصبح الشكايات نتيجة متوقعة لتصميم المجال نفسه. وعندما تغيب بدائل التنقل الهادئة ويستمر الاعتماد الكبير على المركبات الفردية، ينتقل جزء من كلفة الحركة إلى غرف نوم السكان.

الدراجة النارية الصغيرة قد تكون مشكلة حضرية كبيرة

ليس عدد المركبات وحده ما يصنع البيئة الصوتية. نوع المركبة وسلوك استخدامها وحالة المحرك والسرعة وطبيعة الطريق كلها عوامل تغير مستوى الضوضاء.

ولهذا يمكن لعدد محدود من المركبات شديدة الصخب أن يغير تجربة شارع كامل، خصوصاً في الليل. كما أن استعمال المنبهات بصورة مفرطة والتسارع المفاجئ وبعض التعديلات على أنظمة العادم تضيف أصواتاً لا ترتبط بالحاجة الفعلية إلى التنقل.

المعالجة هنا لا تبدأ بمنع الحركة، وإنما بالفصل بين الحركة الضرورية والضوضاء التي يمكن تجنبها.

فمراقبة المركبات المخالفة، وتهدئة السرعة، وتحسين تدفق المرور، وتنظيم مرور الشاحنات، كلها أدوات يمكن أن تخفض الصوت من دون تعطيل الوظيفة الاقتصادية للمدينة.

حتى العمران يستطيع تضخيم الصوت

الضوضاء ليست فقط ما تنتجه السيارة أو الورشة. شكل الشارع نفسه يمكن أن يؤثر في الطريقة التي ينتقل بها الصوت.

في الشوارع الضيقة المحاطة بواجهات مرتفعة، يمكن أن تنعكس الأصوات بين المباني. وفي الطرق الواسعة المصممة لاستيعاب سرعات أكبر، قد يرتفع صوت حركة المركبات. أما وجود مسافات فاصلة وبعض عناصر التشجير والتصميم والعزل فيمكن أن يساعد على تخفيف وصول الصوت إلى المناطق الحساسة.

وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية عند تصميم المدارس والمستشفيات والمساكن.

إذا وُضعت مدرسة بجوار محور مروري كثيف من دون معالجة صوتية مناسبة، فإن المشكلة لا تبدأ عندما يشتكي المدرسون والطلاب. لقد بدأت منذ اختيار الموقع وتصميم المبنى.

الأمر نفسه ينطبق على السكن. فالعزل الصوتي ليس تفصيلاً تقنياً منفصلاً عن جودة البناء، خصوصاً في المدن التي تزداد فيها كثافة الحركة.

قياس الضجيج قبل محاولة إدارته

يصعب على المدينة معالجة مشكلة لا تعرف خريطتها.

فالشكوى التي يقدمها أحد السكان مهمة، لكنها لا تكشف وحدها حجم التعرض ولا تحدد المناطق الأكثر تضرراً. المطلوب هو الانتقال من التعامل مع الضوضاء بوصفها مجموعة شكايات منفصلة إلى النظر إليها باعتبارها بيانات مكانية.

يمكن لخريطة الضوضاء أن تظهر المحاور المرورية الأكثر صخباً والمناطق المتأثرة بالطائرات أو القطارات ومواقع الأنشطة التي تستمر ليلاً. وعند إضافة مواقع المدارس والمستشفيات والمساكن والكثافة السكانية، تصبح الخريطة أداة لاتخاذ القرار.

هذه هي إحدى الفوارق المهمة في التجربة الأوروبية. فالتشريعات الخاصة بالضوضاء البيئية دفعت إلى قياس التعرض وإعداد الخرائط وخطط العمل، ما جعل الصوت جزءاً مرئياً من إدارة المجال الحضري.

أما عندما لا تتوافر البيانات، فمن السهل أن تختزل المشكلة في نزاع بين جار ومقهى، أو بين سكان شارع وأصحاب الدراجات، بينما يكون مصدرها أوسع من ذلك بكثير.

المساحات الهادئة بنية تحتية أيضاً

تهتم المدينة بالحديقة لأنها توفر الأشجار، وبالرصيف لأنه يسمح بالمشي، وبالساحة لأنها تتيح اللقاء. لكن قيمة هذه الأماكن تتأثر أيضاً بما نسمعه داخلها.

فالحديقة التي تمر بمحاذاتها حركة مرورية كثيفة لا توفر التجربة نفسها التي توفرها مساحة يستطيع الإنسان فيها سماع الحديث والأصوات الطبيعية من دون أن يغطي عليها هدير مستمر.

ولهذا بدأت سياسات حضرية في التعامل مع المناطق الهادئة باعتبارها مورداً ينبغي حمايته، لا فراغاً ينتظر نشاطاً إضافياً.

وهذا التحول مهم للمدينة العربية. فليس المطلوب تحويل المراكز الحضرية إلى أماكن صامتة، وهو أمر غير واقعي ولا مرغوب فيه. المدينة بطبيعتها مكان للحركة والعمل والتفاعل. المطلوب هو أن يمتلك السكان إمكانية الوصول إلى فترات وأماكن أقل ضوضاء.

مثلما يحتاج الإنسان إلى مساحة خضراء، يحتاج أيضاً إلى مساحة يستطيع فيها الاستراحة من الضغط الصوتي.

ليست كل أصوات المدينة تلوثاً

مع ذلك، ينبغي الحذر من تحويل فكرة الهدوء إلى مشروع لإفراغ المدينة من الحياة.

صوت السوق، وحديث الناس في الساحة، وأصوات الأطفال، والموسيقى في مناسبة ثقافية، كلها جزء من الهوية الاجتماعية للمدينة. وليس من المنطقي وضعها في الفئة نفسها مع هدير محرك معدل أو ضجيج مروري مستمر طوال الليل.

التحدي الحقيقي هو التمييز بين الصوت الذي يعبر عن الحياة الحضرية والضوضاء التي تفرض نفسها على الآخرين بصورة مستمرة وغير اختيارية.

هذا التمييز مهم أيضاً اجتماعياً. فقد تتحول سياسات مكافحة الضوضاء، إذا طُبقت بلا حساسية، إلى وسيلة لإبعاد الباعة أو الأنشطة الشعبية عن بعض المناطق، بينما تظل مصادر أكبر للضوضاء، مثل المرور الكثيف، من دون معالجة جذرية.

لذلك ينبغي أن يكون المعيار هو حجم التعرض واستمراره وتأثيره، لا هوية الشخص أو النشاط الذي ينتج الصوت.

المدينة الجيدة تُسمع بطريقة مختلفة

يُقاس نجاح المدينة عادة بسرعة التنقل والاستثمار وجودة الطرق والمساحات الخضراء والخدمات. لكن جودة البيئة الصوتية تستحق أن تدخل بدورها في هذا التقييم.

فالمدينة التي تسمح لسكانها بالنوم، وتحمي المدارس والمستشفيات، وتوفر مساحات هادئة، وتخفض ضوضاء المرور من دون تعطيل الحركة، لا تقدم رفاهية إضافية. إنها تدير واحداً من الآثار اليومية التي ينتجها التركز الحضري.

وتشير منظمة الصحة العالمية بوضوح إلى أن التخطيط الحضري والنقل جزء من الاستجابة، من خلال تقليل حركة المرور المسببة للضوضاء وتوفير فضاءات هادئة وممتعة داخل المدن.

هذا يعيد المسألة إلى أصلها. فالضجيج الذي يصل إلى نافذة المنزل قد يبدو مشكلة فردية، لكنه في كثير من الأحيان نتيجة قرارات جماعية اتخذت حول الطريق والسرعة والنقل وموقع الأنشطة وتصميم المباني.

ولهذا فإن الحق في مدينة أفضل لا يعني أن تصبح المدينة صامتة. بل يعني ألا يضطر الإنسان إلى شراء الهدوء كلما أراد أن ينام.