لم تعد أزمة السكن الاقتصادي في المغرب مرتبطة فقط بنقص الوحدات السكنية أو ارتفاع أسعار الشقق. فقد أصبحت تعكس اختلالات أوسع في تنظيم المجال الحضري، وتوزيع فرص الشغل، وتكاليف التنقل، وشروط التمويل البنكي. وفي عدد من المدن، قد تتمكن الأسرة من اقتناء مسكن بسعر مدعوم، لكنها تكتشف لاحقاً أن موقعه البعيد عن الخدمات يحول جزءاً من التوفير المالي إلى مصاريف يومية إضافية.
ومن هذه الزاوية، يكتسب الانتقال من حكومة عزيز أخنوش إلى حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أهمية خاصة بالنسبة إلى قطاع الإسكان والتعمير. فالأمر لا يتعلق بمجرد تغيير في القيادة الحكومية، بل بانتقال مسؤولية سياسة سكنية بدأت خلال الولاية السابقة إلى مرحلة جديدة تعلن توسيع نطاق التدخل من دعم التملك إلى تحسين جودة المجال السكني.
وتتميز هذه المرحلة بوجود استمرارية مؤسساتية واضحة. فقد تولت المنصوري وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة خلال الحكومة السابقة، وكانت مسؤولة عن القطاع عندما أُطلق برنامج الدعم المباشر للسكن. ثم عُينت رئيسة للحكومة في 29 شتنبر 2026، قبل أن تقدم برنامجها الحكومي للفترة 2026–2031 أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر.
الدعم المباشر.. ما الذي تركته المرحلة السابقة؟
شهدت السياسة السكنية المغربية تحولاً مهماً مع إطلاق برنامج الدعم المباشر لاقتناء السكن الرئيسي ابتداءً من يناير 2024، ضمن فترة تمتد إلى سنة 2028. وجاء البرنامج ليمنح المقتني المؤهل مساعدة مالية مباشرة، بعدما اعتمدت تدخلات سابقة بصورة أساسية على تحفيز إنتاج السكن الاجتماعي.
وحدد البرنامج دعماً بقيمة 100 ألف درهم لاقتناء مسكن لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، مع احتساب الرسوم. كما خصص 70 ألف درهم للمساكن التي يزيد ثمنها على 300 ألف درهم ولا يتجاوز 700 ألف درهم. واستهدف المغاربة المقيمين داخل المملكة وخارجها، وفق شروط الاستفادة المعتمدة.
وقد أظهرت الحصيلة الحكومية تقدماً في تنفيذ هذه الآلية. ففي أكتوبر 2025، أعلنت المنصوري، بصفتها وزيرة للإسكان، بلوغ عدد المستفيدين 71 ألفاً و114 شخصاً. كما أفادت بأن الطلبات المسجلة بلغت نحو 171 ألف طلب، وأن نسبة مهمة من المستفيدين كانت من الشباب والمغاربة المقيمين بالخارج.
فعدد المستفيدين لا يوضح مستويات دخولهم، ولا حجم القروض التي تحملوها، ولا جودة الأحياء التي انتقلوا إليها. كما لا يكشف عن الأسر التي احتاجت إلى السكن، لكنها لم تتمكن من استكمال عملية الشراء بسبب ضعف الدخل أو صعوبة التمويل.
وهنا يظهر الحد الفاصل بين دعم اقتناء العقار وتحقيق الحق في سكن ملائم.
حكومة المنصوري.. ما الجديد في البرنامج السكني؟
يحمل البرنامج الحكومي 2026–2031 تحولاً لافتاً في طريقة عرض السياسة السكنية. فقد أعلنت الحكومة الجديدة اعتماد سياسة متكاملة للسكن والتعمير وإعداد التراب وسياسة المدينة، تقوم على الانتقال من التركيز أساساً على إنتاج الوحدات السكنية إلى توفير سكن ملائم وخفض كلفته على الأسر.
ولا يقف هذا التوجه عند ثمن الشقة. بل يشمل تحسين جودة الأحياء، وتقريب السكن من فرص العمل والنقل والخدمات، وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
كما تضمن البرنامج الجديد مواصلة دعم التملك مع زيادة العرض السكني، وإحداث عرض وطني للسكن المخصص للكراء، وتطوير حلول سكنية لفائدة موظفي القطاعات التي تواجه صعوبة في الاستقطاب. وأعلن أيضاً مواصلة معالجة السكن غير اللائق، إلى جانب إعداد برنامج للسكن القروي والبناء الذاتي الآمن.
لكن الإعلان عن عرض وطني للكراء لا يكفي لتحديد أثره المحتمل. فلا تزال الحاجة قائمة إلى توضيح نموذج التمويل، والفئات المستهدفة، ومستويات الأكرية، وطبيعة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والضمانات التي ستمنع تحول هذا العرض إلى منتج عقاري لا يناسب الأسر محدودة الدخل.
الكراء الميسر.. هل يصبح بديلاً حقيقياً عن التملك؟
يمثل إحداث عرض وطني للسكن المخصص للكراء فرصة لإعادة النظر في تصور السياسة السكنية المغربية. فقد ارتبطت برامج الدعم خلال سنوات طويلة بتشجيع الملكية، بينما ظلت الحاجة إلى كراء مستقر ومناسب للدخل قائمة لدى فئات واسعة من السكان.
وتبرز أهمية الكراء الميسر لدى الشباب المقبلين على العمل، والأسر التي لا تتوفر على ادخار كافٍ، والموظفين الذين ينتقلون بين المدن. كما قد يوفر حلاً للأسر التي تحتاج إلى السكن بالقرب من مراكز التشغيل، دون الالتزام بقرض طويل الأمد.
لكن نجاح هذا التوجه يتطلب تحديد معنى «الكراء الميسر» بصورة دقيقة. فالمعيار لا ينبغي أن يكون انخفاض القيمة الاسمية للكراء مقارنة بالسوق فقط، بل نسبة ما تدفعه الأسرة من دخلها الشهري، مع احتساب تكاليف النقل والطاقة والخدمات.
كما ينبغي التفكير في آليات حماية المستأجرين وضمان صيانة المساكن واستدامة تمويلها. فالكراء الميسر لا يمكن أن ينجح إذا تحول إلى مساكن منخفضة الجودة أو مشاريع معزولة عن المدينة.
وتبقى هذه العناصر أسئلة تنفيذية مفتوحة، لأن الإعلان الحكومي عن العرض الوطني لا يمثل في حد ذاته دليلاً على إحداث وحدات جاهزة للاستفادة.
السكن الاقتصادي والمدينة.. أين تبدأ الكلفة الحقيقية؟
تظهر محدودية المقاربة القائمة على سعر الشراء وحده عندما ننتقل من الشقة إلى الحي. فالسكن الاقتصادي لا يقتصر على ثمن العقار، بل يشمل ما تنفقه الأسرة لتعيش فيه بصورة يومية.
فقد تكون شقة بقيمة 300 ألف درهم أكثر كلفة على المدى الطويل من شقة أعلى سعراً إذا كانت الأولى بعيدة عن العمل والخدمات. وتزداد هذه الكلفة عندما تضطر الأسرة إلى استعمال سيارة خاصة أو الاعتماد على وسائل نقل متعددة.
كما أن ضعف التجهيزات الجماعية قد يفرض مصاريف إضافية مرتبطة بالتعليم والصحة والترفيه. وفي هذه الحالة، يصبح الدعم الموجه إلى اقتناء المسكن منفصلاً عن التكاليف الفعلية للحياة الحضرية.
ويطرح ذلك ضرورة اعتماد تقييم شامل لكلفة السكن، يدمج ثمن الشراء أو الكراء مع النقل والطاقة والصيانة والوصول إلى الخدمات.
ومن هذا المنظور، يبدو توجه الحكومة الجديدة نحو ربط السكن بفرص العمل والنقل والخدمات خطوة مهمة على مستوى التصور. لكن قيمته العملية ستتوقف على مدى انعكاسه في وثائق التعمير والمشاريع العقارية والميزانيات المحلية.
فلا يمكن بناء أحياء متكاملة بالتصريحات وحدها. بل يتطلب الأمر تنسيقاً بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية ومؤسسات النقل والإنعاش العقاري.
المدن المتوسطة.. فرصة لتصحيح اختلالات التوسع العمراني
تواجه المدن المغربية المتوسطة تحديات مختلفة عن تلك التي تعرفها الحواضر الكبرى. ففي بعض المدن، قد تتوفر أراضٍ قابلة للتعمير بأسعار أقل، لكن فرص العمل والخدمات تظل محدودة. وفي مدن أخرى، يؤدي التوسع العمراني السريع إلى ظهور أحياء جديدة قبل اكتمال تجهيزاتها.
وقد أظهرت حصيلة الدعم المباشر حضور مدن وأقاليم مثل فاس وبرشيد ومكناس والقنيطرة وسطات ضمن المناطق الأكثر استفادة. لكن هذه المعطيات تحتاج إلى قراءة مرتبطة بحجم السكان والطلب المحلي والخصاص السكني.
ولهذا، ينبغي أن تمنح المرحلة الجديدة أهمية خاصة لتوجيه الاستثمار السكني نحو المجالات التي تتوفر فيها فرص تنمية اقتصادية حقيقية، مع توفير النقل والخدمات قبل توسع الأحياء أو بالتزامن معه.
كما يتعين تجنب تحويل المدن الصغيرة إلى مجرد فضاءات سكنية تابعة للحواضر الكبرى. فالتنمية الحضرية المتوازنة تقتضي خلق فرص العمل محلياً، لا الاكتفاء بتوفير وحدات سكنية بأسعار أقل.
السكن القروي.. امتداد ضروري للسياسة العمرانية
لم يحصر البرنامج الحكومي الجديد تدخلاته في المدن. فقد أعلن إعداد برنامج للسكن القروي يستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن خلال الولاية الحكومية 2026–2031، خصوصاً في المراكز القروية الصاعدة.
ويتضمن التوجه المعلن دعماً مباشراً بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة، إلى جانب مواكبة تقنية مجانية، مع العمل على تبسيط مساطر التعمير والبناء في الوسط القروي.
غير أن نجاح البرنامج سيتوقف على تحديد شروط الاستفادة وتوفير المواكبة التقنية بصورة فعلية، مع مراعاة طبيعة البناء المحلي والموارد المتاحة والحاجيات الاجتماعية.
ويجب أيضاً ربط السكن القروي بالخدمات الأساسية وفرص النشاط الاقتصادي. فإعادة تأهيل منزل لا تكفي وحدها لتحسين ظروف العيش إذا ظل الوصول إلى الماء أو النقل أو المؤسسات الصحية صعباً.
من سيستفيد فعلياً من السياسة الجديدة؟
رغم أهمية التوجهات المعلنة، يظل السؤال الاجتماعي حاسماً: هل ستصل السياسة السكنية إلى الأسر التي تواجه أكبر صعوبة في الحصول على منزل؟
فالدعم المباشر للتملك يفترض قدرة المستفيد على تمويل الجزء المتبقي من الثمن. وقد يشكل ذلك عائقاً أمام العاملين في القطاع غير المنظم والأسر ذات الدخل غير المستقر.
أما الكراء الميسر، فيمكن أن يوسع دائرة الاستفادة، لكنه يحتاج إلى معايير واضحة تضمن وصوله إلى الفئات المستهدفة. كما ينبغي تفادي تركيز المشاريع في مواقع بعيدة عن فرص الشغل أو الخدمات.
وتبرز هنا ضرورة تنويع أدوات التدخل العمومي. فبعض الأسر تحتاج إلى دعم التملك، وأخرى إلى كراء مناسب، بينما تحتاج فئات ثالثة إلى إعادة تأهيل مساكنها أو الاستفادة من برامج معالجة السكن غير اللائق.
ولا يمكن اعتماد حل واحد لجميع الأوضاع. فنجاح السياسة السكنية يتطلب تشخيص الحاجيات بحسب الدخل وحجم الأسرة والموقع الجغرافي وطبيعة النشاط المهني.
استمرارية البرامج لا تعني استمرار الاختلالات
تملك حكومة المنصوري فرصة خاصة لتطوير السياسة السكنية، بالنظر إلى التجربة القطاعية التي راكمتها رئيستها خلال الولاية السابقة. لكن هذه الاستمرارية تضع على عاتقها مسؤولية تقييم ما تحقق وتصحيح ما ظهر من حدود.
ومن المؤشرات المهمة في هذا الاتجاه أن وزارة الإسكان أطلقت، خلال غشت 2026، مسطرة لإجراء تقييم شامل لبرنامج الدعم المباشر، وفق وثائق صفقة أوردتها الصحافة. وشملت أهداف الدراسة المعلنة قياس الآثار الاقتصادية والاجتماعية وبحث مستقبل البرنامج وإمكانية تمديده بعد 2028. ولا تعني هذه الخطوة أن نتائج التقييم أصبحت متاحة أو أن التمديد تقرر بالفعل.
كما يمكن أن يوفر أساساً لتطوير برامج الكراء وتحسين جودة الأحياء، بدل الاكتفاء بإضافة تدابير جديدة إلى البرامج القائمة دون قياس نتائجها.
إن الانتقال من دعم الشقة إلى تحسين المجال السكني يتطلب أيضاً تغيير مؤشرات النجاح. فبدلاً من الاكتفاء بعدد الوحدات أو المستفيدين، ينبغي قياس مدى قرب المساكن من الخدمات، وجودة البناء، وكلفة النقل، وحجم العبء المالي الذي تتحمله الأسر.
وهذه المؤشرات تجعل السياسة السكنية أقرب إلى حاجيات السكان الفعلية، وتمنح المدن والجماعات الترابية دوراً أوضح في تقييم نتائجها.
هل تنتقل السياسة السكنية فعلاً إلى مرحلة جديدة؟
تكشف المقارنة بين برنامج أخنوش وتوجهات حكومة المنصوري عن استمرارية في دعم التملك، مقابل توسيع معلن لمجال التدخل ليشمل الكراء وجودة الأحياء والربط بين السكن والعمل والخدمات.
وهذا التحول مهم من الناحية العمرانية، لأنه يعترف بأن أزمة السكن لا يمكن حلها بإنتاج المزيد من الشقق وحده. فالمسكن جزء من المدينة، وقيمته الاجتماعية ترتبط بقدرته على توفير الاستقرار والاندماج وجودة الحياة.
لكن البرنامج الجديد لا يزال في بدايته. ولذلك، لا يمكن اعتبار التوجهات المعلنة إنجازات متحققة، كما لا يصح تحميلها مسؤولية اختلالات لم تتح لها بعد فرصة معالجتها.
وستكون المرحلة المقبلة حاسمة في اختبار قدرة الحكومة على تحويل هذه التوجهات إلى مشاريع قابلة للقياس. ومن الضروري أن تنشر السلطات المعنية بيانات واضحة حول عدد المساكن المخصصة للكراء، وتوزيعها الجغرافي، ومستويات أسعارها، ومعايير الاستفادة منها.
كما ينبغي تقديم حصيلة دقيقة لبرنامج الدعم المباشر، تشمل أثره في القدرة الشرائية وجودة السكن وتطور الأسعار، مع بيان مدى استفادة الأسر محدودة الدخل.
أما الجماعات الترابية، فلا ينبغي أن يقتصر دورها على الترخيص للمشاريع. بل يجب أن تشارك في تحديد الحاجيات السكنية وربط المشاريع بالنقل والتجهيزات والخدمات.
في النهاية، لا يكمن التحدي في المفاضلة بين حكومتين، بل في الانتقال من سياسة تقيس نجاحها بعدد المساكن إلى سياسة تقيسه بجودة الحياة داخل المدن والقرى.
فالسكن الاقتصادي لا يصبح حلاً اجتماعياً لمجرد انخفاض ثمنه أو حصول مقتنيه على دعم مالي. إنه يحقق غايته عندما يوفر للأسرة منزلاً آمناً، في حي متكامل، وبتكلفة تتناسب مع دخلها، دون أن تتحول المسافة عن العمل والخدمات إلى عبء دائم.
وهذا هو الامتحان العمراني والاجتماعي الحقيقي للسياسة السكنية المغربية خلال المرحلة المقبلة.


