
إعداد:طارق بناصر
في خطوة تحمل أبعاداً دبلوماسية وسياسية واقتصادية، اختار السفير الفرنسي الجديد بالمغرب، فيليب لاليو، مدينة العيون لتكون أول محطة رسمية له خارج الرباط منذ توليه مهامه، في رسالة اعتبرها متابعون تجسيداً عملياً للموقف الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء، واستمراراً للدينامية الجديدة التي تعرفها العلاقات المغربية الفرنسية.
وتأتي الزيارة في سياق تعرف فيه الشراكة بين الرباط وباريس زخماً غير مسبوق، عقب إعلان فرنسا دعمها الواضح لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
أكد السفير الفرنسي أن اختيار العيون كأول وجهة رسمية لم يكن قراراً بروتوكولياً، بل يعكس رغبة باريس في مواصلة الانخراط في تنمية الأقاليم الجنوبية ومواكبة المشاريع الاقتصادية والاستثمارية التي تشهدها المنطقة.
وأوضح أن فرنسا تنظر إلى الأقاليم الجنوبية باعتبارها فضاءً واعداً للاستثمار والإنتاج، وأنها تعتزم تشجيع حضور الشركات الفرنسية في المشاريع الكبرى المرتقبة خلال السنوات المقبلة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمنح بعداً عملياً للموقف السياسي الفرنسي، بعدما انتقل من مستوى التصريحات إلى مستوى التحرك الميداني.
خلال لقاءاته مع مسؤولي جهة العيون الساقية الحمراء، جدد السفير الفرنسي تأكيد موقف بلاده الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، معتبراً أنها تمثل الحل الأكثر واقعية ومصداقية لإنهاء هذا النزاع.
وأشار إلى أن هذا الموقف ينسجم مع السياسة الفرنسية التي دعمت المبادرة المغربية منذ تقديمها سنة 2007 داخل مجلس الأمن، ويأتي امتداداً للرسالة التي وجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس.
كما عبر عن أمل باريس في أن يفضي المسار الأممي إلى حل سياسي دائم يحقق الاستقرار في المنطقة.
ركزت المباحثات على الإمكانات الاقتصادية التي توفرها الأقاليم الجنوبية، خاصة في مجالات الطاقات المتجددة، والاقتصاد الأزرق، والبنيات التحتية، والتعليم العالي، والتكوين.
وأكد السفير الفرنسي أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحويل العيون وباقي مدن الصحراء المغربية إلى مركز اقتصادي يربط أوروبا بعمقها الإفريقي، في إطار مشاريع تنموية كبرى تراهن عليها المملكة.
كما شدد على أن فرنسا ترغب في أن تكون شريكاً أساسياً في هذه الدينامية الاستثمارية.
تندرج الزيارة ضمن تنفيذ الالتزامات التي تضمنها الاتفاق الإطار الجديد بين المغرب وفرنسا، والذي يرسم مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وتتجه باريس إلى تعزيز حضور مقاولاتها في مشاريع النقل والطاقة والاقتصاد الأخضر والبنيات الأساسية، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي للأقاليم الجنوبية باعتبارها منصة للتبادل مع الأسواق الإفريقية.
ويرى خبراء أن هذا التوجه يعكس تحولاً في طبيعة العلاقات الثنائية، من شراكة تقليدية إلى تعاون يقوم على الاستثمار المشترك والمشاريع طويلة الأمد.
لم تقتصر الزيارة على الجوانب السياسية والاقتصادية، بل شملت أيضاً افتتاح مركز التحالف الفرنسي بمدينة العيون، إلى جانب دعم الثانوية الفرنسية الدولية “بول باسكون”.
وأكد السفير الفرنسي أن الاستثمار في التعليم والثقافة يشكل أحد أعمدة الشراكة الجديدة، لما يوفره من فرص لتأهيل الشباب، وتعزيز تعلم اللغات، والانفتاح على فضاءات أكاديمية ومهنية أوسع.
من جانبه، اعتبر والي جهة العيون الساقية الحمراء، عبد السلام بكرات، أن الزيارة تعكس متانة العلاقات المغربية الفرنسية، وتؤكد الدعم المتزايد الذي تحظى به الأقاليم الجنوبية على المستوى الدولي.
كما أكد رئيس جماعة العيون، مولاي حمدي ولد الرشيد، أن الدينامية الجديدة للعلاقات الثنائية تفتح آفاقاً واسعة للاستثمار والتنمية، مشدداً على أن مبادرة الحكم الذاتي أصبحت تحظى بدعم دولي متنامٍ باعتبارها الحل الواقعي لتسوية هذا النزاع.
واستعرض المسؤولون المحليون البرامج التنموية الكبرى التي تعرفها الجهة، والبنيات التحتية التي تؤهلها لتكون قطباً اقتصادياً محورياً بين أوروبا وإفريقيا.
يرى متابعون أن أهمية هذه الزيارة لا تكمن فقط في كونها أول تحرك رسمي للسفير الفرنسي نحو الأقاليم الجنوبية، بل في توقيتها أيضاً، إذ تأتي في مرحلة تشهد إعادة تشكيل للتحالفات الدولية، وتزايداً في اهتمام القوى الاقتصادية الكبرى بالاستثمار في الصحراء المغربية.
كما تعكس انتقال الدعم الفرنسي من المستوى السياسي والدبلوماسي إلى مستوى التعاون الميداني، عبر تشجيع الاستثمارات، وتوسيع الحضور الاقتصادي والثقافي، وتعزيز المشاريع المشتركة.
تشير المؤشرات إلى أن العلاقات المغربية الفرنسية دخلت مرحلة أكثر عمقاً، تقوم على الجمع بين التنسيق السياسي، والتعاون الاقتصادي، والاستثمار في التنمية المحلية.
وتبدو الأقاليم الجنوبية في صلب هذه المرحلة الجديدة، باعتبارها فضاءً استراتيجياً يجمع بين الموقع الجغرافي، والإمكانات الاقتصادية، والدور الذي يمكن أن تلعبه في تعزيز الربط بين أوروبا والقارة الإفريقية.







