
إعداد: يوسف التازي
يشهد العالم سباقاً غير مسبوق للسيطرة على المعادن الحرجة التي أصبحت تمثل العمود الفقري للتحول نحو الاقتصاد الأخضر، مع تزايد الطلب على الكوبالت والليثيوم والنحاس والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة، باعتبارها مكونات أساسية في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، وتقنيات تخزين الطاقة، وشبكات الكهرباء، والصناعات الإلكترونية المتقدمة.
وفي هذا السياق، كشف تقرير “المراجعة الإحصائية للطاقة العالمية 2026” عن تراجع إنتاج المغرب من معدن الكوبالت خلال سنة 2025 إلى 1.1 ألف طن، مقابل 1.3 ألف طن سنة 2024، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الدولية على تأمين مصادر هذه المعادن الإستراتيجية.
أظهر التقرير أن الإنتاج المغربي سجل تراجعاً سنوياً بنحو 14.4 في المائة، فيما بلغ متوسط الانخفاض خلال العقد الأخير حوالي 6.9 في المائة سنوياً.
ورغم هذا التراجع، يظل المغرب ضمن قائمة الدول المنتجة للكوبالت، إلا أن مساهمته لا تتجاوز 0.4 في المائة من الإنتاج العالمي، بينما تمثل احتياطياته حوالي 0.1 في المائة فقط من إجمالي الاحتياطيات العالمية.
وتشير البيانات إلى أن الاحتياطي المغربي يكفي نظرياً لنحو 12 سنة من الإنتاج وفق الوتيرة الحالية، وهو من بين أدنى المعدلات المسجلة عالمياً.
لا تزال جمهورية الكونغو الديمقراطية تفرض سيطرة شبه مطلقة على سوق الكوبالت العالمي.
فقد بلغ إنتاجها خلال سنة 2025 حوالي 187.5 ألف طن، أي ما يقارب 69 في المائة من الإنتاج العالمي، كما تمتلك أكثر من نصف الاحتياطيات العالمية، بما يقارب ستة ملايين طن.
وفي المقابل، واصلت إندونيسيا تعزيز مكانتها بعدما رفعت إنتاجها إلى 44 ألف طن، لتصبح ثاني أكبر منتج عالمي، بينما تحافظ دول مثل أستراليا وكندا وروسيا والصين على حضورها في السوق بنسب أقل.
لم يعد الكوبالت المعدن الوحيد الذي يشهد طلباً متزايداً.
فقد سجل النحاس إنتاجاً عالمياً تجاوز 23 مليون طن خلال سنة 2025، مع استمرار تشيلي في صدارة المنتجين، نظراً لأهمية المعدن في شبكات الكهرباء ومشاريع الطاقات المتجددة.
كما ارتفع إنتاج الغرافيت الطبيعي إلى نحو 1.88 مليون طن، بينما قفز إنتاج الليثيوم بنسبة تجاوزت 25 في المائة ليصل إلى 292 ألف طن، مدفوعاً بالطلب المتزايد على السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة.
أما العناصر الأرضية النادرة، فقد بلغ إنتاجها العالمي أكثر من 387 ألف طن، مع استمرار الصين في الهيمنة على هذا القطاع، سواء من حيث الإنتاج أو حجم الاحتياطيات.
ورغم أن المغرب لا يملك احتياطيات ضخمة من الكوبالت مقارنة بالدول الكبرى، فإن موقعه قد يمنحه فرصاً مختلفة لا ترتبط فقط بالاستخراج.
فالمملكة تتوفر على خبرة صناعية متراكمة في الصناعات التعدينية والكيميائية، إلى جانب مشاريع استثمارية متنامية في قطاع البطاريات والطاقات النظيفة، وهو ما يسمح بالانتقال تدريجياً من تصدير المواد الخام إلى تصنيع منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
ويرى خبراء أن مستقبل المنافسة لن يعتمد فقط على امتلاك المناجم، بل أيضاً على القدرة على تطوير الصناعات التحويلية، وإنتاج مكونات البطاريات، وإعادة تدوير المعادن الإستراتيجية.
يدفع التحول العالمي نحو الحياد الكربوني الحكومات والشركات إلى تأمين إمدادات مستقرة من المعادن الحرجة، بعدما أصبحت هذه الموارد عاملاً أساسياً في الأمن الصناعي والطاقة.
ولهذا السبب، تشهد الأسواق الدولية استثمارات ضخمة في التنقيب، والتكرير، والتصنيع، وإعادة التدوير، بالتوازي مع محاولات تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الدول.
ورغم تراجع إنتاج الكوبالت، يمتلك المغرب مقومات تسمح له بالحفاظ على موقعه داخل سلاسل القيمة العالمية، خاصة إذا نجح في تسريع الاستثمارات المرتبطة بالصناعات التحويلية، والبحث العلمي، والتكنولوجيا النظيفة.
فالرهان المستقبلي لا يقتصر على استخراج المعادن، بل يمتد إلى تصنيعها، وتطوير تطبيقاتها الصناعية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني في سوق عالمية أصبحت المعادن الحرجة فيها أحد أهم مفاتيح النمو خلال العقود المقبلة.







