السكن الذي يطرد السكان: حين تصبح المدينة استثماراً أكثر منها مكاناً للعيش
Listening requires a matching voice in your browser.

تقرير: المدينة العربية
كان السكن، في معناه البسيط، يعني بيتاً يحتمي فيه الإنسان ويؤسس داخله حياته. لكن هذا المعنى بدأ يتغير في مدن عربية كثيرة، حيث تحول العقار تدريجياً إلى أصل مالي قبل أن يكون حاجة اجتماعية. الشقة لم تعد تُبنى دائماً لمن سيعيش فيها، بل قد تُشترى للاحتفاظ بالقيمة أو لإعادة البيع أو للإيجار القصير، بينما يجد السكان الذين تحتاجهم المدينة نفسها صعوبة متزايدة في البقاء داخلها.
المشكلة لا تظهر فقط في ارتفاع الأسعار. الأعمق من ذلك أن المدينة قد تنجح عقارياً بينما تفشل اجتماعياً. يمكن أن ترتفع قيمة المتر المربع، وتتزايد المشاريع الجديدة، وتصبح الأبراج جزءاً من الأفق الحضري، وفي الوقت نفسه يضطر العامل أو المدرس أو الممرض إلى الابتعاد عشرات الكيلومترات عن مكان عمله.
هنا يصبح السؤال ضرورياً: لمن تُبنى المدينة فعلاً؟
حين يصبح البيت أصلاً مالياً
العقار مختلف عن كثير من السلع. فالإنسان يستطيع تأجيل شراء سيارة أو هاتف، لكنه لا يستطيع الاستغناء عن السكن. لذلك فإن ارتفاع قيمة العقار لا يشبه ارتفاع سعر سلعة عادية، لأنه يطال حاجة أساسية.
حين يدخل الاستثمار بقوة إلى سوق السكن، تبدأ المعادلة في التغير. يصبح السؤال بالنسبة إلى جزء من السوق: كم سترتفع قيمة الشقة بعد سنوات؟ وليس فقط: هل توفر سكناً جيداً بسعر يستطيع الناس تحمله؟
هذا التحول ليس سلبياً في حد ذاته. الاستثمار ضروري لبناء المساكن وتمويل المشاريع وتطوير المدن. المشكلة تبدأ عندما يصبح العائد المالي هو المعيار المهيمن، بينما تتراجع وظيفة السكن الاجتماعية إلى المرتبة الثانية.
قد تبدو المدينة ناجحة في تقارير الاستثمار، لكنها تكون أقل نجاحاً بالنسبة إلى من يبحث فيها عن بيت.
مركز المدينة يصبح امتيازاً
تظهر المشكلة بوضوح حين ترتفع الأسعار في المناطق القريبة من فرص العمل والخدمات. الأسر ذات الدخل المرتفع تستطيع البقاء، بينما تنتقل أسر أخرى تدريجياً إلى الأطراف بحثاً عن أسعار أقل.
في البداية يبدو ذلك مجرد انتقال سكني طبيعي. لكن مع الوقت تتغير الخريطة الاجتماعية للمدينة. يصبح المركز أكثر ثراء، بينما تتحمل الضواحي نسبة أكبر من العمال والموظفين الذين يخدمون الاقتصاد الحضري من دون أن يستطيعوا العيش بالقرب منه.
وهنا تظهر مفارقة قاسية: الأشخاص الذين يجعلون المدينة تعمل قد يكونون آخر من يستطيع تحمل كلفة السكن فيها.
المشكلة لا تتوقف عند مكان الإقامة. السكن البعيد يعني وقتاً أطول في النقل، ونفقات إضافية، وضغطاً أكبر على الطرق، وتراجعاً في الوقت المتاح للأسرة والراحة.
وهكذا يتحول سعر الشقة إلى كلفة تُدفع أيضاً في الحافلة والطريق والوقت.
المدينة التي تفرغ من سكانها
هناك تحول آخر تعرفه بعض الأحياء التاريخية والمناطق السياحية في المدن العربية. حين يصبح الإيجار القصير أكثر ربحية من الإيجار السكني، قد يجد المالك حافزاً لتوجيه منزله إلى الزائر بدلاً من المقيم.
السياحة تحتاج إلى السكن، وهذا طبيعي. لكن توسع هذا النشاط بلا توازن يمكن أن يغير وظيفة أحياء كاملة.
المخبز الذي كان يخدم السكان يجد نفسه أمام زبائن عابرين. والمتجر اليومي قد يتحول إلى محل للهدايا أو خدمة سياحية. ومع تراجع عدد السكان الدائمين، تبدأ الحياة الاجتماعية للحي في التغير.
لا تختفي المباني، بل قد تصبح أجمل وأكثر ترميماً. ومع ذلك، يمكن أن يفقد المكان جزءاً من روحه لأنه لم يعد يُعاش بالطريقة نفسها.
وهنا يمكن للمدينة أن تحافظ على واجهاتها وتفقد سكانها.
البناء الكثير لا يعني أن السكن أصبح متاحاً
من السهل الاعتقاد بأن حل أزمة السكن هو بناء عدد أكبر من الوحدات. وهذا صحيح جزئياً، لكنه لا يكفي.
يمكن لمدينة أن تبني آلاف الشقق، بينما تبقى أزمة السكن قائمة إذا كانت الوحدات الجديدة خارج قدرة الفئات التي تحتاجها فعلاً. وقد تتراكم مساكن مرتفعة الثمن في مناطق معينة، بينما يستمر الطلب على السكن المتوسط والميسر من دون استجابة كافية.
لهذا يجب التمييز بين زيادة العرض العقاري وزيادة السكن المتاح.
الأول يقاس بعدد الوحدات المبنية. أما الثاني فيقاس بقدرة الأسرة على دفع ثمن المنزل أو إيجاره من دون أن يبتلع السكن معظم دخلها.
إذا كانت المدينة تبني كثيراً، لكن الناس يبتعدون أكثر فأكثر بحثاً عن بيت يمكنهم تحمل كلفته، فإن الخلل لا يتعلق بكمية البناء وحدها.
من يحدد قيمة الأرض؟
الأرض هي أصل الصراع الحضري كله تقريباً. حين تمر بنية تحتية جديدة، أو يصل خط نقل، أو تتغير وثائق التعمير، يمكن أن ترتفع قيمة الأرض بصورة كبيرة.
هذه الزيادة قد تكون نتيجة استثمار عمومي دفعت تكلفته المدينة كلها، لكن العائد قد يذهب بصورة أساسية إلى مالك العقار.
وهنا يظهر سؤال العدالة في التخطيط. إذا رفعت محطة نقل عمومية قيمة حي كامل، فكيف تستفيد المدينة من جزء من هذه القيمة لتمويل السكن أو الخدمات أو الفضاءات العامة؟
في غياب مثل هذا التفكير، قد يحدث العكس. تستثمر الدولة في تحسين المنطقة، ترتفع الأسعار، ثم يصبح السكان الأقل دخلاً غير قادرين على البقاء فيها.
أي أن المشروع الذي كان من المفترض أن يحسن حياتهم قد يساهم في دفعهم بعيداً.
دبي والدار البيضاء والقاهرة ليست المشكلة نفسها
لا توجد أزمة سكن عربية واحدة. ففي دبي يرتبط السوق بقوة بالاستثمار الدولي والنمو السكاني السريع، بينما تختلف التحديات في القاهرة التي تواجه كتلة سكانية ضخمة وتوسعاً عمرانياً واسعاً. أما مدن المغرب وتونس والأردن فتواجه تركيبات أخرى من الدخل والأسعار والعرض والطلب.
لكن توجد مسألة مشتركة: كيف تحافظ المدينة على السكن بوصفه وظيفة اجتماعية في سوق أصبح أكثر ارتباطاً بالاستثمار والتمويل؟
لهذا لا ينبغي استنساخ الحلول بين المدن. تنظيم الإيجار قد يفيد في سياق ويخلق نقصاً في العرض في سياق آخر. السكن الاجتماعي قد ينجح إذا كان قريباً من العمل والنقل، وقد يتحول إلى عزلة حضرية إذا بُني بعيداً عن كل شيء.
السياسة السكنية الناجحة تبدأ بفهم المدينة نفسها، لا باستيراد وصفة جاهزة.
السكن الميسر ليس إسكان الفقراء فقط
من الأخطاء الشائعة التعامل مع السكن الميسر كما لو أنه سياسة اجتماعية تخص الفئات الأشد فقراً وحدها.
الحقيقة أن المدينة تحتاج إلى المعلم والممرض والشرطي والموظف والحرفي والعامل والطالب. وإذا لم يجد هؤلاء سكناً قريباً من وظائفهم، فإن المدينة كلها تدفع الثمن.
السكن الميسر إذن جزء من الاقتصاد الحضري. فهو يسمح للمؤسسات بالعثور على العمال، ويخفف الضغط على النقل، ويحافظ على التنوع الاجتماعي للأحياء.
مدينة يعيش فيها الأغنياء في المركز ويقطع باقي المجتمع مسافات طويلة للوصول إليهم ليست فقط مدينة غير عادلة؛ إنها أيضاً مدينة أقل كفاءة.
حين تصبح الملكية الطريق الوحيد للأمان
في كثير من المجتمعات العربية، يرتبط امتلاك المنزل بالأمان الاجتماعي. الأسرة تريد شقة تملكها لأنها ترى في الإيجار حالة مؤقتة وغير مستقرة.
هذا مفهوم في ظل أسواق إيجار قد لا توفر دائماً الحماية الكافية للمستأجر أو المالك. لكن تحويل الملكية إلى الطريق الوحيد للاستقرار يضع ضغطاً كبيراً على الأسر، ويدفع بعضها إلى ديون طويلة الأمد من أجل امتلاك منزل.
المدينة تحتاج إلى سوق إيجار مهني ومستقر إلى جانب الملكية. فالشاب الذي يبدأ حياته المهنية لا يحتاج بالضرورة إلى شراء بيت فوراً، لكنه يحتاج إلى عقد واضح وسكن جيد وسعر يمكن توقعه.
كلما كان سوق الإيجار غير مستقر، ازداد الهروب نحو الملكية حتى بالنسبة إلى من لا تسمح موارده بذلك بسهولة.
المدينة ليست محفظة استثمارية
لا يمكن منع الاستثمار في العقار، ولا ينبغي ذلك. لكن لا يمكن أيضاً ترك المدينة تعمل بمنطق السوق وحده، لأن الأرض والسكن يرتبطان بحقوق وفرص لا تتوزع مثل باقي السلع.
حين تصبح الأحياء الأكثر جودة حكراً على من يستطيع الدفع أكثر، تتعمق الفوارق. وحين يُدفع أصحاب الدخل المتوسط والمحدود إلى الأطراف، تصبح المدينة مقسمة ليس بالجدران، بل بالأسعار.
التحدي هو الوصول إلى توازن يسمح للمستثمر بالربح، وللمالك بحماية ملكيته، وللمستأجر بالاستقرار، وللأسرة بالعثور على سكن مناسب.
هذا التوازن صعب، لكنه جوهر السياسة السكنية.
فالمدينة لا تكون ناجحة لأن أسعار عقاراتها ترتفع عاماً بعد عام. وقد يكون ارتفاع السعر، في بعض الأحيان، مؤشراً على أن جزءاً من سكانها أصبح أقل قدرة على العيش فيها.
وفي النهاية، لا قيمة لمدينة تتحول إلى استثمار ممتاز إذا كان الأشخاص الذين يمنحونها الحياة مضطرين إلى مغادرتها.