اليمن تحت وطأة التسول.. الفقر يدفع الأسر إلى الأرصفة ومخاوف من استغلال الأكثر هشاشة

Updated:
Listen to articlesAutomated reading of the article

Listening requires a matching voice in your browser.

في ساعات الصباح الأولى، وقبل أن تبلغ حركة الشوارع ذروتها، تبدأ في عدد من المدن اليمنية ملامح يوم آخر من البحث عن مورد للبقاء. عند التقاطعات والأسواق وأبواب المساجد والمستشفيات، تظهر نساء برفقة أطفال، وصغار يتنقلون بين المركبات، ومسنون يجلسون على الأرصفة، فيما يحاول آخرون بيع المناديل أو بعض السلع البسيطة قبل أن يتحول طلب المساعدة أحياناً إلى وسيلة أخيرة للحصول على الطعام.

لم يعد هذا المشهد قابلاً للقراءة باعتباره مجموعة حالات فردية منفصلة عن الأزمة التي يعيشها اليمن. فالانكماش الاقتصادي وتراجع فرص العمل وضعف الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة وتقلص المساعدات الإنسانية وضعت أعداداً كبيرة من الأسر أمام خيارات قاسية، حتى أصبحت الحدود بين العمل الهش والبيع في الشارع وطلب المساعدة والتسول أقل وضوحاً من السابق.

وتكشف بيانات حديثة حجم البيئة الاقتصادية التي تتسع داخلها الظاهرة. ففي مايو 2026، قدر البنك الدولي أن قرابة ثلاثة أرباع سكان اليمن يعيشون تحت خط الفقر، في وقت استمرت فيه الضغوط على الوظائف والدخل والخدمات الأساسية. ولا تعني هذه الأرقام أن الفقر يقود بالضرورة إلى التسول، لكنها تساعد على تفسير اتساع دائرة الأسر المعرضة للجوء إلى وسائل قاسية للبقاء عندما تفقد الدخل والحماية الاجتماعية.

من أزمة الدخل إلى رصيف المدينة

في صنعاء وتعز وعدن وإب والحديدة ولحج ومأرب وغيرها، أصبح التسول جزءاً أكثر حضوراً في المشهد اليومي بحسب شهادات جمعها معد التقرير. ويقول محمد أحمد، وهو موظف سابق فقد مصدر دخله، إن أعداد طالبي المساعدة في الشوارع والأسواق والتقاطعات أصبحت، وفق ملاحظته، أكبر مما كانت عليه قبل سنوات.

ولا يرى محمد المشهد من زاوية واحدة، إذ يقول إن بين الموجودين في الشوارع من تبدو حاجتهم واضحة، بينما يثير تكرار وجود أشخاص آخرين في المواقع والأوقات نفسها تساؤلات لدى السكان بشأن طبيعة نشاطهم ومن يستفيد من الأموال التي يجمعونها.

هذه الحيرة التي يعبر عنها محمد تكشف جانباً حساساً من الظاهرة. فالتوسع في التسول يمكن أن يضعف الثقة بين المواطن والشخص المحتاج فعلاً، خصوصاً عندما تختلط حالات الفقر الحقيقي بادعاءات أو ممارسات يصعب التحقق منها في غياب بيانات رسمية شاملة.

أم عبدالله.. عندما لا يعود الدخل كافياً للحياة

في أحد أسواق تعز، تقدم أم عبدالله وجهاً آخر للمشكلة. وهي أرملة وأم لخمسة أطفال تقول إنها حاولت إعالة أسرتها من خلال تنظيف المنازل، لكن ما كانت تحصل عليه لم يعد كافياً لتغطية الطعام والدواء، ما دفعها في النهاية إلى طلب المساعدة في الشارع.

تقول أم عبدالله إن الوقوف في السوق لم يكن خياراً تخيلت أن تصل إليه، وإنها تفضل عملاً يوفر لأسرتها دخلاً منتظماً. وفي بعض الأيام، تضيف، تمضي ساعات طويلة خارج المنزل قبل أن تعود بمبلغ محدود.

لا يمكن تعميم تجربتها على جميع المتسولين، لكنها توضح المسافة القصيرة التي قد تفصل أسرة بلا دخل مستقر عن الشارع عندما تغيب البدائل. وهذا ما تؤكده أيضاً الصورة الاقتصادية الأوسع؛ إذ وصف البنك الدولي في 2026 الأسر اليمنية بأنها شديدة الهشاشة أمام الصدمات الجديدة، في ظل ضعف الوظائف والدخل والمساعدات.

الأطفال بين المدرسة والبحث عن دخل

يصبح الجانب الأكثر خطورة في الظاهرة واضحاً عندما يدخل الأطفال إلى الشارع. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بطلب المال، وإنما بعلاقة الفقر بالتعليم والعمل المبكر ومستقبل الطفل.

وفي محافظة إب، يقول عبدالسلام علي إنه كان يعتمد على العمل بالأجر اليومي قبل أن تتراجع فرصه، وإن اثنين من أطفاله تركا المدرسة واتجها إلى بيع المناديل للمساعدة في نفقات الأسرة. ويشير إلى أن أسرته لم تكن ترغب في خروج الطفلين من التعليم، لكنها وجدت نفسها أمام ضغوط معيشية تجاوزت قدرتها على الاحتمال.

وتنسجم هذه الشهادة مع مشكلة أوسع توثقها منظمات دولية. ففي يونيو 2026، عرضت اليونيسف حالة طفل في تعز عاد إلى الدراسة بعدما أمضى أربع سنوات خارج المدرسة يعمل لمساعدة أسرته، وأشارت إلى أن 12.5 في المئة من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة من العمر منخرطون في عمل الأطفال، مع ارتفاع النسبة في المناطق الريفية.

وهكذا لا يعود وجود الطفل في الشارع مسألة مرتبطة بصورة المدينة فقط، بل يصبح مؤشراً على انتقال أزمة الأسرة إلى الجيل التالي، لأن الساعات التي يقضيها الطفل في البحث عن المال قد تكون في الوقت نفسه ساعات يخسرها من التعليم والتكوين.

عدن ولحج.. النساء والأطفال في واجهة الأزمة

في عدن، يقول سائق الأجرة سالم العريقي إن وجود النساء والأطفال عند التقاطعات أصبح أكثر لفتاً للانتباه خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى تكرار ظهور بعض الأشخاص في المواقع نفسها بصورة شبه يومية.

أما في لحج، فترى الناشطة المجتمعية فاطمة الصبيحي أن تزايد ظهور النساء والأطفال في الشوارع ينبغي ألا يعالج باعتباره مشكلة أمنية فقط، لأن جزءاً أساسياً منه يرتبط بأوضاع الأسر والحاجة إلى الحماية والدخل والرعاية الاجتماعية.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية إضافية في ضوء بيانات اليونيسف لعام 2026، التي تشير إلى أن الأزمة الاقتصادية والنزوح والحاجة إلى مساعدة الأسرة أصبحت من العوامل التي تدفع أطفالاً يمنيين إلى ترك التعليم أو العمل في سن مبكرة.

هل يقف أحد خلف بعض المتسولين؟

هنا تبدأ المنطقة التي تحتاج إلى قدر أكبر من الحذر. فعدد من المواطنين الذين تحدث إليهم معد التقرير يربطون بين تكرار الأشخاص في المواقع نفسها وبين احتمال وجود من ينظم نشاط بعض المتسولين، فيما يرى الباحث الاجتماعي سلطان حمادي أن التسول في اليمن أصبح يحمل، من خلال ملاحظاته الميدانية، وجهاً مرتبطاً بالحاجة ووجهاً آخر قد يتصل باستغلال الفئات الهشة.

ويشير حمادي إلى أن انتظام حركة بعض المتسولين وتوزعهم في مواقع محددة يستحق الدراسة والتحقيق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأطفال والنساء وكبار السن.

غير أن هذه المؤشرات والملاحظات لا تكفي وحدها لإثبات وجود شبكات منظمة واسعة النطاق، كما لا تتوافر بيانات رسمية شاملة تسمح بتحديد حجمها أو طريقة عملها. ولذلك فإن الحديث المسؤول عن هذا الجانب ينبغي أن يبقى في نطاق الاشتباه الذي يحتاج إلى تحقيق موثق، لا أن يتحول إلى حكم مسبق على الأشخاص الموجودين في الشوارع.

التسول ليس المشكلة الوحيدة في الشارع

حين يزداد عدد الأسر والأطفال الذين يعتمدون على الشارع للحصول على دخل، تتجاوز المشكلة مسألة التسول بمعناه المباشر. فالشارع يصبح مكاناً للعمل غير المنظم وبيع السلع الصغيرة وطلب المساعدة، بينما تتراجع المدرسة والعمل المستقر والحماية الاجتماعية بوصفها مسارات بديلة.

وتظهر هذه العلاقة بوضوح في بيانات اليونيسف. ففي بداية 2026 كان نحو 3.2 مليون طفل خارج المدرسة وفق تقديرات نشرتها المنظمة، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن الضغوط الاقتصادية تدفع بعض الأسر إلى آليات تكيف تشمل عمل الأطفال والتسرب من التعليم.

وبذلك يصبح التسول أحد الأعراض المرئية لأزمة أكبر لا تظهر كلها على الرصيف. فما يراه المار أمام إشارة المرور قد يبدأ قبل ذلك بفقدان وظيفة أو توقف راتب أو نزوح أسرة أو ارتفاع أسعار الغذاء أو عجز نظام الحماية الاجتماعية عن الوصول إلى المحتاجين.

حين تتحول قضية اجتماعية إلى قضية حضرية

للظاهرة أيضاً بعد يتعلق بالمدينة نفسها. فالتقاطعات والأسواق ومحطات النقل والمستشفيات والمساجد ليست مجرد أماكن يختارها المتسول بصورة عشوائية، بل هي نقاط تتركز فيها حركة الناس وإمكانية الحصول على المال. ومع اتساع الفقر، تتحول بعض هذه الفضاءات العامة إلى ساحات يومية للبحث عن مورد للعيش.

ومن هنا لا يمكن معالجة الظاهرة بإبعاد الأشخاص من الشوارع ثم اعتبار المشكلة منتهية، لأن الأسرة التي لا تملك دخلاً ستبحث غالباً عن مكان آخر للحصول عليه. وفي المقابل، فإن ترك الأطفال والفئات الهشة عرضة للاستغلال في الشارع لا يمثل حلاً إنسانياً أو اجتماعياً.

المعادلة الأكثر تعقيداً هي الانتقال من إدارة وجود الفقراء في الفضاء العام إلى معالجة الأسباب التي دفعتهم إليه، وهو ما يربط السياسة الحضرية بسياسات التشغيل والتعليم والحماية الاجتماعية.

الحماية الاجتماعية قبل الملاحقة

تظهر تجربة اليمن أن الحملات الميدانية وحدها لا تستطيع إنهاء التسول ما دامت البيئة الاقتصادية تعيد إنتاجه. وفي يونيو 2026 أطلق البنك الدولي إطار شراكة جديداً لليمن يضع تحسين سبل العيش وتوسيع فرص العمل ضمن أولوياته، كما أقر مشروعاً يستهدف الأسر الهشة من خلال التغذية والتحويلات النقدية وآليات الادخار والأنشطة المدرة للدخل.

وتشير هذه المقاربة إلى اتجاه مختلف في التعامل مع جذور المشكلة، يقوم على توفير دخل وفرص اقتصادية وحماية اجتماعية بدلاً من انتظار وصول الأسرة إلى الشارع. وفي حالة الأطفال، تصبح إعادة المنقطعين إلى التعليم ومنع التسرب جزءاً أساسياً من أي سياسة جادة، إلى جانب التحقيق في أي حالات يثبت فيها استغلال الأطفال أو النساء أو كبار السن.

بين الحاجة والاستغلال

يكشف انتشار التسول في المدن اليمنية جانباً مرئياً من أزمة اقتصادية واجتماعية أعمق. فخلف الشخص الذي يمد يده عند الإشارة قد تكون أسرة فقدت دخلها، وخلف الطفل الذي يبيع المناديل قد توجد مدرسة تركها مضطراً، بينما تظل الشبهات المتعلقة باستغلال بعض الفئات المحتاجة بحاجة إلى تحقيق وبيانات أكثر صلابة قبل تحويلها إلى استنتاجات عامة.

ولهذا فإن التحدي لا يتمثل في إخلاء الأرصفة من المتسولين بقدر ما يتمثل في تقليل عدد الأسر التي تجد نفسها مضطرة للوصول إليها أصلاً. فحين تتوافر الحماية الاجتماعية والعمل والتعليم وتصل المساعدات إلى مستحقيها، يصبح الشارع أقل قدرة على التحول إلى الملاذ الأخير للفقر، وأقل قابلية لأن يكون مساحة لاستغلاله أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Continue reading

A letter from the city

Stories worth receiving.

Register your interest in our newsletter. Mailings will begin when it launches.