المدينة في فكر ابن خلدون: كيف تصنع العمران وتدمره العصبية؟

-
كريم بنهيمة — فاس
يعد عبد الرحمن بن خلدون واحداً من أبرز المفكرين الذين تناولوا نشأة المدن وتطور المجتمعات قبل ظهور علم الاجتماع الحديث بقرون طويلة. ففي مقدمته الشهيرة، لم يكتف بوصف الأحداث التاريخية، بل حاول فهم القوانين التي تتحكم في صعود الدول وسقوطها، وفي نمو المدن واندثارها. ولهذا ما تزال أفكاره تحظى باهتمام الباحثين والمخططين الحضريين إلى اليوم.
العمران أساس الحضارة
يرى ابن خلدون أن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي لا يستطيع العيش منفرداً. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التعاون والعمل المشترك، وهو ما يؤدي إلى ظهور القرى ثم المدن. فالعمران ليس مجرد تجمع سكاني، بل هو تعبير عن قدرة المجتمع على التنظيم والإنتاج وتوزيع الأدوار بين أفراده.
عندما تتوفر شروط الأمن والاستقرار والعمل، تبدأ المدن في التوسع. تنمو الأسواق، وتزدهر الحرف، وتتطور العلوم والفنون. وهكذا تصبح المدينة مركزاً للإبداع والتبادل الثقافي والاقتصادي.
العصبية محرك بناء الدول
من المفاهيم الأساسية في فكر ابن خلدون مفهوم “العصبية”. والمقصود بها روح التضامن والتماسك التي تجمع أفراد الجماعة. ويرى أن الدول لا تقوم إلا بوجود عصبية قوية تمنحها القدرة على التنظيم والدفاع والتوسع.
في المراحل الأولى من قيام الدولة تكون العصبية قوية، ويكون الحكام قريبين من الناس. يشارك الجميع في تحمل المسؤوليات، وتكون روح التضحية حاضرة داخل المجتمع. وفي هذه المرحلة تنمو المدن بسرعة لأن الدولة تكون قادرة على توفير الأمن والاستقرار.
من البداوة إلى الحضارة
يشير ابن خلدون إلى أن المجتمعات تنتقل تدريجياً من حياة البداوة إلى حياة الحضارة. ومع هذا الانتقال تظهر المدن الكبرى وتزداد مظاهر الرفاهية.
لكن هذا التحول يحمل في داخله بذور أزمة مستقبلية. فكلما ازداد الترف، ضعفت روح التضامن التي كانت سبباً في بناء الدولة. ويصبح الاهتمام بالمصالح الفردية أكبر من الاهتمام بالمصلحة العامة.
عندما يتحول الترف إلى خطر
لم يكن ابن خلدون معارضاً للرخاء الاقتصادي، لكنه حذر من الإفراط في الترف والاستهلاك. فالمجتمعات التي تنغمس في حياة الرفاهية المفرطة تفقد تدريجياً قدرتها على الإنتاج والمبادرة.
في هذه المرحلة تزداد النفقات العامة، وتتوسع البيروقراطية، وترتفع الضرائب. ويبدأ الشعور بالمسافة بين الحاكم والمحكوم. ومع مرور الوقت تتراجع الثقة داخل المجتمع، وتضعف العصبية التي كانت تشكل أساس قوة الدولة.
المدينة بين الازدهار والانهيار
يعتقد ابن خلدون أن المدن تمر بدورة حياة تشبه إلى حد ما دورة حياة الإنسان. فهي تولد وتنمو وتبلغ ذروة قوتها، ثم تدخل مرحلة الشيخوخة والتراجع إذا لم تتمكن من تجديد نفسها.
وتظهر علامات التراجع عندما تتدهور الخدمات العامة، وتضعف المؤسسات، وتتراجع العدالة الاجتماعية، وتزداد الفوارق بين الفئات المختلفة. عندها تصبح المدينة أقل قدرة على جذب السكان والاستثمارات، وتفقد جزءاً من حيويتها الاقتصادية والثقافية.
ماذا يمكن أن نتعلم اليوم؟
رغم مرور أكثر من ستة قرون على وفاة ابن خلدون، فإن كثيراً من أفكاره ما تزال صالحة لفهم التحديات التي تواجه المدن الحديثة. فالاستقرار السياسي، والعدالة الاجتماعية، والتخطيط الحضري السليم، والحفاظ على التماسك المجتمعي، كلها عوامل ضرورية لضمان استدامة التنمية الحضرية.
كما أن التحذير من الإفراط في الاستهلاك وإهمال الإنتاج المحلي يبدو أكثر أهمية في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة. فالمدن الناجحة ليست تلك التي تمتلك الأبراج العالية فقط، بل تلك التي تستطيع بناء مجتمع متماسك ومؤسسات قوية واقتصاد منتج.
قدم ابن خلدون رؤية عميقة للعلاقة بين المجتمع والدولة والمدينة. وقد أدرك مبكراً أن العمران لا يقوم بالحجارة وحدها، بل يقوم بالإنسان وبالروابط التي تجمعه بغيره. ولذلك تبقى أفكاره مرجعاً مهماً لكل من يسعى إلى فهم أسباب ازدهار المدن أو تراجعها.
إن المدن لا تنهار فجأة، كما أنها لا تزدهر بالصدفة. إنها نتاج قرارات وسياسات وقيم اجتماعية تتراكم عبر الزمن. وهذا بالضبط ما حاول ابن خلدون شرحه قبل مئات السنين، وما يزال صالحاً للتأمل والنقاش في حاضرنا العربي.