مدينة تبحث عن الظل.. هل أصبحت الشجرة بنية تحتية في المغرب؟

البيئة وجودة الحياة
Updated:
Listen to articlesAutomated reading of the article

Listening requires a matching voice in your browser.

المغرب – نادية مبارك

حين ترتفع درجات الحرارة في المدينة، لا يبحث المارّ عن منظر جميل بقدر ما يبحث عن بضعة أمتار من الظل. عندها تتغير قيمة الشجرة. فما يبدو في الشتاء عنصراً جمالياً في الشارع، يصبح خلال أيام الحر جزءاً من قدرة المدينة على حماية سكانها وجعل الحياة اليومية أكثر احتمالاً.

هذه الفكرة تفرض نفسها تدريجياً على النقاش الحضري في المغرب. فالمدن تتوسع، والأسطح المبنية والمعبدة تتزايد، بينما أصبحت موجات الحر والضغط على الموارد المائية جزءاً من معادلة التخطيط. لذلك لم يعد السؤال مقتصراً على عدد الأشجار التي تزرعها المدينة، بل أصبح يتعلق بمكانها ونوعها وقدرتها على الاستمرار، وبالأحياء التي تستفيد فعلاً من ظلها.

حين تصنع الخرسانة حرارة المدينة

درجة الحرارة التي يشعر بها الإنسان وسط شارع مزدحم ليست بالضرورة هي نفسها المسجلة خارج الكتلة العمرانية. فالخرسانة والإسفلت والأسطح المبنية تمتص الحرارة خلال النهار ثم تعيد إطلاق جزء منها، بينما تساعد الأشجار والتربة والغطاء النباتي على تحسين الظروف الحرارية المحيطة بها.

هنا تظهر ما يعرف بـ«الجزر الحرارية الحضرية». وهي مناطق داخل المدن ترتفع فيها الحرارة مقارنة بالمناطق المحيطة، نتيجة كثافة البناء وقلة الغطاء النباتي وطبيعة المواد المستخدمة في الشوارع والمباني.

لذلك يمكن لقرار عمراني يبدو بسيطاً، مثل إزالة أشجار لتوسيع شارع أو إنشاء موقف للسيارات، أن تكون له آثار تتجاوز الشكل الجمالي. فالمدينة تحدد بهذه القرارات مقدار الظل الذي سيجده سكانها بعد سنوات.

المدن المغربية تبدأ في قراءة خريطة الحرارة

في مراكش، دخلت أدوات جديدة إلى النقاش حول التخطيط الحضري، من بينها رسم خرائط جزر الحرارة والبرودة واستخدام البيانات المكانية لفهم توزيع المساحات الخضراء.

وتكمن أهمية هذه المقاربة في أنها تتجاوز حملات التشجير التقليدية. فالسؤال لم يعد: كم شجرة سنزرع؟ بل أين يجب أن نزرعها؟ وأي الأحياء أكثر تعرضاً للحرارة؟ وأين يسير الناس وينتظرون وسائل النقل؟ وأين توجد المدارس والساحات والأماكن التي يستخدمها الأطفال وكبار السن؟

وفي الدار البيضاء، أطلقت الجماعة في يوليو 2026 عملية إعداد «مخطط مناخ الدار البيضاء» بدعم من البنك الدولي. ويبدأ المشروع بالتشخيص وجمع البيانات قبل الوصول إلى خارطة طريق للعمل المناخي.

هذا التحول مهم، لأنه يعني أن المناخ لم يعد ملفاً بيئياً منفصلاً عن تدبير المدينة، بل أصبح جزءاً من التفكير في النقل والعمران والفضاء العام وجودة الحياة.

التشجير وحده لا يكفي

غير أن تحويل الشجرة إلى جزء من البنية التحتية لا يعني إطلاق حملات غرس موسمية ثم الاكتفاء بعدّ الشتلات. فالمدينة تحتاج أيضاً إلى اختيار أنواع نباتية تتلاءم مع مناخها، وإلى حساب حاجتها للمياه وكلفة صيانتها وقدرتها على الاستمرار لسنوات.

وتصبح المسألة أكثر حساسية في المغرب بسبب الضغط المائي. فلا يمكن بناء مدينة أكثر خضرة على استهلاك غير محسوب للمياه، كما لا ينبغي أن تصبح ندرة المياه مبرراً لإفراغ الشوارع من الغطاء النباتي.

المعادلة تحتاج إلى تخطيط أكثر دقة: اختيار أنواع مناسبة للمناخ المحلي، تحسين تقنيات الري، حماية التربة، والاستفادة من المياه المعالجة عندما تكون الشروط التقنية والصحية متوفرة. وقبل كل ذلك، ينبغي حماية الأشجار الناضجة الموجودة بالفعل.

الظل ليس موزعاً بالتساوي

قضية التشجير تحمل أيضاً بعداً اجتماعياً لا يظهر دائماً في صور المشاريع الجديدة. فالظل داخل المدينة ليس موزعاً بالتساوي.

يمكن لحي يتمتع بحدائق وشوارع مشجرة أن يوفر لسكانه ظروفاً مختلفة تماماً عن حي كثيف البناء، قليل الأشجار، يضطر سكانه إلى السير تحت الشمس للوصول إلى السوق أو المدرسة أو محطة الحافلات.

وتزداد أهمية هذه الفوارق لأن قدرة السكان على حماية أنفسهم من الحرارة ليست متساوية. من يملك سيارة مكيفة أو منزلاً جيد العزل يستطيع تجنب جزء من التعرض، بينما يعتمد آخرون بدرجة أكبر على الشارع والنقل العمومي والفضاء العام.

من هنا تصبح المساحات الخضراء في المغرب قضية عدالة حضرية أيضاً. فلا يكفي معرفة عدد الحدائق أو مساحة الغطاء النباتي، بل يجب معرفة أين توجد ومن يستطيع الوصول إليها.

الرصيف جزء من السياسة المناخية

عندما نتحدث عن تغير المناخ، تبدو المصطلحات أحياناً بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية. لكن السياسة المناخية تصبح واضحة عندما ننزل بها إلى مستوى الشارع.

رصيف يستطيع المواطن السير فيه تحت الأشجار جزء من التكيف المناخي. محطة حافلات توفر الظل كذلك. وساحة مدرسة تقل فيها الأسطح التي تختزن الحرارة، أو حديقة يستطيع سكان الحي الوصول إليها مشياً، تدخلان في المنطق نفسه.

وهذا يعني أن التكيف مع الحرارة لا يبدأ دائماً بمشروع ضخم. أحياناً يبدأ من تصميم الرصيف واختيار الأشجار ومكان مقاعد الجلوس واتجاه الشارع.

من عدد الأشجار إلى جودة الظل

ربما تحتاج المدن المغربية إلى تغيير السؤال الذي تقيس به نجاح سياسات التشجير. فبدلاً من الإعلان فقط عن عدد الأشجار التي زرعت خلال السنة، يمكن قياس عدد الأشجار التي بقيت حية بعد سنوات، ومساحة الظل التي توفرها، والأحياء التي استفادت منها.

كما ينبغي معرفة عدد الأشجار الناضجة التي تفقدها المدينة كل عام. فالشجرة الكبيرة التي احتاجت سنوات طويلة للنمو لا يعوض أثرها غرس شتلة صغيرة في المكان نفسه.

وهنا يظهر الفرق بين حملة تشجير وسياسة حضرية. الأولى يمكن تنفيذها خلال أيام والتقاط الصور لها، أما الثانية فتحتاج إلى سنوات من المتابعة والصيانة والتقييم.

مدينة المستقبل تحتاج إلى الظل

لن تقاس جودة المدينة المغربية المقبلة بعدد الطرق والعمارات ومواقف السيارات وحدها. ستدخل قدرتها على مواجهة الحرارة ضمن المعايير التي تحدد جودة الحياة فيها.

وهذا يفرض إعادة النظر في موقع الشجرة داخل التخطيط الحضري. فحين توفر الظل للمشاة، وتخفف أثر الحرارة، وتحسن الفضاء العام، فإنها لا تؤدي وظيفة تجميلية فقط.

عندها تصبح الشجرة جزءاً من البنية التحتية للمدينة، مثل الرصيف والإنارة وشبكة النقل.

وربما يكون الاختبار الحقيقي للمدينة الخضراء بسيطاً جداً: هل يستطيع ساكنها أن يخرج من بيته في يوم صيفي، ويمشي جزءاً من طريقه في الظل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Continue reading

A letter from the city

Stories worth receiving.

Register your interest in our newsletter. Mailings will begin when it launches.