من الوعي الجمعي إلى الوعي الخوارزمي: كيف تغيّر المجتمع من دوركهايم إلى عصر الذكاء الاصطناعي؟
Listening requires a matching voice in your browser.

إبراهيم الحشالي
قراءات المدينة
منذ أن حاول إميل دوركهايم فهم الطريقة التي يحافظ بها المجتمع على تماسكه، ظل سؤال واحد يعود باستمرار: ما الذي يجعل الناس يشعرون بأنهم ينتمون إلى عالم مشترك، رغم اختلافهم؟
لم يكن دوركهايم يرى المجتمع مجرد تجمع لأفراد لكل واحد منهم مصالحه ورغباته. كان يعتبر أن هناك منظومة من القيم والمعتقدات والعادات تسبق الفرد، وتؤثر في سلوكه، ثم تستمر بعده. أطلق على هذه المنظومة اسم «الوعي الجمعي».
لا يعني ذلك وجود عقل جماعي غامض، ولا أن الناس يفكرون بالطريقة نفسها. الفكرة أن الإنسان لا يبدأ حياته من الصفر. فهو لا يختار اللغة التي يولد داخلها، ولا يخترع وحده معنى الأسرة أو الاحترام أو النجاح أو الجريمة.
يجد أمامه عالماً اجتماعياً قائماً، ثم يتعلم قواعده ويعيد تفسيرها. وقد يعترض عليها أو يتمرد عليها لاحقاً، لكن المجتمع يكون قد دخل بالفعل إلى جزء من طريقته في التفكير.
المجتمع يسكن داخل الفرد
هذه إحدى الأفكار الأساسية عند دوركهايم: المجتمع لا يوجد فقط في المؤسسات والقوانين، بل يوجد أيضاً داخل الأفراد.
غير أن هذا الوعي الجمعي ليس ثابتاً، لأن المجتمعات نفسها تتغير. ففي المجتمعات التقليدية كان التشابه بين الناس أكبر. وكانت المعتقدات والعادات أكثر تجانساً، كما كانت مساحة الاختلاف أضيق.
لكن التصنيع واتساع المدن وتقسيم العمل غيرت هذه الصورة. أصبح الناس أكثر تخصصاً، وأكثر اختلافاً في وظائفهم وأنماط حياتهم. وفي الوقت نفسه، أصبح اعتماد بعضهم على بعض أكبر.
العامل يحتاج إلى المهندس، والمهندس يحتاج إلى المؤسسة، والمؤسسة تحتاج إلى القانون. والجميع يعتمدون على التعليم والصحة والنقل والأسواق.
هنا ظهر ما سماه دوركهايم «التضامن العضوي». لم يعد المجتمع متماسكاً لأن أفراده متشابهون، بل لأن اختلافهم جعلهم أكثر ترابطاً.
حين تفقد القواعد وضوحها
لكن الحداثة حملت معها مشكلة أخرى. فعندما تضعف القواعد القديمة ولا تظهر قواعد جديدة بالوضوح نفسه، قد يشعر الإنسان بمزيد من الحرية. لكنه قد يشعر أيضاً بأنه فقد البوصلة.
هذا ما عبّر عنه دوركهايم بمفهوم «الأنومي». والمقصود به حالة تضعف فيها قدرة المجتمع على تحديد المعايير التي توجه الأفراد.
يصبح معنى النجاح أقل وضوحاً، كما تصبح الحدود بين المقبول والمرفوض أكثر اضطراباً. وقد تتوسع الاختيارات أمام الفرد من دون أن يصبح الطريق أكثر وضوحاً.
لهذا يبدو دوركهايم قريباً من عالمنا الحالي. فالإنسان المعاصر يستطيع تغيير عمله ومكان إقامته وشبكاته الاجتماعية بسهولة أكبر. كما يستطيع إعادة بناء صورته أمام الآخرين باستمرار.
لكن كثرة الاختيارات لا تعني دائماً اتساع الحرية. أحياناً تتحول إلى ضغط جديد، لأن الفرد يصبح مطالباً بإعادة تعريف نفسه بشكل متواصل.
من المدينة الصناعية إلى المدينة الرقمية
تظهر هذه المفارقة بوضوح داخل المدينة. فالمدينة الحديثة تجمع أعداداً ضخمة من الناس، لكنها لا تضمن أنهم يعيشون التجربة نفسها.
قد يسكن شخصان في العمارة ذاتها، ويستخدمان الشارع نفسه، لكن كل واحد منهما يعيش داخل عالم إعلامي وثقافي مختلف.
من هنا يمكن الانتقال من دوركهايم إلى يورغن هابرماس. فإذا كان دوركهايم يسأل عن شروط تماسك المجتمع، اهتم هابرماس بالطريقة التي يتكون بها الرأي العام.
ومن هنا جاء مفهوم «الفضاء العمومي». إنه المجال الذي يلتقي فيه المواطنون، ويتبادلون الآراء، ويناقشون القضايا المشتركة.
كانت الصحافة والمقاهي والجامعات والنقابات والمنتديات أجزاء من هذا الفضاء في مراحل مختلفة. فالمجتمع لا يحتاج إلى القانون وحده، بل يحتاج أيضاً إلى مساحة يسمع الناس فيها بعضهم بعضاً.
المنصة ليست ساحة محايدة
انتقل جزء كبير من هذا الفضاء اليوم إلى المنصات الرقمية. وفي البداية، بدا الأمر كأنه توسيع غير مسبوق للمجال العمومي.
كل شخص يستطيع أن يكتب ويعلق ويرد. ولم يعد الكلام العام حكراً على الصحف والمؤسسات التقليدية.
لكن المنصة ليست ساحة محايدة. إنها بيئة مملوكة ومصممة وفق قواعد محددة، وتديرها خوارزميات تقرر ما يظهر وما يتراجع.
وهنا حدث تحول مهم. ففي الماضي، كانت الأسرة والمدرسة والدين والصحافة والدولة من أبرز الجهات التي تشارك في تشكيل الوعي العام. أما اليوم، فقد دخلت الخوارزمية إلى هذه العملية.
الخوارزمية لا تقول للإنسان بالضرورة ماذا يفكر. لكنها تؤثر في ما يصل إليه من معلومات وصور وآراء.
وعندما يتكرر أمام المستخدم نوع واحد من المحتوى، قد يبدأ في اعتباره صورة كاملة للواقع. بينما ما يراه ليس سوى جزء من الواقع، اختارته المنصة ورتبته وفق منطقها الخاص.
من الوعي الجمعي إلى «الوعي الخوارزمي»
يمكن هنا استخدام عبارة «الوعي الخوارزمي» بحذر. ليس لأن الخوارزمية أصبحت واعية، بل لأنها أصبحت وسيطاً أساسياً في تشكيل ما يراه المجتمع وما يناقشه.
المشكلة أن هذه الوساطة غالباً ما تكون غير مرئية. فالسلطة التقليدية يمكن التعرف عليها بسهولة نسبية. نعرف من يصدر القانون، ومن يملك الصحيفة، ومن يتحدث باسم المؤسسة.
أما السلطة الخوارزمية فلا تحتاج إلى إصدار أمر مباشر. إنها ترتب العالم أمام المستخدم، ثم تترك له شعوراً بأنه اختار كل شيء بنفسه.
وهنا تصبح الحرية أكثر تعقيداً. فإذا كانت أمام الإنسان اختيارات كثيرة، فهل يكفي ذلك لكي يكون حراً؟ أم أن الحرية تتطلب أيضاً معرفة من رتب هذه الاختيارات، وعلى أي أساس؟
هذا السؤال لم يعد فلسفياً فقط. فقد أصبح المجال العمومي يمر عبر منصات خاصة، ولكل منصة مصالح اقتصادية ونموذج تجاري.
اتصال أكبر وعالم مشترك أصغر
نعيش اليوم مفارقة واضحة. لم يعرف البشر في تاريخهم هذا القدر من الاتصال، لكن الاتصال لا ينتج بالضرورة عالماً مشتركاً.
لكل مستخدم خلاصته الخاصة، ولكل جماعة محتواها، ولكل فرد سلسلة مختلفة من الأخبار والصور والتعليقات.
وهكذا قد لا نختلف فقط حول تفسير الواقع. قد نختلف أيضاً حول الواقع نفسه.
وهذه نقطة حساسة في حياة المجتمعات. فالمجتمع يستطيع تحمل خلافات سياسية وفكرية واسعة، لكنه يصبح أكثر هشاشة عندما يختفي الحد الأدنى من الوقائع المشتركة.
حتى المدينة تغير معناها في هذا السياق. كانت تاريخياً فضاء للاختلاط والاحتكاك بين الناس. أما اليوم، فقد أصبح كل شخص يحمل مدينة إضافية داخل هاتفه.
تتكون هذه المدينة من الأخبار والصور والآراء التي تصل إليه. وقد تصبح أحياناً أكثر تأثيراً في وعيه من المدينة الفعلية التي يعيش فيها.
الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة
جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف مرحلة أخرى إلى هذا التحول. في السابق، كانت الخوارزميات ترتب المحتوى الذي ينتجه البشر. أما اليوم، فأصبحت الأنظمة التوليدية تنتج النص والصورة والصوت والفيديو أيضاً.
وهكذا لم نعد أمام تقنيات تختار ما نراه فقط. أصبحنا أمام تقنيات تشارك في إنتاج ما نراه.
وهذا يضع المجتمع أمام مشكلة جديدة تتعلق بالثقة. فكلما أصبح إنتاج المحتوى أسرع وأسهل، أصبح التحقق منه أكثر صعوبة.
كما تعود أسئلة الملكية والسلطة إلى الواجهة. فمن يملك هذه الأنظمة؟ ومن يضع قواعدها؟ ومن يملك البيانات والبنية التقنية التي تعتمد عليها؟
هذه الأسئلة مهمة لأن الذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ. وراءه شركات ومؤسسات تملك الموارد والبنية التحتية، وتحدد جانباً مهماً من شروط استخدامه.
لماذا نعود إلى دوركهايم اليوم؟
العودة إلى دوركهايم ليست تمريناً أكاديمياً. فقد كان يسأل في النهاية عن الشروط الأخلاقية التي تجعل المجتمع ممكناً.
كان يرى أن القانون لا يكفي وحده، كما أن الاقتصاد والمصالح الفردية لا يكفيان لبناء مجتمع متماسك. فكل مجتمع يحتاج إلى حد أدنى من القيم والثقة والمعاني المشتركة.
وهذا تحديداً ما أصبح تحت الاختبار في عصر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
هنا تتغير أيضاً مسؤولية الصحافة. فهي لم تعد مطالبة بنقل الخبر فقط، بل بالمساهمة في حماية أرضية مشتركة للوقائع. كما تحتاج المدرسة إلى تعليم كيفية قراءة المحتوى الرقمي، لا القراءة التقليدية وحدها.
أما الجامعة، فأصبحت مطالبة بمنح الأفراد أدوات تساعدهم على فهم ما يرونه، قبل أن يصدقوه أو يعيدوا نشره.
المدينة أصبحت فضاءً معلوماتياً أيضاً
لم تعد المدينة مجرد شوارع وبنايات ومؤسسات. أصبحت أيضاً بنية معلوماتية تتحرك داخلها الأخبار والصور والتأثيرات.
وفهم المدينة الحديثة يقتضي معرفة من يرى ماذا، ومن يؤثر في من، وكيف تتحدد أولويات النقاش العام. كما يقتضي معرفة من يملك المنصات التي تمر عبرها هذه الأصوات.
هكذا يمتد الخيط من دوركهايم إلى هابرماس ثم إلى عصر الذكاء الاصطناعي. بدأ السؤال بكيفية تماسك المجتمع، وانتقل إلى كيفية تشكل الرأي العام، ثم وصل إلى تحدٍّ جديد يتعلق بالحفاظ على فضاء مشترك في عالم يرى فيه كل فرد نسخة مختلفة من الواقع.
فالخطر ليس في الاختلاف نفسه. المجتمعات الحية تختلف دائماً، وقد يكون الاختلاف دليلاً على حيويتها. المشكلة تبدأ عندما تختفي الأرضية المشتركة التي تجعل هذا الاختلاف ممكناً ومفهوماً.
عندها لا يعود السؤال متعلقاً بمن يملك الرأي الصحيح فقط، بل بقدرة المجتمع على الاستمرار عندما لا يعود أفراده متفقين حتى على الواقع الذي يختلفون حوله.