السياسات العمومية

الجرافات تغيّر وجه المدن.. ماذا يقع خلف ظاهرة الهدم في المغرب؟

خلال السنوات الأخيرة، تحولت مشاهد الجرافات وعمليات الهدم إلى واحدة من أكثر الصور حضورا في عدد من المدن المغربية. من أحياء شعبية قديمة إلى بنايات ومحلات تجارية وحتى منازل قائمة منذ عقود، أصبح موضوع الهدم يثير نقاشا واسعا داخل المجتمع المغربي، خصوصا مع تزايد الحديث عن إعادة الهيكلة الحضرية، محاربة البناء غير القانوني، وتوسيع الطرق والمشاريع الكبرى المرتبطة بتحديث المدن والاستعدادات لمشاريع مستقبلية كبرى.

لكن خلف هذه العمليات توجد أسئلة عميقة تتجاوز الجانب العمراني البسيط. فالكثير من المواطنين لا يرون في الهدم مجرد “تنظيم حضري”، بل يعتبرونه تحولا كبيرا يمس علاقتهم بالمكان والذاكرة والاستقرار الاجتماعي.

في الخطاب الرسمي، يتم تقديم عمليات الهدم باعتبارها جزءا من تحديث المدن، ومحاربة التوسع العشوائي، وفتح المجال أمام مشاريع بنية تحتية جديدة، خصوصا في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة. كما يتم الحديث عن ضرورة تحرير الملك العمومي، وتوسيع المحاور الطرقية، وإزالة البنايات الآيلة للسقوط أو المخالفة للقانون.

غير أن الواقع على الأرض يبدو أكثر تعقيدا. فالكثير من الأسر تجد نفسها فجأة أمام قرارات إفراغ أو هدم، أحيانا دون وضوح كاف حول التعويض أو البديل السكني أو مستقبل المنطقة. وهذا ما يخلق حالة من التوتر والخوف داخل عدد من الأحياء، خصوصا حين يتعلق الأمر بمناطق عاش فيها السكان لعشرات السنين وشكلت جزءا من هويتهم الاجتماعية.

في المدن القديمة مثلا، لا يتعلق الأمر فقط بجدران أو بنايات، بل بذاكرة جماعية كاملة. فكل حي يحمل تاريخا وعلاقات إنسانية وشبكات اجتماعية يصعب تعويضها بسهولة. وعندما يتم تفكيك هذه الأحياء بشكل سريع، يشعر جزء من السكان بأنهم يفقدون أكثر من مجرد منزل.

كما أن بعض المتابعين يربطون تسارع عمليات الهدم بالرغبة في إعادة تشكيل المدن المغربية وفق نموذج اقتصادي وسياحي جديد، يقوم على الواجهات الحديثة والاستثمارات العقارية الكبرى. فالموقع الجغرافي لبعض الأحياء القديمة يجعلها ذات قيمة عقارية مرتفعة، خصوصا في المدن الساحلية والمراكز الاقتصادية.

ومع اقتراب مشاريع كبرى واستعدادات مرتبطة بالبنية التحتية والتظاهرات الدولية، عاد النقاش بقوة حول ما إذا كانت المدن المغربية تدخل مرحلة “إعادة رسم حضري” واسعة قد تغير شكلها بشكل جذري خلال السنوات المقبلة. وقد انتشرت خلال الأشهر الأخيرة نقاشات واسعة على وسائل التواصل حول خرائط الهدم وإعادة الهيكلة في عدد من المدن.

لكن التأثير الحقيقي لهذه الظاهرة يظهر أساسا على الساكنة. فالهدم لا يعني فقط الانتقال من حي إلى آخر، بل يخلق أحيانا أزمات نفسية واجتماعية واقتصادية معقدة. بعض الأسر تضطر إلى الابتعاد عن مناطق عملها ومدارس أبنائها، فيما يجد أصحاب المحلات الصغيرة أنفسهم أمام خسائر مادية كبيرة بعد سنوات من الاستقرار.

كما أن الخوف من فقدان السكن أو التعرض للإفراغ المفاجئ يولد شعورا بعدم الأمان داخل فئات واسعة، خصوصا في الأحياء التي تعيش حالة ترقب مستمرة. وهذا ما يجعل النقاش حول الهدم في المغرب ليس نقاشا عمرانيا فقط، بل قضية اجتماعية وإنسانية أيضا.

وفي المقابل، يرى آخرون أن عددا من المدن المغربية كانت تحتاج فعلا إلى تدخلات قوية بسبب الفوضى العمرانية والبناء العشوائي وضعف البنية التحتية، معتبرين أن تحديث المدن لا يمكن أن يتم دون قرارات صعبة أحيانا. غير أن التحدي الحقيقي يبقى في كيفية تحقيق هذا التحديث دون خلق شعور بالإقصاء أو الظلم لدى السكان.

فالمدينة ليست مجرد طرق وإسمنت ومشاريع عقارية، بل فضاء للعيش والذاكرة والانتماء. وأي سياسة عمرانية لا تضع الإنسان في قلبها قد تنجح في تغيير شكل المدينة، لكنها قد تفشل في الحفاظ على روحها.

وفي النهاية، يبدو أن المغرب يعيش اليوم مرحلة تحول حضري عميق، عنوانه إعادة تشكيل المجال العمراني، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحا هو: هل ستنجح هذه التحولات في خلق مدن أكثر عدلا وإنسانية، أم أنها ستعمق فقط الفجوة بين “المدينة الحديثة” و”المدينة التي يفقدها سكانها تدريجيا”؟

زر الذهاب إلى الأعلى