استمع إلى المقال8 دقائق تقريباً

في المدن التي ترتفع فيها أسعار العقارات، يبدو الحل للوهلة الأولى بسيطاً: بناء المزيد من الشقق حتى يزداد العرض ويخف الضغط على الأسعار. غير أن التجارب الحضرية خلال العقود الأخيرة أظهرت أن البناء، على أهميته، لا يحل الأزمة دائماً. فالمشكلة لا تبدأ عند باب الشقة ولا تنتهي عند عدد الوحدات الجديدة، وإنما تمتد إلى سعر الأرض وموقع السكن وشروط تمويله وطبيعة ملكيته وصلته بالنقل والخدمات. وقد تبني مدينة آلاف الوحدات الجديدة، ثم تكتشف بعد سنوات أن قطاعات واسعة من سكانها ما تزال عاجزة عن تحمل كلفة العيش فيها.

من هنا تستحق فيينا الاهتمام، ليس لأنها وجدت وصفة سحرية للسكن، ولا لأنها مدينة خالية من ارتفاع الأسعار والضغوط العقارية. ما يميزها أنها اتخذت منذ وقت مبكر مساراً مختلفاً عن المدن التي انسحبت تدريجياً من سوق السكن. فالبلدية لم تكتف بتنظيم البناء أو تقديم إعانات مؤقتة للأسر، بل حافظت على حضور مباشر في إنتاج المساكن وإدارتها، وربطت ذلك بسياسات الأرض والتمويل والإيجار. ومع مرور الوقت أصبح السكن الميسر جزءاً من البنية الدائمة للمدينة، وليس مجرد استجابة استثنائية لأزمة عابرة.

قرن من التراكم غيّر قواعد السوق

ترجع الجذور الأكثر شهرة لهذه السياسة إلى عشرينيات القرن الماضي، خلال المرحلة التي عُرفت بـ«فيينا الحمراء»، حين واجهت المدينة أزمة سكنية حادة وسط ظروف اجتماعية صعبة. يومها لم يكن الرهان بناء أكبر عدد ممكن من الوحدات بأقل تكلفة فقط، بل إنشاء مساكن تسمح للطبقات العاملة بالعيش داخل بيئة حضرية تتوافر فيها ساحات ومرافق وخدمات مشتركة.

تحول مجمع «كارل ماركس هوف» لاحقاً إلى الرمز الأشهر لذلك المشروع، غير أن التركيز على عمارته وحدها قد يحجب ما كان أكثر أهمية منها. فالمساكن التي بنتها المدينة لم تُعامل كمخزون مؤقت يمكن التخلص منه بعد انتهاء الأزمة، وإنما ظلت جزءاً من أصولها السكنية.

تراكمت هذه السياسة خلال العقود اللاحقة، وتغيرت أدواتها والجهات المشاركة فيها، لكن المبدأ لم يختف. واليوم تدير بلدية فيينا نحو 220 ألف شقة بلدية، إلى جانب قطاع واسع من المساكن المدعومة التي تديرها جهات إسكانية ذات ربح محدود. وبهذا الحجم لم يعد السكن الميسر هامشاً اجتماعياً مخصصاً لعدد محدود من الأسر، بل أصبح قوة مؤثرة داخل السوق تستطيع أن تخفف، ولو جزئياً، من تعرض السكان لتقلبات الأسعار التجارية.

وهنا يظهر الفرق بين فيينا ومدن تبني بضعة آلاف من الوحدات الاجتماعية ثم تترك بقية السوق تتحرك وفق أعلى سعر ممكن. عندما يكون المخزون العام أو المدعوم صغيراً، يستطيع أن يحل مشكلة بعض الأسر، لكنه نادراً ما يغير علاقة المدينة بالسكن. أما عندما يتراكم عبر أجيال ويظل داخل المنظومة الميسرة، فإن كل مشروع جديد يضاف إلى ما سبقه، بدلاً من أن تبدأ السياسة السكنية في كل مرة من الصفر.

قبل الشقة تأتي الأرض

وراء هذه الاستمرارية توجد مسألة أقل جاذبية بصرياً من العمارة، لكنها ربما أكثر حسماً: الأرض. فالمدينة التي تسمح بارتفاع قيمتها سنوات طويلة ثم تقرر التدخل، بعدما أصبحت المواقع الجيدة باهظة الثمن، تجد نفسها أمام معادلة صعبة. جزء كبير من ميزانية السكن قد يذهب إلى شراء العقار قبل أن تبدأ أعمال البناء، وعندها يصبح دفع المشروعات الميسرة نحو الأطراف خياراً أسهل لأن الأرض هناك أرخص.

لم تتخلص فيينا من المضاربة ولا من ارتفاع قيمة العقار، لكنها احتفظت بأدوات تسمح للقطاع العام والجهات المرتبطة بسياساته السكنية بالتدخل في الأرض وتجهيزها. كما يمكن توجيه جزء منها نحو مشروعات تخضع لشروط تتجاوز حساب الربح المباشر. لذلك فإن فهم التجربة من خلال واجهات العمارات وحدها يضيّع نصف القصة، لأن المبنى الذي نراه اليوم بدأ، في حالات كثيرة، بقرار سابق حول الأرض واستعمالها وشروط تطويرها.

وتجعل هذه المسألة المقارنة مع المدن العربية أكثر أهمية. ففي مدن يتوسع عمرانها بسرعة، قد تسبق المضاربة التخطيط والخدمات، وتتحول الملكية العقارية نفسها إلى مصدر للثروة. وفي المقابل، يصبح إنتاج السكن الميسر أكثر صعوبة كلما اقترب المشروع من المراكز الحضرية ومحاور النقل. وحين تضطر الأسر الأقل دخلاً إلى البحث عن السكن بعيداً، قد يبدو سعر الشقة أقل، لكن جزءاً من الفرق يعود في صورة وقت أطول في الطريق وكلفة أكبر للتنقل وضعف في الوصول إلى الخدمات.

السكن لا ينتهي عند عتبة المنزل

يصعب لهذا السبب فصل تجربة فيينا السكنية عن بقية المدينة. فالشقة التي تستطيع الأسرة تحمل إيجارها لا تكون ميسرة فعلاً إذا كان الوصول منها إلى العمل أو المدرسة أو المستشفى يتطلب رحلة يومية مرهقة ومكلفة. وتكتسب شبكة النقل العمومي في العاصمة النمساوية أهميتها السكنية من هذه الزاوية، لأنها تسمح لأحياء خارج المركز بالبقاء مرتبطة ببقية المدينة. وفي الاتجاه المقابل، تسمح الكثافة السكنية حول خطوط النقل بزيادة عدد المستخدمين وتعزيز جدوى الشبكة.

ويظهر هذا الترابط في مناطق التطوير الجديدة مثل Seestadt Aspern، حيث لا يُنظر إلى السكن باعتباره صفوفاً من المباني تسبق المدينة ثم تنتظر وصولها. الفكرة هي بناء حي يحتاج منذ البداية إلى النقل والفضاءات العامة والخدمات والأنشطة اليومية. ولا يعني ذلك أن كل مبنى في المنطقة سكن اجتماعي أو أن التجربة خالية من الانتقادات، لكنه يكشف اختلافاً مهماً في نقطة الانطلاق: المشروع الحضري لا يبدأ بعدد الشقق وحده، وإنما بالحياة التي ستتشكل بينها.

عندما تصبح الجودة جزءاً من السياسة الاجتماعية

حتى الجودة المعمارية تدخل هنا في صلب النقاش. فخفض تكلفة البناء عبر التضحية بالعزل أو الفضاءات المشتركة أو الموقع لا يلغي التكلفة، وإنما ينقلها إلى السكان. وقد تظهر لاحقاً في استهلاك أكبر للطاقة، أو تنقل أطول، أو بيئة يومية أقل جودة.

لهذا طورت فيينا آليات تجعل السعر واحداً من عناصر تقييم بعض مشروعات الإسكان المدعوم، إلى جانب الجودة المعمارية والاستدامة والأثر الاجتماعي. وتغير هذه المقاربة طبيعة السؤال المطروح على السياسة السكنية. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن عدد الشقق التي تم بناؤها، يصبح من الضروري النظر إلى نوع الحي الذي أنتجته هذه الشقق، وإلى علاقته ببقية المدينة.

حين لا يصبح السكن الاجتماعي عنواناً للفقر

هناك جانب آخر يفسر قدرة النموذج الفييني على الابتعاد نسبياً عن الصورة السلبية التي ارتبطت بالإسكان الاجتماعي في بعض التجارب الدولية. فالوصول إلى أجزاء من قطاع السكن المدعوم لا يقتصر على أفقر السكان وحدهم، بل يشمل شرائح أوسع. ويسمح ذلك بقدر أكبر من الاختلاط الاجتماعي، كما يقلل احتمالات تحول المجمعات السكنية إلى جيوب معزولة يُختزل سكانها في وضعهم الاقتصادي.

غير أن هذه السياسة لا يمكن فصلها عن حجم المخزون المتاح. فإذا كانت المدينة لا تملك إلا عدداً محدوداً من الوحدات، فإن توسيع دائرة المستفيدين قد يؤدي ببساطة إلى منافسة أشد بين الأسر على مورد نادر. أما في فيينا، فقد أتاحت عقود من البناء والاحتفاظ بالمساكن داخل القطاع المدعوم التفكير في السكن باعتباره جزءاً من السياسة الاجتماعية للمدينة، وليس مجرد شبكة إنقاذ لمن بلغوا أقصى درجات الهشاشة.

وهنا تظهر إحدى مفارقات السياسات السكنية. فعندما يصبح السكن العام مرادفاً حصرياً للفقر، قد تتحول السياسة التي يفترض أن تقلل التفاوت إلى أداة لتركيزه جغرافياً. تتجمع الأسر الأضعف في مناطق محددة، ثم تلحق بالمكان صورة اجتماعية سلبية قد تؤثر في الاستثمار والخدمات والمدارس. أما توزيع السكن الميسر داخل نسيج أكثر تنوعاً، فيجعل رسم حدود ثابتة بين «مدينة الفقراء» و«مدينة الآخرين» أكثر صعوبة.

فيينا ليست مدينة خرجت من السوق

سيكون من الخطأ، مع ذلك، تحويل التجربة إلى قصة نجاح مكتملة. فالعاصمة النمساوية تواجه بدورها زيادة في الطلب وضغوطاً مرتبطة بالنمو السكاني وارتفاع تكاليف البناء وأسعار العقار. كما أن موقع الفرد داخل النظام السكني ليس متساوياً دائماً؛ فالمستأجر القديم الذي يتمتع بعقد مستقر لا يواجه الظروف نفسها التي يعيشها القادم الجديد الباحث عن مسكن في سوق أكثر تكلفة.

هذه التوترات ضرورية لفهم النموذج بعيداً عن الدعاية الحضرية. فيينا لم تُلغ السوق العقارية ولم توقف ارتفاع الأسعار، لكنها أبقت مساحة واسعة من السكن خارج أكثر أشكال السوق تقلباً. ونتيجة لذلك، لا تنتقل كل زيادة في قيمة الأرض والعقار بالطريقة نفسها إلى جميع السكان.

ومن هنا أيضاً لا معنى لمحاولة نسخ فيينا حرفياً في الرباط أو الدار البيضاء أو القاهرة أو تونس أو عمّان. فالتجربة نتاج أكثر من قرن من تراكم الأراضي والمساكن والمؤسسات والتمويل والقوانين، ولا يمكن استيراد هذا التاريخ بقرار إداري أو مشروع نموذجي. كما تختلف أوضاع الملكية والإيجار والمالية المحلية وقدرة البلديات بين مدينة عربية وأخرى، ناهيك عن اختلافها عن السياق النمساوي.

ما يمكن أن تقوله فيينا للمدينة العربية

تصبح المقارنة مفيدة عندما نتوقف عن البحث عن الشكل الذي يمكن نسخه، وننظر بدلاً من ذلك إلى المنطق الذي أنتجه. فتجربة فيينا تقول إن المدينة تستطيع التفكير في الأرض قبل أن تصبح بعيدة المنال، وإن السكن الميسر يمكن أن يخدم أكثر من جيل إذا لم يخرج سريعاً إلى السوق. كما تؤكد أن موقع المشروع لا يقل أهمية عن سعر الوحدة، وأن النقل ليس ملفاً منفصلاً عن الإسكان، لأن المسافة بين المنزل والعمل تدخل هي الأخرى في الكلفة الحقيقية للسكن.

ولا يعني حضور القطاع العام في هذا التصور أن البلدية مطالبة ببناء كل شيء بنفسها. تستطيع المدينة استخدام الأرض والتمويل والتنظيم والشراكات لتوجيه الاستثمار نحو أهداف لا يحققها السوق وحده. وهذه النقطة بالذات تفتح مجالاً أوسع للنقاش في المدن العربية، حيث قد تكون الأدوات مختلفة تماماً عن فيينا، لكن العلاقة بين الأرض والسكن والنقل والعدالة المكانية تبقى قائمة.

فالمشكلة في عدد من هذه المدن ليست نقص الشقق وحده، وإنما نموذج عمراني يسمح أحياناً ببناء أحياء كاملة بينما يدفع تدريجياً من لا يستطيعون مجاراة سعر الأرض إلى مسافات أبعد. وعندما يحدث ذلك لا تختفي كلفة السكن، بل تتوزع بين الإيجار والنقل والوقت والوصول إلى العمل والمدرسة والخدمات. عندها تصبح الخريطة الاجتماعية للمدينة، بدرجة متزايدة، انعكاساً لخريطة أسعارها.

لهذا تظل فيينا مثيرة للاهتمام بعد قرن من بداية تجربتها. ليس لأن عماراتها تقدم نموذجاً معمارياً ينبغي تقليده، وإنما لأن المدينة احتفظت بشيء تفقده مدن كثيرة مع توسعها: قدرة السياسة العامة على التأثير في المكان الذي يستطيع الناس العيش فيه. وفي زمن تتحول فيه الأرض الحضرية إلى أصل استثماري متزايد القيمة، يصبح السؤال الذي تطرحه التجربة أكثر أهمية من شكل مبانيها: هل يظل السكن وظيفة أساسية للمدينة، أم يصبح البقاء داخلها امتيازاً لمن يستطيع دفع السعر الأعلى؟