استمع إلى المقال5 دقائق تقريباً

مع بداية موسم الأمطار، تتغير حركة المدينة المغربية. فالشوارع التي تستوعب يومياً السيارات والمارة قد تتحول، خلال تساقطات قوية، إلى نقاط تتجمع فيها المياه وتتعطل فيها حركة السير. وقد تمتد المشكلة إلى مداخل الأحياء والممرات السفلية ومحيط المؤسسات التعليمية والأسواق، حيث يصبح التنقل أكثر صعوبة، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.

غير أن تجمع المياه لا يعني بالضرورة وجود خلل واحد يمكن تعميمه على جميع المدن. فقد يكون السبب غزارة الأمطار خلال فترة قصيرة، أو محدودية قدرة شبكة التصريف، أو انسداد البالوعات، أو طبيعة التضاريس. وفي بعض الحالات، تتداخل هذه العوامل مع التوسع العمراني الذي غيّر مسارات الجريان الطبيعي للمياه.

وتكمن أهمية الموضوع في الانتقال من وصف المشاهد التي تخلفها الأمطار إلى فهم كيفية اشتغال المدينة. فالماء الذي يتجمع فوق الطريق ليس مجرد مشكلة عابرة في حركة المرور، بل قد يكون مؤشراً يستدعي فحص العلاقة بين التخطيط العمراني والبنية التحتية والصيانة.

عندما تتجاوز الأمطار قدرة شبكات التصريف

تُصمَّم شبكات تصريف مياه الأمطار وفق معايير هندسية تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المجال وكميات التساقطات المتوقعة. لكن قدرتها ليست غير محدودة. فعندما تتساقط كميات كبيرة من المطر خلال مدة قصيرة، قد يفوق تدفق المياه الطاقة الاستيعابية للأنابيب والقنوات والبالوعات.

ويزداد هذا التحدي عندما تكون الشبكة قديمة، أو عندما تكون الأحياء قد شهدت توسعاً عمرانياً لم تواكبه زيادة مناسبة في تجهيزات التصريف. وقد تتفاقم المشكلة إذا تزامنت الأمطار الغزيرة مع انسداد بعض منافذ المياه.

ولهذا ينبغي التمييز بين تجمع مائي مؤقت بعد تساقطات استثنائية وبين نقطة تتكرر فيها المشكلة خلال أمطار عادية. فالحالة الأولى تستدعي تقييم القدرة الاستيعابية للشبكة، بينما قد تشير الثانية إلى خلل موضعي في الانحدار أو التصريف أو الصيانة.

التوسع العمراني يغير الطريق الذي تسلكه المياه

لا يتوقف أثر البناء على زيادة عدد السكان والمساكن، بل يمتد إلى الطريقة التي تتحرك بها مياه الأمطار فوق سطح الأرض. فالأراضي المفتوحة تسمح بتسرب جزء من المياه إلى التربة، بينما تقل هذه القدرة عندما تُغطى المساحات بالإسفلت والإسمنت والبنايات.

ومع اتساع الأسطح غير المنفذة للماء، ترتفع كمية الجريان السطحي التي ينبغي على الشبكات استيعابها. وإذا لم تُحدَّث البنية التحتية بما يتناسب مع التحولات العمرانية، فقد تظهر نقاط تجمع جديدة في مناطق لم تكن تعرف المشكلة سابقاً.

ويطرح ذلك سؤالاً أساسياً في التخطيط الحضري: هل تُدرس آثار المشاريع السكنية والطرق الجديدة على حركة مياه الأمطار قبل إنجازها؟ فالتوسع العمراني لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المباني أو طول الطرق، بل بمدى قدرة التجهيزات العمومية على استيعاب التحولات التي يحدثها.

الصيانة الدورية جزء من الوقاية

قد تكون شبكة التصريف قادرة من الناحية الهندسية على استيعاب الأمطار المعتادة، لكنها تفقد جزءاً من فعاليتها بسبب تراكم الأتربة والأوراق والنفايات داخل البالوعات والقنوات.

وتبرز هنا أهمية الصيانة الوقائية قبل موسم الأمطار، بدلاً من الاقتصار على التدخل بعد ظهور التجمعات المائية. وتشمل هذه الصيانة فحص البالوعات وتنظيفها، ومراقبة القنوات، وتحديد المواقع التي شهدت انسدادات متكررة.

لكن تقييم أداء الصيانة يحتاج إلى معطيات فعلية. فلا يكفي انتشار صورة لشارع غمرته المياه للجزم بأن الجماعة لم تنظف شبكتها. ويقتضي التحقيق المهني الرجوع إلى برامج الصيانة ومحاضر التدخل، ومقارنتها بحالة التجهيزات على الأرض.

الأحياء الهامشية والممرات السفلية.. تفاوت في التعرض للمخاطر

لا تتوزع آثار الأمطار بالتساوي داخل المدينة. فالمناطق المنخفضة والممرات السفلية وبعض الأحياء التي تفتقر إلى تجهيزات كافية قد تكون أكثر تعرضاً لتجمع المياه.

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً في الأحياء التي تعاني أصلاً من ضعف الأرصفة والإنارة وصعوبة الولوج إلى وسائل النقل. ففي هذه الحالات، يمكن لتجمع محدود للمياه أن يعطل الوصول إلى المدرسة أو العمل أو الخدمات الصحية.

وهنا يظهر البعد الاجتماعي للتخطيط العمراني. فالعدالة المجالية لا تعني توزيع المشاريع الكبرى فقط، بل تشمل أيضاً ضمان الحد الأدنى من سلامة التنقل وجودة التجهيزات اليومية في مختلف الأحياء.

من التدخل بعد المطر إلى التخطيط قبل وقوع المشكلة

تحتاج المدن إلى مقاربة تجمع بين الحلول الهندسية والتدبير الوقائي. وقد تشمل هذه المقاربة تحديث خرائط شبكات التصريف، ورصد النقاط التي تتكرر فيها التجمعات المائية، وتقييم أثر المشاريع العمرانية الجديدة على الجريان السطحي.

كما يمكن أن تساهم المساحات الخضراء والتربة المنفذة للماء وأحواض تجميع مياه الأمطار في تخفيف الضغط على الشبكات، بحسب طبيعة كل موقع وإمكاناته. غير أن هذه الحلول لا تُعد بديلاً عاماً عن البنية التحتية التقليدية، بل أدوات مكملة ينبغي اختيارها بعد دراسة تقنية.

وتوفر البيانات المحلية فرصة لتحسين القرارات. فبدلاً من التعامل مع كل موسم مطير باعتباره حدثاً منفصلاً، تستطيع الجماعات بناء سجل للنقاط المتضررة، يتضمن تواريخ الحوادث وكميات الأمطار وأسباب الأعطاب والتدخلات المنجزة.

كيف نحكم على جاهزية المدينة؟

لا يمكن تقييم جاهزية مدينة لتصريف مياه الأمطار اعتماداً على الصور المتداولة وحدها. فالتقييم الدقيق يستدعي مقارنة كمية التساقطات ومدتها بالقدرة التصميمية للشبكات، ثم فحص مستوى الصيانة وتاريخ الأعطاب.

كما ينبغي تحديد الجهة المسؤولة عن كل جزء من المنظومة، لأن تدبير مياه الأمطار قد يتداخل فيه اختصاص الجماعات وشركات توزيع الخدمات والجهات المكلفة بالطرق والتجهيزات.

وتبقى الشفافية عنصراً حاسماً في هذا المسار. فعندما تتوفر معلومات واضحة عن الأشغال والصيانة والاستثمارات والنقاط المعرضة للتجمعات المائية، يصبح ممكناً الانتقال من تبادل الاتهامات إلى نقاش عمومي يستند إلى نتائج قابلة للتحقق.

مدينة أكثر استعداداً للمطر

لا يمكن منع كل تجمع للمياه، خصوصاً في ظل الظواهر المطرية الشديدة. لكن ذلك لا يعفي من ضرورة تحسين التخطيط والصيانة والإنذار والتدخل.

فالمدينة الجيدة ليست تلك التي لا تتعرض أبداً لاضطراب خلال الأمطار، بل التي تعرف نقاط ضعفها وتعمل على معالجتها، وتحد من أثرها على السكان، وتتعلم من كل موسم مطير.

ومن هذا المنظور، يصبح السؤال الأهم ليس لماذا تتجمع المياه في شارع بعينه، بل ما الذي فعلته المدينة لمعرفة أسباب المشكلة ومنع تكرارها أو تقليل آثارها.