أعلنت جوائز المعماريين الشباب بالمغرب (Young Moroccan Architecture Awards – YMAA) عن اختيار 52 مشروعاً للتنافس في دورتها الثالثة لسنة 2026، من أصل 168 ملف ترشيح قدمت من 15 مدينة مغربية. وجرى الكشف عن المشاريع المختارة يوم 22 أكتوبر بالدار البيضاء، في فضاء ورشات فنسنت تيمسيت، الذي يحمل بصمة المعماري الراحل جان فرانسوا زيفاكو.
وتنظم هذه الجوائز مجموعة «أرشيميديا»، تحت إشراف وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بهدف التعريف بأعمال جيل من المعماريين الذين تقل أعمارهم عن 45 سنة.
غير أن أهمية هذه الدورة لا تنحصر في عدد المشاركين أو تنوع المشاريع المعروضة، بل تمتد إلى ما تثيره من أسئلة بشأن التحولات التي تعرفها العمارة المغربية، ومدى قدرتها على الاستجابة لتحديات السكن والتوسع الحضري والبيئة وجودة الفضاءات العامة.
من المنافسة المهنية إلى أسئلة المدينة
توزعت المشاريع المرشحة على مجالات متعددة، تشمل السكن الفردي والجماعي، والمرافق الصحية والتعليمية، والفضاءات الثقافية، والسياحة، والتجهيزات العمومية، وإعادة تأهيل المباني.
ويكشف هذا التنوع عن اتساع مجال الممارسة المعمارية، التي لم تعد مقتصرة على تصميم المباني الخاصة أو البحث عن أشكال جمالية جديدة، بل أصبحت تتقاطع مع قضايا اجتماعية واقتصادية وبيئية تؤثر مباشرة في الحياة اليومية للسكان.
ومع ذلك، فإن عرض المشاريع ضمن مسابقة مهنية لا يكفي وحده للحكم على أثرها العمراني. فالمشروع المعماري يمكن أن يتميز من حيث التصميم، لكنه يحتاج أيضاً إلى تقييم وظيفته الاجتماعية، وتكلفة إنجازه وصيانته، ومدى ملاءمته للمناخ المحلي واحتياجات المستخدمين.
ومن هنا تبرز أهمية التعامل مع هذه الجوائز باعتبارها مناسبة للنقاش المهني والعمومي، وليس مجرد احتفاء بالإنجازات الفردية.
السكن المغربي بين الابتكار وإشكالية الولوج
يحضر السكن ضمن المشاريع المختارة، سواء من خلال المساكن الفردية أو الإقامات الجماعية. ويعكس ذلك استمرار الاهتمام بالحلول التصميمية المرتبطة بأنماط العيش والتحولات التي تعرفها المدن المغربية.
لكن السؤال الأساسي يتجاوز الابتكار الشكلي إلى مدى مساهمة العمارة في معالجة تحديات السكن، خصوصاً ما يتعلق بالكلفة وجودة البناء والتهوية والإنارة واستعمال المساحات.
فجزء من الإنتاج المعماري المتميز يظل مرتبطاً بمشاريع خاصة ذات ميزانيات مرتفعة، بينما تواجه فئات واسعة من السكان صعوبات في الولوج إلى سكن ملائم.
ولا يعني هذا التقليل من قيمة التجريب المعماري، بل التأكيد على ضرورة توسيع أثره ليشمل حلولاً قابلة للتطبيق في السكن المتوسط والاجتماعي، وفي إعادة تأهيل الأحياء القائمة.
ويقتضي ذلك تعاوناً بين المعماريين والمهندسين والسلطات المحلية والمنعشين العقاريين، حتى لا تبقى الأفكار الجديدة محصورة في نماذج محدودة الانتشار.
المرافق العمومية معيار آخر لجودة العمارة
تضم قائمة الترشيحات مشاريع مرتبطة بالصحة والتعليم والثقافة، من بينها تجهيزات استشفائية ومؤسسات للتكوين وفضاءات ثقافية.
وتكتسب هذه الفئة أهمية خاصة، لأن جودة العمارة العمومية لا تقاس بالمظهر الخارجي للمبنى فقط، بل بقدرته على تسهيل تقديم الخدمات وتحسين ظروف استقبال المرتفقين.
ففي المستشفيات، تؤثر طريقة توزيع الفضاءات ومسارات الحركة والتهوية والإنارة في تجربة المرضى والعاملين. وفي المؤسسات التعليمية، يرتبط التصميم بجودة بيئة التعلم وسهولة التنقل وإمكانية الاستعمال من طرف مختلف الفئات.
أما الفضاءات الثقافية، فتحتاج إلى الجمع بين الوظيفة الجمالية والانفتاح على السكان، بحيث تتحول إلى مرافق حية لا إلى مبانٍ معزولة عن محيطها.
ولهذا فإن تقييم المشاريع المرشحة في هذه المجالات ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار احتياجات المستخدمين، وإمكانية الولوج، وكلفة التشغيل والصيانة، إلى جانب المعايير الفنية المعمارية.
التراث العمراني وإعادة التأهيل
من بين المجالات التي تحضر في الدورة الثالثة إعادة تأهيل المباني والتجديد المعماري، وهي قضية تكتسب أهمية متزايدة في المدن المغربية التي تتعايش فيها أنسجة تاريخية مع توسع عمراني حديث.
ويطرح هذا المجال تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على الخصائص المعمارية للمباني القائمة، مع تكييفها مع متطلبات الاستعمال المعاصر.
ولا يتعلق الحفاظ على التراث بالواجهات والزخارف وحدها، بل يشمل الذاكرة الاجتماعية للمكان وعلاقته بالحي والأنشطة التي احتضنها.
كما أن إعادة استعمال المباني القائمة يمكن أن تساهم في تقليل استهلاك مواد البناء والحد من الهدم، شريطة احترام معايير السلامة والجودة.
وتتيح المسابقات المهنية فرصة لتبادل التجارب في هذا المجال، لكن أثرها الفعلي يتوقف على انتقال الحلول المعروضة إلى سياسات وبرامج أوسع لحماية التراث العمراني.
انفتاح إفريقي ودولي في الدورة الثالثة
تتميز دورة 2026 بإضافة مجالات جديدة، من بينها هندسة المناظر الطبيعية، ومشاريع المعماريين المغاربة العاملين خارج المملكة، وفئة مخصصة للمعماريين الأفارقة الشباب.
ويعكس هذا التوسع رغبة المنظمين في تجاوز الإطار الوطني، وفتح المجال أمام تبادل التجارب بين معماريين يعملون في سياقات عمرانية ومناخية مختلفة.
وتبرز أهمية البعد الإفريقي في وجود تحديات مشتركة بين عدد من المدن، مثل التوسع السريع، والضغط على البنيات التحتية، والحاجة إلى مساكن ومرافق ملائمة للظروف الاقتصادية والمناخية المحلية.
غير أن تبادل التجارب لا يعني إمكانية نقل النماذج المعمارية كما هي من مدينة إلى أخرى. فنجاح أي حل يرتبط بطبيعة المجال والموارد المتاحة وأنماط الاستعمال المحلي.
ومن ثم، فإن القيمة المعرفية لهذا الانفتاح تتحدد بمدى تشجيعه على تطوير حلول تستفيد من الخبرات المتبادلة وتحترم خصوصية المجتمعات والبيئات المختلفة.
مشاريع التخرج.. أفكار تحتاج إلى جسور مع الواقع
تضمنت القائمة المختارة 12 مشروعاً لنهاية الدراسة، وهو ما يمنح طلبة العمارة فرصة لعرض تصوراتهم أمام المهنيين والمؤسسات.
وتتيح هذه المشاريع مساحة للتجريب في قضايا قد لا تجد موقعاً سريعاً داخل السوق العقارية، مثل إعادة استعمال مواد البناء، والعمارة الدامجة، والتكيف مع الفصول والمناخ، وتطوير الفضاءات المجتمعية.
لكن الانتقال من الفكرة الأكاديمية إلى مشروع قابل للتنفيذ يواجه تحديات مرتبطة بالتمويل والتشريعات والمعايير التقنية.
ولهذا فإن دعم الابتكار المعماري يحتاج إلى آليات تربط مؤسسات التكوين بالجماعات الترابية والمقاولات ومراكز البحث، بما يسمح باختبار بعض الحلول على نطاق محدود قبل تعميمها.
وتصبح الجوائز أكثر فائدة عندما تفتح أمام أصحاب المشاريع فرصاً للبحث والتطوير والتطبيق، وليس فقط للحصول على الاعتراف المهني.
هل تستطيع الجوائز التأثير في السياسات العمرانية؟
تمثل جوائز المعماريين الشباب مناسبة لإبراز مشاريع وتجارب مهنية متنوعة، لكنها تثير في الوقت نفسه سؤال العلاقة بين الاعتراف بالإبداع وبين التحولات الفعلية في المجال العمراني.
فالمغرب يواجه تحديات تتعلق بتوفير السكن، وتأهيل الأحياء، وحماية التراث، وتطوير النقل والمرافق، والتكيف مع المخاطر المناخية. وهي قضايا لا يستطيع المعماري معالجتها منفرداً، لأنها ترتبط أيضاً بالتمويل والتخطيط الحضري والسياسات العمومية.
وتبقى مساهمة المسابقات المهنية مرتبطة بقدرتها على توسيع النقاش حول هذه التحديات، وتوفير معايير لتقييم المشاريع من حيث الاستعمال والأثر الاجتماعي والاستدامة.
كما تبرز الحاجة إلى تتبع المشاريع التي تحصل على الجوائز بعد إنجازها، لمعرفة مدى نجاحها في تحقيق الأهداف التي صممت من أجلها.
مستقبل العمارة المغربية خارج حدود المسابقة
من المنتظر الإعلان عن الفائزين بالدورة الثالثة خلال شهر دجنبر 2026، بعد استكمال مراحل التقييم.
وإلى حين صدور النتائج، تظل قائمة المشاريع المرشحة مؤشراً على تنوع الاتجاهات المعمارية التي يشتغل عليها جيل جديد من المهنيين والطلبة، دون أن تسمح وحدها باستخلاص أحكام نهائية بشأن مستقبل القطاع.
فالتحدي الذي تواجهه العمارة المغربية لا يتعلق فقط بإنتاج مبانٍ مبتكرة، وإنما بقدرتها على المساهمة في تحسين جودة الحياة، وتوسيع الاستفادة من الفضاءات والخدمات، وتطوير مدن أكثر ملاءمة لسكانها.
وبين الاعتراف بالمواهب الجديدة والحاجة إلى إصلاحات عمرانية أوسع، تظل القيمة الأساسية لهذه المبادرات في قدرتها على ربط الإبداع المعماري بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية، وتحويل الأفكار الجيدة إلى حلول قابلة للاختبار والتقييم.


