استمع إلى المقال4 دقائق تقريباً

بعد أيام قليلة، تفتح قمة المناخ في أنطاليا أبوابها. ينعقد المؤتمر الحادي والثلاثون لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP31) في هذه المدينة التركية من 9 إلى 20 نوفمبر، فيما يلتقي قادة الدول يومي 11 و12 من الشهر نفسه. وللمرة الأولى منذ سنوات، تضع الرئاسة المضيفة المدينة في صدارة جدول الأعمال، لا في هامشه.

 قمة المناخ في أنطاليا: وعد «التنفيذ»

يقود القمة مراد قوروم، وزير البيئة والتمدن وتغير المناخ في تركيا، وهو مهندس مدني جاء من عالم التعمير. وقد أعلن مبكرًا أن «المدن الصامدة» ستكون إحدى الأولويات الأساسية في أنطاليا. كما يريدها، بتعبيره، «قمة للتنفيذ» لا قمة للتعهدات.

لهذا الاختيار خلفية واضحة. فقد قادت وزارته ورش إعادة الإعمار بعد زلزال فبراير 2023، وأعادت بناء ما يقارب نصف مليون مسكن في المناطق المنكوبة. لذلك تحمل أنقرة إلى أنطاليا تجربة ميدانية، وتعرضها نموذجًا لمدن تعيد البناء وهي تفكر في المناخ.

 لماذا المدينة؟

الحجة في حد ذاتها ليست جديدة. تستهلك المدن نحو ثلاثة أرباع الطاقة في العالم، وتصدر منها قرابة 70 في المئة من انبعاثات غازات الدفيئة. بعبارة أخرى، تُحسم معركة المناخ في الشارع والحافلة والعمارة، قبل أن تُحسم في قاعات التفاوض.

غير أن المدينة ليست مصدر الأزمة فحسب، بل أولى ضحاياها أيضًا. فهي التي تغرق حين تشتد الأمطار، وتختنق حين تطول موجات الحر، وتعطش حين تجف السدود.

المال الذي لا يصل

هنا تبدأ المفارقة. يقدّر تقرير «حالة تمويل المناخ في المدن» لعام 2024، الصادر عن مبادرة سياسات المناخ، حاجة المدن إلى نحو 4.3 تريليونات دولار سنويًا حتى 2030، وذلك لخفض الانبعاثات وحده. أما التكيف، فتحتاج إليه مدن الاقتصادات النامية والصاعدة بنحو 147 مليار دولار في السنة.

في المقابل، يكشف التقرير نفسه رقمًا صادمًا. فالتمويل المناخي الحضري الذي انتقل من الدول المتقدمة إلى الدول النامية لم يتجاوز 12 مليار دولار، أي أقل من 2 في المئة من المجموع. كما جاء 69 في المئة من هذا التمويل من مصادر داخلية في كل بلد.

النتيجة بسيطة وقاسية: المدينة الغنية تموّل تكيفها بنفسها، والمدينة الفقيرة تنتظر. وتتعثر الأخيرة غالبًا عند عقبة إدارية قبل المالية. فآليات التمويل الدولي تخاطب الحكومات المركزية، بينما تبقى البلديات خارج الشباك.

الإسكندرية: الإنذار من الضفة الجنوبية

لا يحتاج القارئ العربي إلى أمثلة بعيدة. ففي عام 2025، نشرت مجلة «إيرثس فيوتشر» العلمية دراسة لباحثين من جامعة جنوب كاليفورنيا وجامعة الإسكندرية. رصدت الدراسة انهيار أكثر من 280 مبنى على ساحل الإسكندرية خلال عقدين، وحذرت من أن نحو 7000 مبنى آخر مهدد.

ويشرح الباحثون الآلية بوضوح. تآكل الشاطئ وارتفاع البحر يدفعان المياه المالحة إلى الطبقات الجوفية. ترتفع المياه تحت الأساسات، فتأكل الحديد والخرسانة، ثم ينهار المبنى من أسفله. وقد قفز معدل الانهيار من أقل من مبنى في السنة إلى قرابة أربعين.

الأخطر أن الدراسة لا تخص الإسكندرية وحدها. فهي تنبه إلى أن مدنًا أخرى على الضفة الجنوبية للمتوسط، مثل تونس وطرابلس، تواجه المخاطر نفسها. ومن حق القارئ المغربي أن يسأل بدوره عن حال مدن ساحله الأطلسي، حيث يقترب العمران من الموج عامًا بعد عام.

 ما الذي تحتاجه المدن العربية من أنطاليا؟

أولًا، تحتاج إلى مقعد. فالبلديات العربية تحضر هذه القمم ضيفةً على وفود حكوماتها، ونادرًا ما تتكلم باسمها. لذلك يغيب صوت العمدة حين تُوزَّع الصناديق.

ثانيًا، تحتاج إلى مشاريع جاهزة. فالمال المناخي، على قلته، يذهب إلى من يقدّم ملفات مدروسة ومحسوبة. وكثير من المدن العربية لا يملك بعدُ مكاتب قادرة على إعداد مثل هذه الملفات.

ثالثًا، تحتاج إلى بيانات. فلا أحد يموّل خطرًا لم يُقَس. ولولا الدراسة الأكاديمية، لظلت انهيارات الإسكندرية أخبارًا متفرقة في صفحات الحوادث.

 المعيار الحقيقي للنجاح

يرى سامد أغيرباش، بطل المناخ رفيع المستوى في القمة، أن نجاح أنطاليا لن يقاس بعدد التعهدات الجديدة. بل يقاس، في رأيه، بقدرة التمويل والدعم على الوصول فعلًا إلى البلديات والمبادرات المحلية.

هذا معيار جيد، ويستحق أن نحاسب القمة عليه. فإذا انتهت أنطاليا ببيان جميل عن «المدن الصامدة»، دون نافذة تمويل تدخلها بلدية الإسكندرية أو طرابلس أو الدار البيضاء مباشرة، فستكون قد أضافت فصلًا آخر إلى كتاب الوعود. وستبقى المدن، كما كانت، حاضرة في الخطاب وغائبة عن التمويل.