المدينة التي تنقل السيارات لا الناس.. لماذا ما زال التنقل الحلقة الأضعف في المدن العربية؟

المقالات المسموعةقراءة صوتية آلية للنص

يعتمد الاستماع على توفر صوت مناسب في متصفحك.

في كثير من المدن العربية، يبدو التطور الحضري واضحاً من نافذة السيارة، حيث تتسع الطرق وتظهر الجسور والأنفاق والمحاور السريعة ومشروعات النقل الجديدة، لكن الصورة تتغير عندما يغادر الإنسان سيارته ويحاول الوصول سيراً إلى محطة الحافلات أو عبور شارع واسع أو الانتقال بين وسيلتين للنقل. عند هذه النقطة يظهر تناقض ظل حاضراً في التخطيط الحضري العربي لسنوات طويلة، إذ تستطيع المدينة أن تنفق كثيراً على حركة المركبات من دون أن يصبح تنقل سكانها اليومي أكثر سهولة.

هذا التناقض عاد إلى الواجهة مع تقرير حديث للمعهد العربي لإنماء المدن حول التنقل الحضري المستدام، استند إلى تقييم ستين مشروعاً في مدن عربية ومقارنتها بتجارب دولية. ولا تكمن أهمية التقرير في عدد المشروعات التي درسها فقط، بل في الخلاصة التي تقود إلى سؤال أوسع حول الطريقة التي تُبنى بها منظومات النقل العربية، لأن المشكلة لم تعد دائماً في غياب المشروع، وإنما في ضعف التكامل بين المشروعات ووسائل النقل والجهات التي تديرها.

ستون مشروعاً تكشف مشكلة أكبر

يشمل تقييم المعهد مشروعات مختلفة، ويقرأها من زوايا الحوكمة والمشاركة المجتمعية والاستدامة والمرونة والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والابتكار. وتسمح هذه المقاربة بالانتقال من السؤال التقليدي حول ما بنته المدينة إلى البحث في قدرة هذه المنشآت والوسائل على العمل معاً باعتبارها منظومة واحدة تخدم رحلة المواطن اليومية.

فالمدينة قد تمتلك شبكة للحافلات وخطوطاً للترامواي وطرقاً سريعة ومسارات للدراجات، غير أن وجود هذه العناصر منفصلة لا يعني بالضرورة وجود نظام نقل متكامل. المواطن لا يتعامل مع كل مشروع بوصفه وحدة مستقلة، وإنما يريد مغادرة منزله والوصول إلى المدرسة أو الجامعة أو المستشفى أو مكان العمل بأقل قدر ممكن من الوقت والكلفة والمشقة، ولهذا يصبح الربط بين الوسائل والمؤسسات جزءاً أساسياً من جودة التنقل.

عندما تصبح السيارة مقياساً للمدينة

تعود جذور جزء من المشكلة إلى الطريقة التي توسعت بها مدن عربية كثيرة خلال العقود الماضية، حين أصبح الطريق الواسع والسيارة الخاصة عنصرين مركزيين في التخطيط. ومع امتداد الضواحي وابتعاد السكن عن مناطق العمل والخدمات، تحولت مسافات كان يمكن أن تبقى محدودة إلى رحلات يومية تحتاج إلى وسيلة نقل آلية، وأصبحت قدرة الطريق على استيعاب المركبات مؤشراً أكثر حضوراً من قدرة الإنسان على السير أو عبور الشارع بأمان.

لكن توسيع الطريق لا يعالج بالضرورة أصل المشكلة إذا استمر العمران في إنتاج مسافات أطول بين البيت والعمل والمدرسة والسوق. ومن هنا يتجاوز التنقل مسألة الحافلات والسيارات ليصبح قضية مرتبطة بتخطيط المدينة نفسها، لأن توزيع السكن والوظائف والخدمات يحدد مسبقاً مقدار الحركة التي سيحتاج إليها السكان.

من سوسة إلى نواكشوط.. محاولات لتغيير المعادلة

تظهر بعض التجارب العربية اتجاهاً مختلفاً في التفكير. ففي سوسة التونسية، يقوم مخطط للتنقل الحضري المستدام على تقليل مسافات الرحلات والاعتماد على السيارة، مع تقوية المشي والدراجات والنقل العام والاقتراب من مفهوم «مدينة الخمس عشرة دقيقة»، حيث تصبح الخدمات الأساسية أقرب إلى السكان بدلاً من إجبارهم على التوجه المستمر نحو المركز.

تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تغير فلسفة التنقل نفسها، فبدلاً من البحث باستمرار عن الوسيلة الأسرع لنقل الإنسان لمسافة أطول، يصبح من الممكن استخدام التخطيط لتقليل المسافة التي يحتاج إلى قطعها من الأصل.

وفي نواكشوط، يتجه التخطيط نحو توسيع تغطية النقل العام وتقليص زمن الرحلات وتحسين ظروف المشاة والدراجات، مع اهتمام بإمكانية وصول الفئات الأقل دخلاً إلى وسائل النقل. ورغم الاختلاف الكبير بين سوسة ونواكشوط، فإن التجربتين تضعان احتياجات السكان اليومية في قلب النقاش بدلاً من التعامل مع شبكة النقل باعتبارها بنية هندسية منفصلة عن الحياة الاجتماعية.

المشروع الكبير يبدأ من الرصيف

من الخلاصات المهمة التي يطرحها تقرير المعهد ضرورة إيجاد توازن بين مشروعات البنية التحتية الكبرى والحلول الأقل كلفة، بما فيها المشي والتنقل النشط وتحسين سهولة الوصول. وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في المدن العربية التي أصبح فيها المشروع الضخم أحياناً مرادفاً للتحديث الحضري، بينما تبقى عناصر صغيرة في ظاهرها خارج دائرة الاهتمام.

فالمترو والترامواي والحافلات السريعة تستطيع تغيير حياة المدينة عندما تكون الحاجة إليها حقيقية ويكون التخطيط متكاملاً، لكن جودة التنقل لا تبدأ عند بوابة محطة حديثة فقط. إذا كان المواطن يحتاج إلى السير عشر دقائق للوصول إلى الحافلة، فإن حالة الرصيف والإنارة والظل وإمكانية عبور الشارع تصبح جزءاً من منظومة النقل نفسها، كما تصبح قدرة كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأطفال على استخدام هذا المسار معياراً لا يقل أهمية عن سرعة المركبة.

بهذا المعنى، لا يكون الرصيف عنصراً تجميلياً ملحقاً بالطريق، بل يصبح أول حلقة في رحلة قد تنتهي في محطة قطار أو ترامواي كلف إنشاؤها ملايين الدولارات.

عندما تتحول المسافة إلى كلفة اجتماعية

للتنقل وجه اجتماعي لا يظهر دائماً في الخرائط الهندسية، لأن الأسرة التي تستطيع امتلاك سيارة أو أكثر تتعامل مع ضعف النقل العام بطريقة مختلفة جذرياً عن أسرة تعتمد على الحافلة أو سيارة الأجرة أو المشي. وكلما ابتعد السكن الأقل كلفة عن مراكز العمل والخدمات، تحولت المسافة إلى عبء غير معلن يدفعه السكان يومياً في صورة مال ووقت وإرهاق.

لهذا يضع تقرير المعهد العدالة الاجتماعية ضمن المعايير المستخدمة في تقييم مشروعات التنقل، لأن نجاح النظام لا يمكن قياسه بسرعة المركبة أو طول الخط وحدهما. الأهم هو معرفة الفئات التي تستطيع استخدامه والوصول عبره إلى الفرص، والفئات التي تظل خارجه أو تضطر إلى تخصيص جزء أكبر من دخلها ووقتها للتنقل.

وعندما ننظر إلى المشكلة بهذه الطريقة، يصبح الحق في الحركة جزءاً من العدالة الحضرية، لأن الوصول إلى العمل والتعليم والصحة لا يتحدد بوجود الخدمة فقط، بل أيضاً بقدرة السكان على بلوغها.

مدن بمشروعات كثيرة ومنظومة واحدة غائبة

تكشف قضية التنقل كذلك مأزقاً مؤسساتياً في بعض المدن، إذ قد تكون جهة مسؤولة عن الطرق وأخرى عن الحافلات وثالثة عن التخطيط العمراني ورابعة عن مواقف السيارات، بينما تتخذ قرارات السكن والتوسع الحضري في مؤسسة أخرى. تستطيع كل جهة أن تنجز مشروعها وفق اختصاصها، لكن النتيجة قد تكون مجموعة من المشروعات الناجحة منفردة التي لا تعمل بالضرورة باعتبارها شبكة واحدة.

لهذا يربط تقرير المعهد إصلاح التنقل بالحوكمة والتنسيق المؤسساتي، إلى جانب تصميم يضع الإنسان والمناخ في الاعتبار ونماذج تمويل وتشغيل قادرة على الاستمرار. فالتكامل ليس مفهوماً تقنياً مجرداً، وإنما يظهر مباشرة في تجربة المواطن عندما يستطيع الانتقال بين وسائل النقل المختلفة من دون أن تبدأ رحلة جديدة في كل مرة.

المدن المغربية أمام الاختبار نفسه

يمثل المغرب بدوره مختبراً مهماً لهذه التحولات، فقد طورت الدار البيضاء شبكة الترامواي والحافلات ذات المستوى العالي من الخدمة، كما اتجهت أكادير إلى تطوير منظومة للنقل الجماعي عالي الجودة، بينما تعرف مدن أخرى استثمارات ونقاشات مختلفة حول النقل الحضري.

غير أن تقييم هذه التجارب لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الخطوط أو طولها أو القيمة المالية للاستثمارات. فالمعيار الذي يقترب أكثر من حياة السكان هو الرحلة اليومية نفسها، بما تتضمنه من زمن وكلفة وانتظار وقدرة على الوصول من الأحياء الطرفية إلى مناطق التشغيل والتعليم والخدمات، إضافة إلى سهولة الانتقال بين الحافلة والترامواي والمشي.

ومن هنا يصبح من الممكن التمييز بين نجاح المشروع الهندسي ونجاح السياسة الحضرية. فقد يكون الخط الحديث ناجحاً من الناحية التقنية، بينما يظل جزء من السكان بعيداً عنه، وقد تتحسن وسيلة النقل فيما يبقى الوصول إليها عبر الرصيف أو الحي الطرفي صعباً.

من إدارة المرور إلى إدارة حياة المدينة

المشكلة الأعمق ربما توجد في الطريقة التي ننظر بها إلى النقل داخل المدينة. عندما ننظر إليه من خلال حركة المرور، تظهر أمامنا السيارات والاختناقات والمحاور والتقاطعات، لكن الصورة تصبح مختلفة عندما ننظر إليها من خلال حياة السكان، لأننا نرى العامل الذي يستيقظ مبكراً بسبب المسافة، والطالبة التي تنتظر الحافلة، والمسن الذي يجد صعوبة في عبور الطريق، والأسرة التي تخصص جزءاً متزايداً من دخلها للتنقل.

وهنا ينتقل التخطيط من محاولة جعل المركبات تتحرك بصورة أسرع إلى محاولة جعل السكان يصلون إلى وجهاتهم بصورة أسهل، وهو تحول يبدو لغوياً بسيطاً لكنه قادر على إعادة ترتيب أولويات المدينة كلها.

ما تكشفه المشروعات الستون التي درسها المعهد العربي لإنماء المدن ليس أن المدن العربية تفتقر إلى الاستثمار أو المبادرات، وإنما أن كثرة المشروعات لا تكفي وحدها لبناء مدينة سهلة الحركة. فالطريق والحافلة والترامواي والرصيف والدراجة وسياسة السكن وتوزيع الوظائف والخدمات ليست ملفات منفصلة، بل أجزاء من منظومة حضرية واحدة.

وعندما تنجح المدينة في جمع هذه العناصر، لا يعود معيار التقدم مقدار السرعة التي تستطيع السيارة بلوغها أو عدد الجسور التي افتتحتها، بل مقدار الوقت والمال والمشقة التي وفرتها على سكانها. عندها فقط ينتقل التخطيط الحضري من إدارة حركة السيارات إلى تنظيم حركة الناس وحياتهم داخل المدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واصل القراءة في المدينة

رسالة من المدينة

قراءات تستحق أن تصلك.

سجّل طلب اشتراكك في النشرة البريدية. نبدأ الإرسال بعد إطلاق النشرة.