استمع إلى المقال4 دقائق تقريباً

قرأت خلال الحملة الأخيرة ما تيسّر من برامج الأحزاب، وخرجت بانطباع يصعب التخلص منه: لو حذفنا أسماء الأحزاب وألوانها من الصفحات الأولى، لاحتجنا إلى جهد كبير كي نعرف أي برنامج لمن. الحزب الذي تصدّر النتائج وعد بنمو سنوي في حدود خمسة في المئة، وتضخم في حدود اثنين، ومليون منصب شغل في خمس سنوات. وأتحدى أن نجد حزبًا واحدًا يعترض على هذه الأرقام أو يقترح عكسها. حين تتشابه الوعود إلى هذا الحد، لا يعود السؤال الحقيقي هو من فاز، بل لماذا لم يعد الفوز يعني شيئًا يُذكر.

جزء من الجواب يوجد خارج صناديق الاقتراع. فالاختيارات الكبرى التي ستحدد حياة المغاربة في العقد المقبل حُسمت قبل أن تبدأ الحملة: النموذج التنموي الجديد بأفق 2035، وتعميم الحماية الاجتماعية، والاستثمارات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، وبرامج الماء والطاقة. هذه أوراش تتبناها كل الأحزاب دون استثناء، ولا يعرض أي منها بديلًا عنها. والنتيجة أن المنافسة الانتخابية لم تعد تدور حول الاتجاه، بل حول من سيتولى التدبير داخل اتجاه مرسوم سلفًا. ولا أقول هذا من باب الاتهام، فقد يرى كثيرون في هذا الاستقرار الاستراتيجي ضمانة ثمينة. لكن لهذا الاستقرار ثمنًا لا يُذكر عادة: حين يُحسم المضمون خارج المنافسة، يتحول الاقتراع إلى مباراة في الكفاءة الإدارية، ويصعب أن تطلب من مواطن أن يتحمس لمباراة كهذه. بل إن التحضير لانتخابات هذا العام نفسه أُسند إلى وزارة الداخلية، بعد أن كان رئيس الحكومة يترأس الاجتماعات التحضيرية في 2016 و2021، وهي إشارة صغيرة لكنها دالة على المكان الذي يقف فيه الفاعل الحزبي من اللعبة.

ثم تأتي القواعد الانتخابية نفسها لتكمل الصورة. ففي سنة 2021، اعتُمد احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين بدل عدد المصوتين، وأُلغيت العتبة، وكان الهدف المعلن آنذاك ضمان تمثيلية أوسع. غير أن هذه الهندسة تجعل من شبه المستحيل على أي حزب أن يقترب من الأغلبية بمفرده. وهذا ما حدث بالفعل: الحزب الأول لم يتجاوز 97 مقعدًا من أصل 395، أي أقل من نصف العتبة اللازمة. وما دامت الحكومة محكومة بأن تتشكل من ثلاثة أحزاب أو أربعة، فإن المسؤولية تتوزع بينها حتى تكاد تختفي. وقد رأينا ذلك بوضوح في الحملة، حين قضى شريكان في الحكومة نفسها أسابيع يتبادلان اللوم بشأن الغلاء، وكأن أحدهما لم يكن يجلس قبالة الآخر في مجلس الحكومة طوال خمس سنوات.

وهنا تظهر المفارقة الأكثر إحراجًا في هذه الانتخابات. فالأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية المنتهية ولايتها، والتي يُفترض أن الناخب جاء ليحاسبها على حصيلة الغلاء، احتلت المراتب الثلاث الأولى وحصدت مجتمعة 228 مقعدًا. لم يُعاقَب أحد، بل تبادل الشركاء المراتب فيما بينهم. ومن الطبيعي أن يستنتج المواطن من ذلك أن صوته لا يملك القدرة على إخراج أحد من الحكم، بل في أحسن الأحوال على تغيير ترتيب الجالسين فيه.

أما السبب الثالث، فيبدأ من تحت، من الجماعة. فالمنتخب المحلي يتحرك بميزانية تعتمد في معظمها على تحويلات الدولة، وتحت وصاية إدارية تجعل كثيرًا من قراراته رهينة بتأشيرة العامل أو الوالي. وفي وضع كهذا، لا يكسب المرشح ثقة الناس ببرنامج لا يملك وسائل تنفيذه، بل بقدرته على قضاء الحاجات: رخصة، أو تعبيد طريق، أو تدخل لدى إدارة. هكذا يولد منطق الأعيان، ويصبح المرشح أهم من الحزب، وينتقل من لون إلى آخر بحسب حظوظ الموسم دون أن يخسر قاعدته. ومن الجماعة يصعد المنطق نفسه إلى البرلمان، حيث تتسابق الأحزاب قبيل كل اقتراع على استقطاب «الأسماء القادرة على الفوز» بدل بناء مرشحيها على مدى سنوات. فلا غرابة إذن أن تعيد السياسات إنتاج نفسها في الانتخابات الجماعية كما في التشريعية، لأن الآلية واحدة في المستويين.

ضع هذه الأسباب الثلاثة جنبًا إلى جنب، وستفهم لماذا لم يصوّت سوى 38 في المئة من المسجلين، بتراجع يقارب ثلاث عشرة نقطة عن 2021. هذا ليس كسلًا ولا جهلًا، بل حساب عقلاني تمامًا من مواطن يرى أن كلفة الذهاب إلى مكتب التصويت أكبر من أثره. والخطير أن هذا العزوف يغذي الحلقة نفسها: فكلما ضعفت المشاركة ضعفت شرعية المنتخبين، وكلما ضعفت شرعيتهم ازداد الاعتماد على التدبير التقني والإداري، فيزداد اقتناع المواطن بأن صوته لا يزن شيئًا.

لا أنكر أن في المشهد جديدًا حقيقيًا. فتعيين فاطمة الزهراء المنصوري أول امرأة على رأس الحكومة حدث تاريخي، ومسارها في وزارة التعمير والإسكان وفي رئاسة مجلس مراكش يجعلها أقرب من سابقيها إلى أسئلة المدينة التي تشغل هذه المجلة. لكن الحلقة التي وصفتها لا تنكسر بتغيير الوجه الذي يجلس على رأسها، بل بتغيير القواعد التي تدور بها: منافسة حقيقية على الاختيارات لا على التدبير وحده، وقواعد انتخابية تسمح بأغلبيات واضحة يمكن محاسبتها، وجماعات تملك من الموارد والصلاحيات ما يجعل البرنامج المحلي وعدًا قابلًا للتنفيذ لا مجرد ورقة.

قبل ثمانية وعشرين عامًا، حين كانت هذه المجلة تصدر باسم «الجماعات المحلية»، كتبنا على غلافها أن الجماعة أضحت مدرسة لتجديد النخب. ما زلنا ننتظر خريجي تلك المدرسة. وإلى أن تتغير القواعد لا الأسماء، سيبقى الحال على حاله إلى أجل غير معلوم، وستبقى السياسة عندنا طبقًا يُعاد تسخينه كل خمس سنوات، ثم نستغرب أن الناس لم يعودوا يشتهونه.