يخرج سكان المدن المغربية إلى أعمالهم كل صباح، فيجدون أنفسهم أمام مشهد يتكرر بوجوه مختلفة. شوارع مزدحمة، وأصوات محركات ومنبهات لا تهدأ، وأرصفة تضيق بالمارة والسيارات. وفي بعض الأحياء، يتطلب العثور على مساحة خضراء هادئة رحلة تتجاوز حدود الحي. وبين الانتظار في حركة المرور والبحث عن مكان للراحة، تتراكم تفاصيل صغيرة تصنع تجربة الحياة اليومية داخل المدينة.
قد تبدو هذه المشكلات منفصلة، لكنها تشترك في تأثيرها على علاقة السكان بمحيطهم. فتلوث الهواء والضجيج وارتفاع الحرارة ونقص المساحات العامة لا تمثل قضايا بيئية معزولة. إنها عناصر تحدد جودة العيش، وتؤثر في قدرة الناس على التنقل والعمل والراحة والاستفادة من المجال الحضري.
ومن هنا يتجاوز النقاش البيئي حدود حماية الطبيعة إلى سؤال اجتماعي أوسع. فليست كل الأحياء معرضة للمخاطر نفسها، ولا يتمتع جميع السكان بالفرص ذاتها للوصول إلى الحدائق والخدمات والفضاءات المريحة.
الهواء الذي نتقاسمه ولا نتعرض له بالتساوي
لا يمكن رؤية معظم الملوثات التي يحملها الهواء الحضري بالعين المجردة. فالجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين وغيرها من الملوثات قد تنتج عن حركة المرور والأنشطة الصناعية ومصادر الاحتراق المختلفة. وتتفاوت مستوياتها بحسب الموقع والطقس وطبيعة النشاط الاقتصادي.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التعرض لتلوث الهواء يرتبط بمخاطر صحية متعددة، من بينها أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية. وقد شددت المنظمة توصياتها سنة 2021، وحددت خمسة ميكروغرامات في المتر المكعب قيمة إرشادية للمتوسط السنوي لتركيز الجسيمات الدقيقة PM2.5.
أما في المغرب، فقد تطورت منظومة مراقبة جودة الهواء خلال السنوات الماضية. وبحسب التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنة 2024، بلغ عدد محطات المراقبة الوطنية 70 محطة بنهاية تلك السنة. غير أن التقرير أشار أيضًا إلى استمرار مستويات مقلقة من التلوث في بعض التجمعات الحضرية.
لا تكفي زيادة عدد المحطات وحدها لتحسين جودة الهواء. فالمراقبة توفر المعطيات الضرورية، لكنها تحتاج إلى سياسات تحد من الانبعاثات وتوجه قرارات النقل والصناعة والتخطيط العمراني.
وتزداد أهمية هذه السياسات عندما ننتبه إلى اختلاف التعرض للتلوث داخل المدينة الواحدة. فقد يكون سكان الأحياء القريبة من المحاور المرورية الكبرى أكثر احتكاكًا بالانبعاثات من سكان المناطق الأقل ازدحامًا. كما تؤثر جودة السكن والتهوية وموقع المؤسسات التعليمية في طبيعة هذا التعرض.
الضجيج.. التلوث الذي اعتدنا سماعه
يحظى تلوث الهواء باهتمام متزايد، بينما يظل الضجيج جزءًا مألوفًا من الحياة الحضرية. فمنبهات السيارات وأشغال البناء وحركة المركبات والأنشطة التجارية تنتج مستويات متفاوتة من الأصوات، قد تستمر أحيانًا إلى ساعات متأخرة.
غير أن الاعتياد على الضجيج لا يعني غياب أثره. فقد ربطت الأبحاث الصحية بين التعرض المزمن لبعض مصادر الضوضاء واضطرابات النوم والانزعاج المستمر، إضافة إلى آثار محتملة على صحة القلب والأوعية الدموية.
وتوصي إرشادات منظمة الصحة العالمية بشأن الضوضاء البيئية بخفض متوسط التعرض لضجيج الطرق إلى أقل من 53 ديسيبل وفق مؤشر التعرض اليومي والمسائي والليلي. كما توصي بمستويات أدنى خلال الليل لحماية النوم.
لكن المشكلة في المدن لا ترتبط بشدة الصوت وحدها، بل بطول فترة التعرض وغياب أماكن الهدوء. فقد يجد السكان أنفسهم محاطين بمصادر مختلفة للضجيج داخل المنزل والعمل والشارع، دون فرصة كافية للابتعاد عنها.
ويتطلب الحد من هذه الظاهرة إجراءات تتجاوز منع استعمال المنبهات بصورة عشوائية. فتنظيم حركة المرور وتحسين وسائل النقل الجماعي وتدبير أوراش البناء يمكن أن يساعد على تقليل التعرض للضوضاء، خاصة في الأحياء السكنية والمناطق القريبة من المدارس والمستشفيات.
الحدائق ليست زينة عمرانية
حين نتحدث عن المساحات الخضراء، يتجه الاهتمام غالبًا إلى شكل الحدائق وجمالية الأشجار. لكن القيمة الفعلية لهذه الفضاءات تتجاوز تحسين المظهر العمراني، لأنها ترتبط بالصحة والراحة والتفاعل الاجتماعي.
وتشير مراجعات علمية أصدرتها منظمة الصحة العالمية إلى أن الحدائق والأشجار والفضاءات الطبيعية داخل المدن قد تساعد على تخفيف التوتر وتشجيع النشاط البدني. كما يمكن أن تساهم في تقليل التعرض للحرارة والضجيج وبعض الملوثات، تبعًا لخصائص المكان وتصميمه.
وتكتسب هذه المنافع أهمية خاصة بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين لا تتوفر لهم مساحات خاصة للترفيه. فالحديقة القريبة تتيح المشي واللعب والجلوس، دون الحاجة إلى الانتقال لمسافات طويلة أو تحمل تكاليف إضافية.
لكن وجود حديقة كبيرة في المدينة لا يعني بالضرورة استفادة جميع السكان منها. فقد تكون بعيدة عن بعض الأحياء، أو يصعب الوصول إليها مشيًا، أو تفتقر إلى الصيانة والإنارة والمرافق الأساسية.
ولهذا ينبغي قياس جودة المساحات الخضراء من خلال قربها وإمكانية استعمالها، وليس بمساحتها الإجمالية وحدها. فالحديقة الصغيرة داخل حي مكتظ قد تقدم منفعة يومية أكبر لبعض السكان من منتزه واسع يصعب الوصول إليه.
حين تصبح الحرارة مشكلة عمرانية
ترتبط جودة الحياة أيضًا بدرجات الحرارة التي يشعر بها السكان داخل الشوارع والمباني. ففي المناطق التي تكثر فيها الأسطح الإسمنتية والإسفلتية، قد ترتفع حرارة المجال المبني مقارنة بالمناطق الأكثر خضرة، خاصة خلال الفترات الحارة.
وتعرف هذه الظاهرة بجزيرة الحرارة الحضرية، وهي نتيجة تفاعل مواد البناء وكثافة العمران وقلة النباتات والأنشطة البشرية مع الظروف المناخية المحلية.
ولا تتوزع آثار الحرارة بالتساوي بين الأحياء. فالشوارع المظللة بالأشجار تختلف عن المساحات المكشوفة، كما تختلف المباني جيدة التهوية والعزل عن المساكن التي تحتفظ بالحرارة خلال الليل.
وفي المدن المغربية، يطرح هذا الواقع سؤالًا يتعلق بطريقة تصميم الفضاء العام. فالشارع الذي يخلو من الظل قد يصبح مرهقًا للمشاة صيفًا، حتى عندما تكون المسافة قصيرة. وقد يدفع ذلك بعض السكان إلى الاعتماد أكثر على السيارات، بدل المشي أو استعمال وسائل النقل القريبة.
ومن هنا تصبح زراعة الأشجار وحماية الحدائق وتحسين أداء المباني إجراءات مرتبطة بالتكيف المناخي. لكن اختيار الأنواع النباتية يحتاج إلى مراعاة الموارد المائية المحلية وكلفة الصيانة، خاصة في المدن المعرضة للجفاف.
العدالة البيئية تبدأ من الحي
تكشف الفوارق البيئية داخل المدن عن جانب مهم من عدم المساواة الحضرية. فقد تتمتع بعض الأحياء بطرق منظمة وأشجار وحدائق ومرافق للصيانة، بينما تواجه أحياء أخرى نقصًا في هذه التجهيزات.
ولا يتعلق الأمر بالمظهر الخارجي وحده. فالحي الذي يفتقر إلى مساحات اللعب والجلوس يحد من فرص التفاعل الاجتماعي، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن. كما قد تزيد الشوارع المزدحمة والملوثة من صعوبة التنقل اليومي.
وتشير أبحاث دولية إلى وجود تفاوتات اجتماعية في الوصول إلى المساحات الخضراء داخل المدن. غير أن تطبيق هذه النتائج على المغرب يتطلب بيانات محلية دقيقة، تحدد مواقع الحدائق ومصادر التلوث وأوضاع السكان.
فالعدالة البيئية لا تعني أن تصبح جميع الأحياء متطابقة، بل أن تتوفر لسكانها شروط معقولة للراحة والصحة واستعمال المجال العام. وتقتضي هذه المقاربة توجيه الاستثمارات نحو المناطق التي تعاني خصاصًا أكبر، بدل تركيزها في الواجهات الحضرية الأكثر ظهورًا.
لماذا لا يكفي تجميل الشوارع؟
تعتمد بعض مشاريع التأهيل الحضري على تحسين الأرصفة والإنارة وزراعة الأشجار وإعادة تهيئة الساحات. وقد تكون هذه التدخلات مفيدة، لكنها لا تعالج جميع أسباب تدهور جودة البيئة.
فإعادة تصميم شارع لا تقلل بالضرورة الانبعاثات إذا استمرت حركة السيارات بالكثافة نفسها. كما أن إنشاء حديقة جديدة لا يحقق النتائج المنتظرة عندما تغيب الصيانة أو تصبح مرافقها غير صالحة للاستعمال.
ومن هنا تظهر أهمية الانتقال من منطق المشاريع المنفصلة إلى سياسة حضرية متكاملة. فالتخطيط للنقل ينبغي أن يراعي جودة الهواء والضجيج، بينما يحتاج تصميم الأحياء إلى إدراج الظل والمشي والمساحات الخضراء ضمن أولوياته.
كما أن تحسين البيئة الحضرية يتطلب مشاركة السكان في تحديد المشكلات. فهم الأقدر على وصف الصعوبات اليومية المرتبطة بالأرصفة ومناطق الانتظار والنفايات وغياب المرافق.
لكن هذه المشاركة لا ينبغي أن تبقى محصورة في الاستشارة الشكلية. بل تحتاج إلى آليات تسمح بتحويل الملاحظات إلى قرارات قابلة للتنفيذ والمتابعة.
كيف نقيس جودة الحياة في المدينة؟
لا يمكن اختزال جودة الحياة في عدد الحدائق أو عرض الشوارع أو حجم الإنفاق على مشاريع التهيئة. فهذه المؤشرات تعطي صورة جزئية، بينما تتطلب حياة السكان النظر إلى النتائج التي تتحقق فعلًا.
يمكن للجماعات المحلية أن تعتمد مؤشرات تشمل مستويات تلوث الهواء والضجيج، والمسافة التي يقطعها السكان نحو أقرب حديقة، ونسبة الشوارع المظللة. كما يمكن قياس سهولة المشي وتوفر أماكن الجلوس وجودة صيانة الفضاءات العامة.
وتتيح هذه البيانات تحديد المناطق الأكثر حاجة إلى التدخل. كما تسمح بمقارنة النتائج قبل تنفيذ المشاريع وبعدها، بدل الاكتفاء بالإعلان عن الأشغال المنجزة.
وتصبح الشفافية في نشر المعطيات عنصرًا مهمًا في بناء الثقة. فحين يعرف السكان حالة الهواء في مدينتهم، وتوزيع الحدائق بين الأحياء، يستطيعون المشاركة في النقاش حول أولويات الاستثمار.
المدينة الجيدة ليست بالضرورة الأغلى
لا تحتاج جميع إجراءات تحسين جودة الحياة إلى مشاريع ضخمة. فقد تحقق صيانة حديقة صغيرة أو حماية ممر للمشاة منفعة مباشرة لسكان حي كامل. كما يمكن لتنظيم حركة المرور بالقرب من المدارس أن يساعد على تحسين السلامة وتقليل بعض مصادر الضجيج والتلوث.
غير أن التدخلات المحدودة لا تعوض السياسات الكبرى، خاصة في المدن التي تواجه نموًا عمرانيًا سريعًا. فخفض الانبعاثات وتطوير النقل العمومي وتوسيع المساحات الخضراء تحتاج إلى تمويل وتنسيق مؤسسي واستمرارية في التنفيذ.
والأهم أن تصبح البيئة جزءًا من القرارات الحضرية، لا قطاعًا منفصلًا عنها. فالسكن والنقل والصحة والتعليم والتعمير تتأثر جميعها بجودة المجال الذي يعيش فيه السكان.
بهذا المعنى، لا تُقاس جودة المدينة بما تملكه من أبراج وطرق واسعة وحدها، بل بما توفره لسكانها من شروط العيش اليومي. فالهواء الذي يتنفسه الطفل، والشارع الذي يسير فيه العامل، والحديقة التي يجلس فيها المتقاعد، كلها عناصر تشكل التجربة الحقيقية للمدينة.
وقد تبدو هذه التفاصيل صغيرة مقارنة بالمشروعات الكبرى، لكنها تتراكم لتحدد شعور السكان بالراحة والانتماء. ومن هنا يبدأ التحدي الذي تواجهه المدن المغربية: أن تجعل تحسين البيئة اليومية معيارًا للتنمية الحضرية، وأن توزع منافعه بصورة أكثر إنصافًا بين أحيائها وسكانها.


