في مدينة يعيش سكانها على إيقاع سريع، قد تتحول الدقائق التي يقضيها الراكب في انتظار الحافلة إلى تجربة مرهقة. فخلال الصيف ترتفع درجات الحرارة، بينما يجعل برد الشتاء الوقوف في الشارع أكثر صعوبة. وتصبح الرحلة أعقد بالنسبة إلى شخص يستعمل كرسيًا متحركًا أو يعاني ضعف البصر، خصوصًا إذا لم يعرف موعد وصول الحافلة أو مكان توقفها.
في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، حاولت السلطات معالجة هذه التفاصيل من خلال مشروع يبدو بسيطًا في فكرته، لكنه يجمع تقنيات متعددة. فقد تحولت بعض محطات الحافلات إلى فضاءات انتظار مجهزة بالتدفئة والتبريد وتنقية الهواء، مع شاشات للمعلومات وخدمات مخصصة للأشخاص الذين يواجهون صعوبات في التنقل.
لم يكن الابتكار في اختراع وسيلة نقل جديدة، بل في إعادة التفكير في المحطة نفسها. فبدل اعتبار الانتظار مرحلة ثانوية من الرحلة، أصبح جزءًا من الخدمة العمومية التي تستحق التحسين.
من مظلة على الرصيف إلى محطة ذكية
بدأت سيول تشغيل مشروع «Smart Shelter» تجريبيًا في غشت 2021، مع افتتاح أول محطة بمنطقة سونغنييمون. وشمل البرنامج المعلن عشر محطات موزعة على مواقع مختلفة، من بينها محيط جامعة هونغيك ومحطة هابجيونغ.
جاء المشروع لمعالجة أوجه القصور في محطات الانتظار التقليدية، حيث يتعرض الركاب للأمطار والغبار وتغيرات الطقس. ولذلك صُممت المحطات الجديدة بوصفها مرافق تجمع بين الحماية المناخية والمعلومات الرقمية والسلامة.
تضم التجهيزات أنظمة للتدفئة والتكييف وتنقية الهواء، إلى جانب شاشات تعرض معلومات عن حركة الحافلات. كما توفر اتصالًا لاسلكيًا بالإنترنت وبعض خدمات شحن الأجهزة، مع تجهيزات مخصصة للتعامل مع الحالات الطارئة.
لكن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تكمن في عدد الأجهزة الموجودة داخل المحطة. بل في قدرة هذه التجهيزات على جعل استعمال النقل العمومي أكثر وضوحًا وراحة، خصوصًا عندما تتأخر الحافلات أو تسوء الظروف الجوية.
حين يعرف الراكب موعد وصول الحافلة
تعتمد المحطات الذكية على معلومات نظام إدارة النقل في سيول، الذي يتابع حركة الحافلات ويعالج بيانات التشغيل. وتُستخدم هذه المعلومات لتحديد مواقع التوقف المتوقعة، وإبلاغ الركاب بالمواعيد وتطور حركة المركبات.
كما يمكن للأنظمة المتصلة إدارة بعض تجهيزات المحطة، مثل التدفئة والتكييف، وفق الظروف التشغيلية. ويتيح ذلك التعامل مع المحطة باعتبارها مرفقًا قابلًا للمراقبة والتعديل، بدل الاكتفاء بتشغيل تجهيزاتها بصورة منفصلة.
بالنسبة إلى الراكب، تبدو الفائدة مباشرة. فمعرفة وقت الوصول تقلل الغموض الذي يرافق الانتظار، وتساعد على تنظيم الوقت والانتقال بين الخطوط.
غير أن فعالية المعلومات تظل مرتبطة بدقتها. فإذا لم تتطابق المواعيد المعروضة مع حركة الحافلات الفعلية، فقد تصبح الشاشة الحديثة مصدرًا إضافيًا للإرباك. ولذلك يحتاج النظام إلى تحديث وصيانة مستمرين، تمامًا كما تحتاج المركبات والمحطات التقليدية.
المدينة الذكية تبدأ بالأشخاص في وضعية إعاقة
يمثل الاهتمام بالأشخاص في وضعية إعاقة أحد الجوانب المهمة في تجربة سيول. فقد أدرجت السلطات ضمن المشروع خدمات تعتمد على مفهوم التصميم الشامل، الذي يسعى إلى جعل المرافق قابلة للاستعمال من فئات مختلفة دون عوائق غير ضرورية.
ومن أبرز هذه الخدمات زر مخصص لطلب استعمال الحافلات منخفضة الأرضية. فعندما يضغط الراكب الذي يحتاج إلى هذه الخدمة على الزر، يحصل على معلومات بشأن موعد وصول الحافلة المناسبة. وفي الوقت نفسه، تصل إلى السائق رسالة تفيد بأن شخصًا يحتاج إلى مساعدة في الصعود ينتظر في المحطة.
تكمن أهمية هذا الإجراء في أنه يربط المحطة بالحافلة قبل وصولها، بدل ترك الراكب يواجه الموقف وحده عند فتح الأبواب. وهو مثال على توظيف المعلومات لتحسين إمكانية الولوج إلى خدمة عامة.
وتضمنت المحطات أيضًا إرشادات صوتية موجهة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، إلى جانب معلومات بلغات مختلفة. وهذه الخدمات تجعل التواصل أقل اعتمادًا على الشاشات التي قد يصعب استخدامها بالنسبة إلى بعض الركاب.
لكن سهولة الولوج لا تبدأ داخل المحطة وتنتهي عند باب الحافلة. فالاستفادة الحقيقية تحتاج إلى أرصفة سالكة، ومعابر آمنة، ومركبات مناسبة، وإجراءات تشغيل تضمن وصول الركاب إلى وجهاتهم دون عوائق.
ولهذا لا يكفي تجهيز محطة واحدة بأدوات متطورة إذا ظلت بقية الرحلة غير ميسرة. فالمدينة الشاملة هي التي تنظر إلى التنقل بوصفه سلسلة متكاملة، تبدأ من المنزل وتمتد إلى الرصيف والمحطة والمركبة والوجهة النهائية.
التكنولوجيا والراحة.. علاقة تحتاج إلى تقييم
تقدم المحطات الذكية خدمات يمكن أن تحسن ظروف الانتظار، لكنها تثير أيضًا أسئلة بشأن الكلفة والتشغيل. فالتكييف وتنقية الهواء والشاشات والأجهزة الإلكترونية تحتاج إلى كهرباء وصيانة ومراقبة تقنية منتظمة.
وقد حاولت سيول معالجة جزء من هذه المسألة باستعمال ألواح شمسية وتجهيزات منخفضة الاستهلاك، إلى جانب أنظمة لمتابعة الطاقة المستخدمة. غير أن وجود هذه الحلول لا يعني أن المحطات مكتفية ذاتيًا من الكهرباء أو أن تشغيلها لا يترتب عليه إنفاق إضافي.
كما تطرح تجهيزات السلامة والمراقبة بالكاميرات ضرورة حماية البيانات واحترام خصوصية المستخدمين. فالأمن داخل الفضاء العام يحتاج إلى ضوابط واضحة بشأن جمع المعلومات واستعمالها والاحتفاظ بها.
وكانت بلدية سيول قد أعلنت أن المرحلة التجريبية ستُستخدم لدراسة التكاليف والفوائد وشكاوى المستخدمين، قبل اتخاذ قرارات التوسع. وهذا جانب مهم من التجربة، لأن المشروع الحضري لا يُقاس بجاذبية تصميمه وحدها، وإنما بنتائجه وقابلية استمراره.
هل تصلح التجربة للمدن المغربية؟
تطرح محطات سيول أسئلة عملية بالنسبة إلى مدن مغربية تواجه تحديات في النقل العمومي. ففي الدار البيضاء والرباط وطنجة وفاس ومراكش، تختلف ظروف الانتظار بحسب موقع المحطة والخط والحي. وقد يواجه الركاب الشمس أو المطر أو نقص المعلومات، خصوصًا في المحطات محدودة التجهيز.
لكن نقل التجربة الكورية لا يقتضي بالضرورة بناء محطات مغلقة ومكيفة في جميع الشوارع. فقد تكون الأولوية في بعض المواقع لتوفير مظلات مناسبة ومقاعد آمنة ومعلومات دقيقة عن مواعيد الحافلات.
وفي المدن الأكثر حرارة، يمكن دراسة تصميم محطات توفر الظل والتهوية الطبيعية، مع استعمال تجهيزات إضافية في المواقع التي تحتاج إليها فعلًا. كما ينبغي مراعاة كلفة المياه والطاقة والصيانة عند اختيار الحلول.
أما بالنسبة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة، فإن التجربة تقدم فكرة تستحق اهتمامًا خاصًا. فزر الإبلاغ المسبق عن الحاجة إلى حافلة منخفضة الأرضية، والإرشاد الصوتي، والشاشات الواضحة، كلها حلول يمكن دراستها ضمن منظومة نقل متكاملة.
غير أن تطبيقها يحتاج إلى اختبار ميداني مع المستفيدين أنفسهم، حتى لا تصبح الخدمات المخصصة لهم مجرد إضافات شكلية. فالأشخاص الذين يستعملون الكراسي المتحركة أو يعتمدون على الإرشاد الصوتي هم الأقدر على تحديد العوائق التي تواجههم في التنقل اليومي.
من الابتكار التقني إلى الحق في المدينة
تكشف تجربة سيول عن تحول في الطريقة التي يمكن بها فهم المدينة الذكية. فالمشروع لا يتعلق بخوارزمية تدير مدينة كاملة، ولا بمنصة تجمع أكبر عدد ممكن من البيانات. إنه تدخل محدود في مرفق يومي، لكنه يحاول معالجة صعوبات ملموسة يعيشها الركاب.
وهنا تظهر العلاقة بين التكنولوجيا والعدالة الحضرية. فقد يستفيد جميع المستخدمين من تحسين ظروف الانتظار، بينما تكون بعض الخدمات أكثر أهمية للأشخاص الذين يواجهون عوائق إضافية في الحركة أو التواصل.
ومع ذلك، فإن نجاح الابتكار لا يتحدد بمجرد توفير التجهيزات. فالمحطات تحتاج إلى الصيانة وتحديث المعلومات، كما ينبغي تقييم مدى استفادة الفئات المختلفة منها. ولا يمكن اعتبار التجربة حلًا شاملًا لمشكلات النقل، لأنها تعالج جزءًا محددًا من الرحلة.
بالنسبة إلى المدن العربية، تكمن أهمية النموذج في تغيير السؤال الذي يوجه الاستثمار. فبدل البحث دائمًا عن أحدث الأجهزة، يمكن البدء بتحديد الصعوبات التي يواجهها السكان، ثم اختيار الوسائل المناسبة لمعالجتها.
فالراكب الذي ينتظر الحافلة تحت الشمس يحتاج إلى الظل قبل الشاشة العملاقة. والشخص الذي يستعمل كرسيًا متحركًا يحتاج إلى رصيف مناسب ومركبة يمكنه الصعود إليها، قبل أي خدمة رقمية إضافية.
بهذا المعنى، لا تصبح المدينة ذكية بكثرة ما تعرفه عن سكانها، بل بقدرتها على فهم احتياجاتهم والاستجابة لها. وربما يكون الدرس الأهم من تجربة سيول أن الابتكار الحضري يبدأ أحيانًا من مكان صغير، مثل محطة حافلات، لكنه يستطيع أن يفتح نقاشًا واسعًا حول الحق في التنقل والراحة والكرامة داخل المدينة.


