استمع إلى المقال4 دقائق تقريباً

في الدرب الأصفر، على بعد خطوات من شارع المعز في القاهرة القديمة، يقف بيت السحيمي منذ عام 1648. ادخل إليه في ظهيرة صيف خانقة، وستلاحظ أمرًا غريبًا: الهواء في الداخل أخف، والضوء أهدأ، والضجيج بعيد. لا مكيّف هنا ولا مروحة. هناك فقط خشب مشبّك يغطي النوافذ، وفناء مفتوح على السماء.

هذا الخشب المشبّك اسمه المشربية. وهي، مع شقيقها الملقف، من أذكى ما أنتجته العمارة العربية في مواجهة الحر.

 المشربية: ترى ولا تُرى

تبدو المشربية للوهلة الأولى قطعة زينة. غير أنها في الحقيقة جهاز مناخي واجتماعي في آن واحد. فهي نافذة بارزة من خشب الخرط، تتشابك فيها قطع صغيرة لتصنع شبكة كثيفة.

تؤدي هذه الشبكة ثلاث وظائف معًا. أولًا، تكسر أشعة الشمس المباشرة، فتخفف الوهج والحرارة. ثانيًا، تترك الهواء يمر عبر فتحاتها الصغيرة. ثالثًا، تحفظ خصوصية أهل البيت، إذ يرى الجالس خلفها الشارع دون أن يراه المارة.

ولم تكن المشربية حكرًا على القاهرة. فهي تحمل أسماء مختلفة في أرجاء العالم العربي، منها الروشان والشناشيل. وفي كل مدينة، تكيّفت مع خشبها وحرفييها وطبيعة شوارعها.

الملقف: برج يصطاد الريح

إذا كانت المشربية تحجب الشمس، فإن الملقف يجلب الهواء. والملقف برج يرتفع فوق سطح البيت، وتنفتح فوهته نحو الرياح السائدة. يلتقط الهواء الأبرد في الأعلى، ثم يدفعه نحو القاعات في الأسفل.

يعرفه أهل مصر باسم الملقف، بينما يسميه أهل الخليج البارجيل. وفي حي الفهيدي التاريخي بدبي، لا تزال هذه الأبراج تطل على الأزقة. والطريف أنها تعمل حتى حين يسكن الهواء. ففي هذه الحالة، تتحول إلى مدخنة شمسية يصعد منها الهواء الساخن إلى الخارج.

 الحي كله يتنفس

لم تكن هذه الحلول قطعًا معزولة، بل جزءًا من منطق كامل للمدينة. فالأزقة الضيقة تظلل نفسها، والبيوت تلتف حول أفنية داخلية، والجدران السميكة تختزن برودة الليل. ويعرف كل من سار في دروب فاس أو مراكش هذا الإحساس جيدًا.

وقد قاس الباحثون هذا المنطق بالأرقام. ففي دراسة نشرتها مجلة «رينيوابل إنرجي» في 2013، قارنت الباحثة دانة طالب والمهندس بسام أبو حجلة، من الجامعة البريطانية في دبي، بين حي البستكية القديم وتخطيط شبكي حديث. اعتمدت الدراسة على المحاكاة الحاسوبية. وفي يوم ساكن من يونيو، سجّل الحي القديم 34.9 درجة، مقابل 36.6 درجة في التخطيط الشبكي.

قد يبدو الفارق صغيرًا. لكن أبو حجلة يوضح أن درجتين تكفيان لرفع حمل التبريد في المباني بشكل ملحوظ، ولجعل المشي في الشارع أصعب. وحين يهجر الناس الرصيف، يركبون السيارات، فترتفع الانبعاثات بدورها.

حسن فتحي: الدرس الذي لم يُستوعب

في منتصف القرن العشرين، حاول المعماري المصري حسن فتحي أن يعيد هذه الحلول إلى الحياة. ففي عام 1945، كُلّف بتصميم قرية القرنة الجديدة قرب الأقصر. بناها بالطوب اللبن، وزوّد بيوتها بالملاقف والمشربيات والقاعات الباردة.

ثم روى التجربة في كتابه الشهير، الذي صدر بالإنجليزية عام 1973 بعنوان «عمارة الفقراء». ومع ذلك، لم تنجح القرية كما أراد. فقد رفض جزء من السكان التهجير، ثم عدّلوا البيوت لاحقًا بعيدًا عن تصوره. واعترف فتحي نفسه بأن التجربة فشلت.

غير أن الفشل الاجتماعي لا يلغي الفكرة المعمارية. بل يذكّر بأن الحل المناخي لا ينجح إذا فُرض على الناس من فوق.

عودة بلغة الحاسوب

اليوم، تعود المشربية من باب لم يتوقعه أحد: باب التكنولوجيا. ففي أبوظبي، يحيط برجي البحر غلاف من 2098 وحدة تظليل متحركة، صممها مكتب «إيداس» على هيئة مشربية حديثة. تنفتح الوحدات وتنغلق تبعًا لحركة الشمس، ويقدّر مصمموها أنها تخفض الكسب الحراري الشمسي بنحو 50 في المئة.

لم تعد العودة ترفًا جماليًا. ففي بعض بلدان الشرق الأوسط، يستهلك التبريد أكثر من ثلثي الطلب على الكهرباء في ساعات الذروة الحارة. وفي المملكة العربية السعودية وحدها، يستحوذ التكييف على نحو 70 في المئة من استهلاك الكهرباء السنوي.

ماذا نتعلم؟

الدرس ليس أن نعود إلى الخشب والطين حرفيًا. فالمدن تغيرت، وكذلك أنماط العيش. لكن الدرس الحقيقي أعمق من الشكل: صمّم البيت مع المناخ، لا ضده.

لقد بنت مدننا الحديثة واجهات زجاجية في قلب الصحراء، ثم دفعت ثمنها كهرباء وتلوثًا. في المقابل، كانت المشربية والملقف يحلّان المشكلة قبل أن تبدأ. وربما حان الوقت كي يجلس المعماري العربي مجددًا خلف مشربية بيت السحيمي، ويتأمل الشارع بعين جديدة.