في عمارة قديمة بوسط القاهرة، تدفع أسرة منذ عقود إيجارًا شهريًا لا يكفي اليوم ثمنًا لوجبة واحدة. في الطابق الأرضي، يقيم المالك في شقة أصغر، ويتساءل منذ سنوات لماذا لا تكفيه عمارته حتى لترميم سلّمها. هذه ليست قصة أسرة واحدة، بل خلاصة ملف ظل مفتوحًا في مصر أكثر من خمسين عامًا. واليوم، يعيد قانون الإيجار القديم الجديد ترتيبه من الأساس.
من أين بدأت الحكاية؟
تعود جذور النظام إلى منتصف القرن العشرين. ففي عام 1969، أرسى القانون 52 وتعديلاته اللاحقة ما يعرفه المصريون اليوم باسم «الإيجار القديم». جمّدت هذه القوانين القيمة الإيجارية لسنوات طويلة، وجعلت العقد يمتد عمليًا بلا نهاية، بل ينتقل أحيانًا إلى الأبناء.
كانت الفكرة في البداية حماية المستأجر من جشع السوق. غير أن الزمن قلب المعادلة. فقد فقدت الإيجارات قيمتها مع التضخم، بينما بقيت العقود قائمة. لذلك صار المالك يملك العقار على الورق، ولا يملك قراره في الواقع.
كم شقة؟ وكم أسرة؟
تكشف أرقام تعداد 2017، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حجم الملف. فقد بلغ عدد الوحدات المؤجرة بنظام الإيجار القديم 3,019,662 وحدة، تشمل الشقق والمحلات والجراجات. وأكثر من نصفها، أي نحو 1.6 مليون وحدة، تسكنها أسر.
بعبارة أخرى، يعيش في هذه الشقق نحو 6 ملايين مصري. والأهم أن ثلثي هذه الأسر تقريبًا، أي نحو 1.1 مليون أسرة، يقيم في القاهرة الكبرى. لذا فالقانون ليس شأنًا عقاريًا فحسب، بل قضية عمرانية تمس قلب العاصمة.
وفي المقابل، ثمة وجه آخر للأزمة. ففي أكتوبر 2023، لفت الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى وجود مليوني وحدة سكنية مغلقة وغير مستغلة بسبب هذا النظام. شقق مقفلة منذ سنوات، يحتفظ بها مستأجرون يقيمون في مكان آخر، لأن الإيجار زهيد إلى حد لا يستحق التخلي عنه.
ماذا يقول القانون 164 لسنة 2025؟
أقرّ مجلس النواب التعديلات في 2 يوليو 2025، وصادق عليها الرئيس في 4 أغسطس من العام نفسه. وتقوم على ثلاثة أعمدة.
أولًا، فترة انتقالية: سبع سنوات للوحدات السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية. وبعدها تنتهي العقود القديمة، وتخضع العلاقة للقانون المدني والاتفاق الحر بين الطرفين.
ثانيًا، زيادة فورية حسب تصنيف المنطقة. ففي المناطق المتميزة، تصبح الأجرة عشرين ضعف قيمتها، بحد أدنى 1000 جنيه شهريًا. أما في المناطق المتوسطة والاقتصادية، فتتضاعف عشر مرات، بحد أدنى 400 و250 جنيهًا على التوالي.
ثالثًا، زيادة سنوية بنسبة 15 في المئة طوال الفترة الانتقالية. وقد بدأ تطبيق أولى هذه الزيادات في سبتمبر 2026.
ولتصنيف المناطق، شكّلت المحافظات لجان حصر ميدانية، مُدّد عملها حتى فبراير 2026. ثم صار على كل أسرة أن تعرف في أي فئة صُنّف حيّها.
السكن البديل: وعد بالأولوية
يدرك المشرّع أن السؤال الأصعب يبدأ بعد السنوات السبع. لذلك منح القانون المستأجرين أولوية في مشاريع الإسكان الحكومية المعلنة خلال الفترة الانتقالية، بشرط أن يتعهدوا بتسليم وحداتهم القديمة.
وفي يناير 2026، فتح البريد المصري باب التسجيل في مبادرة «السكن البديل» عبر 500 مكتب. ثم قرر مجلس الوزراء تمديد تلقي الطلبات حتى 12 أكتوبر 2026، لإتاحة فرصة إضافية للمترددين.
غير أن «الأولوية» ليست «ضمانًا». فكثير من المستأجرين كبار في السن، ارتبطت حياتهم بالحي والجيران والمسجد والسوق. ونقلهم إلى مدن جديدة على أطراف القاهرة قد يحل مشكلة السكن، لكنه يخلق مشكلة اقتلاع.
أين يتركز الخلاف؟
لا يعترض كثيرون على رفع الإيجار في حد ذاته. فالمنتقدون يرون أن جوهر الخلاف هو الإخلاء الإلزامي بعد سبع سنوات. ولهذا بدأ بعض أعضاء مجلس النواب الجديد تحركات للمطالبة بتعديل هذا البند تحديدًا.
ثم إن التطبيق نفسه أفرز مشكلات. فقد استغل بعض الملاك غموض التصنيف في البداية، وطالبوا مستأجريهم بعشرين ضعفًا قبل صدور نتائج اللجان. كما تتحدث مصادر برلمانية عن عودة ملف الوحدات المغلقة والسكن البديل إلى مجلس النواب.
ما الذي يعنيه ذلك للمدينة؟
من زاوية عمرانية، قد يكون القانون فرصة نادرة. فالإيجارات المجمدة تركت عمارات تاريخية بلا صيانة لعقود، لأن المالك لا يجد ما يرمم به. وإذا عادت الحياة الاقتصادية إلى هذه المباني، فقد تعود إليها الصيانة والترميم أيضًا. كما قد تعود إلى السوق آلاف الشقق المغلقة.
لكن الخطر قائم أيضًا. فإذا تحولت الشقق المحررة إلى سلع للمضاربة أو للكراء القصير، فقد تفرغ أحياء وسط القاهرة من سكانها الأصليين، دون أن تستفيد منها الأسر المتوسطة.
لهذا، لن يُقاس نجاح القانون بعدد العقود المنتهية في 2032. بل سيقاس بسؤال أبسط: هل بقيت القاهرة مدينة يستطيع أهلها العيش في قلبها؟


