استمع إلى المقال4 دقائق تقريباً

في المدن العربية، يعرف الجميع طقس الإدارة: صورة شمسية، ونسخة مصادق عليها، وطابور طويل، ثم عبارة مألوفة: «عُد غدًا، الموظف المسؤول غائب». أما في تالين، عاصمة إستونيا الصغيرة على بحر البلطيق، فقد صار هذا المشهد من الماضي. فمنذ دجنبر 2024، أعلنت الدولة أن جميع خدماتها الحكومية متاحة عبر الإنترنت، دون استثناء.

المدينة الذكية تبدأ من الإدارة

حين نسمع عبارة «المدينة الذكية»، نتخيل غالبًا أعمدة إنارة متصلة بالشبكة، وكاميرات ترصد حركة السير، ولوحات رقمية في الشوارع. غير أن تجربة تالين تقترح تعريفًا أبسط وأعمق: المدينة الذكية هي التي لا تُضيّع وقت سكانها.

وكانت آخر خدمة التحقت بالفضاء الرقمي هي الطلاق، أكثر الإجراءات حساسية وتعقيدًا. وقد قُدّم 53 في المئة من طلبات الطلاق إلكترونيًا في الشهر الأول وحده. ومع ذلك، لا يزال القانون يشترط لقاءً واحدًا حضوريًا مع موظف لإتمام العملية. أي أن الرقمنة لم تلغِ الإنسان، بل أزالت الأوراق من طريقه.

ولا يقتصر الأمر على الطلاق. فالأرقام الرسمية تفيد بأن 85 في المئة من تسجيلات المواليد، و56 في المئة من طلبات الزواج، تُنجز اليوم عبر الإنترنت.

 السر ليس في التطبيقات

كيف وصلت دولة صغيرة، خرجت من الحقبة السوفياتية مطلع التسعينيات، إلى هذه المرحلة؟ الجواب ليس في كثرة التطبيقات، بل في البنية الخفية تحتها.

ففي مطلع الألفية، أطلقت إستونيا منصة «إكس رود»، وهي طبقة تبادل بيانات آمنة تربط قواعد بيانات الإدارات المختلفة. والفكرة بسيطة وذكية: لا توجد قاعدة بيانات مركزية ضخمة يمكن اختراقها دفعة واحدة. بل تتحدث الإدارات فيما بينها مباشرة، فلا يُطلب من المواطن تقديم المعلومة نفسها مرتين.

ثم جاءت بطاقة الهوية الرقمية والتوقيع الإلكتروني في 2002. ومنذ ذلك الحين، صار المواطن يوقّع العقود ويصادق على الوثائق بشفرة سرية، بدل التنقل إلى المقاطعة. وتقدّر الجهات الإستونية أن الإدارة اللاورقية توفر على البلاد نحو 2 في المئة من ناتجها الداخلي سنويًا.

صوت انتخابي من غرفة الجلوس

تذهب إستونيا أبعد من الخدمات اليومية. فمنذ 2005، يستطيع المواطنون التصويت عبر الإنترنت في الانتخابات الوطنية. وفي الانتخابات التشريعية لعام 2023، تجاوز التصويت الإلكتروني الورقي لأول مرة، إذ صوّت 51 في المئة من المقترعين عبر الشاشة.

غير أن هذه التجربة لا تخلو من انتقادات. فمراقبو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا عبّروا في كل انتخابات تشريعية عن تحفظات تتعلق بقابلية التحقق من النظام. وهذه ملاحظة جديرة بالانتباه: فالثقة الرقمية لا تُبنى بالشعارات، بل بالشفافية والرقابة المستقلة.

 النقل المجاني: المدينة تعيد حساباتها

لا تقف ذكاء تالين عند الإدارة. ففي فاتح يناير 2013، صارت أول عاصمة أوروبية تجعل النقل العمومي مجانيًا لسكانها المسجلين، بعد استفتاء محلي صوّت فيه نحو ثلاثة أرباع المشاركين لصالح القرار.

وكانت النتيجة مفاجئة اقتصاديًا. فقد سجّل أكثر من عشرة آلاف شخص أنفسهم سكانًا للمدينة خلال 2013، أي قرابة ثلاثة أضعاف العام السابق. والسبب أن ضرائب الدخل تذهب إلى البلدية التي يقيم فيها المواطن رسميًا. وتقدّر إدارة النقل في تالين أن كل ألف ساكن جديد يجلب نحو مليون يورو إلى ميزانية المدينة.

بعبارة أخرى، استخدمت تالين المجانية أداة سياسية ذكية: خدمة مغرية، مقابل تسجيل رسمي يقوّي موارد المدينة.

 وماذا عن المدن العربية؟

لم تعد الرقمنة ترفًا في العالم العربي. ففي المغرب مثلًا، أُطلقت في 25 شتنبر 2024 استراتيجية «المغرب الرقمي 2030». ومن أهدافها المعلنة نقل المملكة من المرتبة 113 إلى المرتبة 50 عالميًا في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية.

لكن تجربة تالين تقدم ثلاثة دروس قبل أي استثمار تقني.

أولًا، البنية قبل الواجهة. فلا فائدة من بوابة إلكترونية جميلة إذا كانت الإدارات لا تتبادل البيانات فيما بينها، فيُطلب من المواطن تحميل الوثيقة نفسها في كل مرة.

ثانيًا، الهوية الرقمية الموحدة. فحين يملك كل مواطن مفتاحًا رقميًا واحدًا وموثوقًا، تتحول عشرات الإجراءات إلى نقرات معدودة.

ثالثًا، الثقة. فالمواطن لن يسلّم معطياته لإدارة لا يثق بها. لذلك تحتاج الرقمنة إلى قوانين صارمة لحماية البيانات، وإلى حق المواطن في معرفة من اطّلع على ملفه.

 خلاصة

ليست تالين مدينة عملاقة، ولا تملك ثروات نفطية. ومع ذلك، صارت مرجعًا عالميًا لأنها طرحت سؤالًا بسيطًا: لماذا يتنقل المواطن إذا كانت المعلومة قادرة على التنقل بدلًا منه؟

وربما يكون هذا هو التعريف الحقيقي للمدينة الذكية: مدينة تجعل الطابور ذكرى، لا قدرًا يوميًا.