لا تنشأ الانتفاضات بالضرورة في اللحظة التي يبلغ فيها الظلم أقصى درجاته، ولا تتحول المعاناة الاجتماعية تلقائياً إلى فعل جماعي بمجرد اتساع الفقر أو اشتداد القمع. فقد تستمر مجتمعات في احتمال أوضاع قاسية لعقود، قبل أن يحدث تحول يجعل ما كان مألوفاً بالأمس غير مقبول اليوم. وبين استمرار الخضوع وبداية الرفض، تتشكل منطقة معقدة من المشاعر والذكريات والرغبات، يصعب تفسيرها بالأدوات السياسية والاقتصادية وحدها.
في هذه المنطقة تحديداً يتحرك المشروع الفلسفي لجورج ديدي-هوبرمان، الذي يحاول إعادة التفكير في الانتفاضة من داخل التجربة الإنسانية نفسها. فالإنسان الذي يرفع رأسه بعد سنوات من الانحناء لا يستجيب فقط لظرف سياسي طارئ، بل يستعيد قدرة كانت محاصرة على تخيل حياة مختلفة. ومن هنا يصبح العصيان، قبل أن يتحول إلى موقف سياسي معلن، تعبيراً عن رغبة في استعادة المبادرة والكرامة والقدرة على الفعل.
يقدم ديدي-هوبرمان هذه الإشكالية في كتابه Désirer désobéir. Ce qui nous soulève, 1، الصادر سنة 2019 عن دار Éditions de Minuit في 688 صفحة، متضمناً 84 صورة توضيحية. ويصف الناشر العمل بأنه بحث في ظاهراتية الانتفاض وأنثروبولوجيته وشعريته، من خلال العلاقة الجدلية بين الجسد والنفس والرغبة والذاكرة.
حين تتحول المعاناة إلى رغبة في الرفض
تكمن خصوصية هذا المشروع في أنه لا يبدأ من الثورة باعتبارها حدثاً سياسياً مكتملاً، وإنما من اللحظة التي يصبح فيها احتمال الواقع أكثر صعوبة من الاعتراض عليه. فالخضوع ليس دائماً نتيجة اقتناع بالنظام القائم، كما أن غياب الاحتجاج لا يعني بالضرورة غياب الرفض. وقد تستمر الرغبة في التغيير داخل المجتمع دون أن تجد الأشكال التنظيمية أو الرمزية التي تسمح لها بالظهور.
لا يقدم هذا التفسير بديلاً عن التحليل الاجتماعي، بل يلفت الانتباه إلى حدوده عندما يعجز عن تفسير التفاوت بين حجم المعاناة ومستوى التعبئة. فالفقر قد يكون واسع الانتشار دون أن ينتج حركة احتجاجية، بينما تستطيع واقعة محددة أن تفتح المجال أمام تراكمات لم تكن ظاهرة في الحياة العامة.
تكتسب الرغبة هنا معنى يتجاوز الحاجة المباشرة إلى تحسين شروط العيش. إنها قدرة الإنسان على تصور ما ليس موجوداً بعد، وعلى رفض اختزال المستقبل في استمرار الحاضر. ولذلك تبدو العلاقة بين الرغبة والعصيان وثيقة، لأن الاعتراض على واقع معين يفترض، ولو بصورة أولية، إمكانية التفكير في واقع آخر.
لكن هذا التصور يطرح صعوبة نظرية لا ينبغي تجاهلها. فالرغبة لا تمتلك مضموناً سياسياً ثابتاً، وقد تتجه نحو التحرر مثلما يمكن توظيفها في مشاريع سلطوية. وما يجعل الانتفاضة جديرة بالتقييم ليس مجرد وجود طاقة جماعية رافضة، بل طبيعة الغايات التي تسعى إليها والوسائل التي تعتمدها.
الجسد والذاكرة: السياسة خارج المؤسسات
يعطي ديدي-هوبرمان أهمية خاصة لحركات الجسد باعتبارها تعبيراً عن علاقة الإنسان بالسلطة والتاريخ. فرفع الرأس، واستعادة الصوت، والاجتماع مع الآخرين، ليست مجرد صور بلاغية للرفض؛ إنها أيضاً أشكال محسوسة ينتقل عبرها الفرد من العزلة إلى المشاركة.
ويتضح هذا الاهتمام في تقديم الكتاب، حيث يتتبع المؤلف انتقال الإنسان من احتمال الإذلال إلى استعادة القدرة على النظر والكلام والتخيل والعمل. ولا يتعلق الأمر، في هذا المستوى، بتفسير مؤسسات الحكم بقدر ما يتعلق بفهم التجربة التي تجعل مقاومة الخضوع ممكنة.
تدخل الذاكرة في هذه العملية باعتبارها أكثر من سجل للأحداث الماضية. فالتجارب التي عاشتها الأجيال السابقة يمكن أن تستمر داخل الصور والقصص والإشارات والطقوس الجماعية، لتمنح الحاضر معاني لم تكن واضحة قبل لحظة التعبئة.
وتسمح هذه الفكرة بفتح حوار مع والتر بنيامين، الذي منح الذاكرة التاريخية دوراً أساسياً في مساءلة الروايات المنتصرة للتاريخ. غير أن التقاطع بين المفكرين لا يعني التطابق؛ فديدي-هوبرمان يولي عناية خاصة للصور والإيماءات والتجربة الحسية، بينما يرتبط مشروع بنيامين بنقد أوسع لفكرة التقدم التاريخي وعلاقة الماضي بالحاضر.
الصورة ليست شاهداً بريئاً على التاريخ
لا تنفصل فلسفة الانتفاض عند ديدي-هوبرمان عن مشروعه الطويل في تاريخ الفن وفلسفة الصورة. وقد ظهر هذا الترابط بوضوح في معرض Soulèvements الذي أشرف عليه بمركز Jeu de Paume في باريس، بين 18 أكتوبر 2016 و15 يناير 2017، حيث اجتمعت أعمال فنية وصور ووثائق وأفلام تبحث في تمثيل الشعوب والحركات الجماعية.
تتيح الصورة، وفق هذا المنظور، إمكانية الاحتفاظ بآثار أحداث قد تختفي من الذاكرة الرسمية أو تتعرض لإعادة التأويل. غير أن حضورها لا يضمن وحده معرفة الحقيقة، لأن كل صورة تتحدد بزاوية تصويرها واللحظة التي التقطت فيها والسياق الذي يعاد عرضها داخله.
ومن هنا تبرز مسؤولية الصحافة، خصوصاً في زمن الانتشار السريع للمحتوى البصري. فقد تتحول صورة احتجاج محلي إلى رمز عالمي، بينما تظل الظروف الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها مجهولة لدى معظم من يتداولونها. كما أن الصورة التي تختزل حركة واسعة في مشهد واحد قد تمنح الجمهور انطباعاً مضللاً عن طبيعتها وتنوع المشاركين فيها.
إن القيمة النقدية لهذه المقاربة لا تكمن في تقديس الصورة، وإنما في التعامل معها بوصفها وثيقة تحتاج إلى قراءة تاريخية وسياسية. فالمشهد المرئي يكشف جانباً من الواقع، لكنه لا يعفي الباحث من فحص ما يقع خارج الإطار، ولا من مساءلة الجهة التي أنتجت الصورة والغاية من نشرها.
من فلسفة الانتفاض إلى الحق في المدينة
يمكن توسيع هذا النقاش نحو المجال الحضري، حيث تتخذ العلاقة بين الأفراد والسلطة أشكالاً ملموسة داخل الشوارع والساحات والأحياء. فالمدينة ليست مجرد خلفية جغرافية للاحتجاجات، وإنما فضاء تتوزع فيه الموارد والحقوق وإمكانات الظهور الاجتماعي بصورة غير متكافئة.
وهنا تتيح المقارنة مع هنري لوفيفر، صاحب مفهوم «الحق في المدينة»، أفقاً تفسيرياً مهماً. فإذا كان لوفيفر يربط هذا الحق بإعادة امتلاك السكان لإمكانات إنتاج الفضاء الحضري وتغييره، فإن قراءة ديدي-هوبرمان تساعد على التفكير في المشاعر والذكريات والصور التي قد تدفع السكان إلى المطالبة بهذا الحق.
غير أن الربط بين المشروعين يظل قراءة تحليلية نقترحها، وليس أطروحة ينبغي نسبتها مباشرة إلى كتاب ديدي-هوبرمان. فموضوعه الأساسي هو القدرة الإنسانية على الانتفاض، بينما ينشغل لوفيفر بالبنية الاجتماعية والسياسية لإنتاج المجال الحضري.
وتظهر أهمية هذا التقاطع في المدن التي تتسع فيها الفجوة بين التحولات العمرانية والحاجات اليومية للسكان. فقد تتحسن بعض المؤشرات المتعلقة بالبنية التحتية والاستثمار، دون أن ينعكس ذلك بصورة متكافئة على السكن والنقل والخدمات والقدرة على المشاركة في القرارات المحلية.
وفي هذه الحالات، لا يكون الاعتراض على مشروع عمراني أو خدمة عمومية مجرد احتجاج قطاعي بالضرورة، بل قد يعكس شعوراً أعمق بعدم الاعتراف أو ضعف المشاركة. ومع ذلك، فإن تفسير كل حركة محلية باعتبارها انتفاضة سياسية سيكون تعميماً غير دقيق، لأن دوافع السكان ومطالبهم تختلف باختلاف السياقات والمؤسسات.
حدود الانتفاضة: لماذا لا يكفي العصيان لتغيير العالم؟
تطرح فلسفة ديدي-هوبرمان إشكالاً أساسياً يتعلق بالفارق بين القدرة على الرفض والقدرة على البناء. فالتخلص من الخوف أو استعادة الصوت الجماعي لا يؤديان تلقائياً إلى نشوء مؤسسات أكثر عدالة، كما أن اتساع المشاركة في الاحتجاج لا يضمن الاتفاق على البدائل السياسية والاجتماعية.
قد تنجح حركة احتجاجية في زعزعة شرعية وضع قائم، لكنها تواجه صعوبات عندما تنتقل إلى مرحلة التفاوض أو التنظيم أو إدارة الاختلافات الداخلية. وقد تسمح التحولات الناتجة عنها بصعود قوى لا تتبنى بالضرورة المطالب التي أطلقت التعبئة الأولى.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى الجمع بين فلسفة العواطف والتحليل المؤسسي والاقتصاد السياسي. فالأولى تساعد على فهم الطاقة الإنسانية التي تجعل الرفض ممكناً، بينما يفسر الثاني الشروط التي تحدد فرص تحوله إلى تغيير مستدام.
كما ينبغي الحذر من إضفاء قيمة إيجابية مسبقة على كل انتفاضة. فالغضب الجماعي قد يستند إلى مطالب عادلة، لكنه قد يتخذ أيضاً أشكالاً إقصائية أو يساهم في إعادة إنتاج علاقات السيطرة. لذلك لا يمكن تقييم الحركات الاجتماعية بمعزل عن أهدافها وممارساتها وآثارها على الحقوق والحريات.
ما الذي يبقى عندما تنتهي الانتفاضة؟
تكمن إحدى الإضافات الفكرية المهمة في مشروع ديدي-هوبرمان في النظر إلى الانتفاضات من زاوية ما تتركه داخل الذاكرة، وليس فقط من خلال نجاحها أو فشلها المباشر. فالحركات الجماعية قد تغير اللغة السياسية والصور المتداولة وحدود الممكن اجتماعياً، حتى عندما لا تحقق جميع أهدافها.
لكن استمرار الأثر الرمزي لا ينبغي أن يحجب الكلفة الاجتماعية والسياسية التي قد ترافق بعض التحولات. فالمجتمعات لا تعيش بالرموز وحدها، كما أن الذاكرة لا تعوض الحقوق والمؤسسات والخدمات التي يحتاج إليها الأفراد في حياتهم اليومية.
تساعدنا هذه القراءة على فهم الانتفاضة باعتبارها تجربة تتداخل فيها الرغبة بالذاكرة، والجسد بالصورة، والفرد بالجماعة. لكنها تذكرنا أيضاً بأن الانتقال من الاعتراض إلى بناء واقع مختلف يحتاج إلى أكثر من قوة المشاعر أو جاذبية الرموز.
في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية كتاب «الرغبة في العصيان» في تقديم إجابة نهائية عن أسباب الثورات، وإنما في إعادة طرح سؤال أكثر عمقاً حول قدرة الإنسان على رفض ما يبدو ثابتاً. وبين الرغبة في النهوض وصعوبة تغيير الواقع، تتحدد إحدى المفارقات الكبرى في التاريخ السياسي والاجتماعي: يستطيع الناس أن يتخيلوا عالماً آخر قبل أن يمتلكوا الوسائل اللازمة لبنائه، لكن هذا الخيال نفسه قد يكون بداية التفكير في إمكان تغييره.
