استمع إلى المقال6 دقائق تقريباً

في السابعة صباحًا، حين تبدأ المدينة في الاستيقاظ، يكون المقهى الشعبي قد استقبل أول رواده. يجلس متقاعد أمام فنجان قهوته المعتاد، ويتوقف سائق سيارة أجرة قبل استئناف عمله، بينما يتصفح شاب هاتفه في انتظار خبر عن فرصة عمل. تبدو هذه الصورة مألوفة في أحياء مغربية كثيرة، حيث يحتفظ المقهى بمكانة تتجاوز وظيفته التجارية.

فالزبائن لا يأتون دائمًا من أجل القهوة. بعضهم يبحث عن صحبة مألوفة، وآخرون عن أخبار الحي أو فرصة للحديث. وبين الطاولات الصغيرة تتشكل علاقات يصعب قياسها، لكنها تمنح الحياة اليومية جزءًا من معناها الاجتماعي. وهكذا يصبح المقهى امتدادًا للبيت والشارع، ومكانًا يعيد إنتاج الروابط بين سكان المدينة.

المكان الثالث.. حين يحتاج المجتمع إلى فضاء للقاء

في كتابه «المكان الجيد العظيم» (The Great Good Place)، الصادر سنة 1989، قدم عالم الاجتماع الأمريكي راي أولدنبرغ مفهوم «المكان الثالث». وهو الفضاء الذي يوجد خارج البيت والعمل، ويتيح للناس الاجتماع بصورة غير رسمية، بعيدًا عن الالتزامات العائلية والمهنية.

اعتبر أولدنبرغ أن هذه الأماكن تؤدي دورًا مهمًا في الحياة الاجتماعية، لأنها تشجع اللقاءات المتكررة بين أفراد المجتمع المحلي. وقد تكون مقهى أو مكتبة أو ساحة أو محلًا مألوفًا، شريطة أن تسمح بتواصل مريح لا تحكمه إجراءات معقدة.

يقترب المقهى الشعبي المغربي من هذا التصور في جوانب عديدة. فهو يستقبل روادًا معتادين، ويتيح لقاءات عفوية، ويمنح بعض السكان فرصة للخروج من عزلة المنزل. كما أن تكرار الجلوس في المكان نفسه يصنع نوعًا من الألفة، حتى بين أشخاص لا تربطهم علاقات عائلية أو مهنية.

لكن هذه الوظيفة لا تتحقق تلقائيًا في كل مقهى. فدرجة الانفتاح تتأثر بالأسعار والموقع والعادات الاجتماعية وطبيعة الزبائن، فضلًا عن الطريقة التي يتعامل بها أصحاب المكان مع رواده.

من فنجان القهوة إلى الفضاء العمومي

يمنحنا الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس مدخلًا آخر لفهم المقهى. ففي كتابه «التحول البنيوي للفضاء العمومي»، الصادر سنة 1962، تناول نشوء فضاءات للنقاش في المجتمعات الأوروبية الحديثة. واهتم خصوصًا بالمقاهي والصالونات والجمعيات الأدبية، حيث التقى أفراد لمناقشة الشؤون الثقافية والسياسية.

لم تكن أهمية هذه الأماكن مرتبطة بالمشروبات التي تقدمها، بل بإمكان تداول الأفكار خارج المؤسسات الرسمية. فقد أسهم بعضها في ظهور أنماط جديدة من النقاش وتكوين الرأي العام، وإن ظلت المشاركة فيها محدودة اجتماعيًا خلال مراحل تاريخية مختلفة.

وفي المقهى المغربي نجد صورة محلية لهذا التفاعل، وإن اختلف سياقها التاريخي. فقد تتحول جلسة عادية إلى نقاش حول ارتفاع الأسعار أو خدمات الجماعة أو نتائج الانتخابات. كما يحضر النقاش الرياضي بقوة، خصوصًا خلال المباريات الكبرى.

ومن خلال هذه الأحاديث، تتداول آراء ومواقف تعكس اهتمامات جزء من سكان الحي. غير أن المقهى لا يمثل المجتمع كله، ولا يمكن اعتباره بديلًا عن المؤسسات المنتخبة. إنه بالأحرى فضاء غير رسمي تتشكل فيه تصورات الناس حول قضاياهم اليومية.

المقهى بوصفه شبكة اجتماعية غير مرئية

لا تتوقف أهمية المقهى عند تبادل الأخبار. ففي بعض الأحياء، يتحول إلى نقطة اتصال بين السكان وأصحاب المهن الصغيرة والباحثين عن العمل. وقد تنتقل عبر رواده معلومات عن فرصة شغل أو منزل للكراء أو خدمة يحتاجها أحد الجيران.

تنشأ هذه العلاقات من التردد المنتظم على المكان، ومن الثقة التي تتكون بمرور الوقت. فصاحب المقهى يعرف زبائنه المعتادين، ويلاحظ غياب بعضهم، وقد يتعرف من خلال أحاديثهم إلى مشكلات اجتماعية لا تظهر في المؤسسات الرسمية.

وبالنسبة إلى بعض المتقاعدين وكبار السن، يكتسب هذا الحضور معنى إضافيًا. فالمقهى يوفر فرصة للحفاظ على العلاقات اليومية، ويتيح لقاء وجوه مألوفة خارج حدود المنزل. وقد تكون التحية المتبادلة أو المشاركة في حديث جماعي كافية لتخفيف الإحساس بالعزلة.

لكن هذه الشبكات تظل غير متكافئة في قدرتها على المساعدة. فهي تعتمد على طبيعة العلاقات والموارد المتاحة، ولا تستطيع تعويض الخدمات الاجتماعية والمؤسسات العمومية.

سؤال الغائبين.. هل المقهى فضاء للجميع؟

رغم وظائفه الاجتماعية، لا يمكن النظر إلى المقهى الشعبي باعتباره فضاءً مفتوحًا للجميع دون تحفظ. ففي عدد من الأحياء المغربية، ظل المقهى التقليدي مرتبطًا بحضور الرجال أكثر من النساء. وتختلف هذه الصورة بين المدن والأحياء، كما تتأثر بالعادات ومستويات الدخل وطبيعة المكان.

تكشف هذه الملاحظة عن حدود مفهوم «المكان الثالث» نفسه. فالفضاء الذي يوفر الألفة لجماعة معينة قد لا يمنح الإحساس ذاته لجماعات أخرى. ولذلك ينبغي النظر إلى الانفتاح الاجتماعي بوصفه شرطًا أساسيًا، وليس مجرد خاصية نفترض وجودها.

ومن هنا تتجاوز المسألة حدود المقاهي إلى التخطيط الحضري. فالحدائق والمكتبات ودور الشباب والساحات العامة تستطيع توفير أماكن للقاء، دون اشتراط الاستهلاك التجاري. كما يمكن أن تمنح الأطفال والنساء وكبار السن فرصًا متكافئة نسبيًا للاستفادة من الحياة العامة.

إن المدينة التي تفتقر إلى هذه الفضاءات قد تدفع سكانها نحو العزلة، أو تجعل المشاركة في الحياة الاجتماعية مرتبطة بالقدرة على الإنفاق. وهذا يبرز أهمية إدراج أماكن اللقاء ضمن أولويات التخطيط المحلي.

حين تدخل الشاشات وتتغير عادات الجلوس

شهد المقهى الشعبي تحولات واضحة مع انتشار التلفزيون والهواتف الذكية. فقد أصبحت بعض المقاهي تعتمد على المباريات الرياضية لجذب الزبائن، بينما يتابع آخرون هواتفهم خلال الجلسات. وهكذا تتجاور الحياة الاجتماعية المباشرة مع أشكال جديدة من الانشغال الفردي.

وفي المقابل، تتوسع المقاهي الحديثة بتصاميم وخدمات وأسعار مختلفة، وتستقطب فئات جديدة من الزبائن. ولا يعني هذا بالضرورة اختفاء المقهى التقليدي، لكنه يعكس تنوع أنماط الاستهلاك والتواصل داخل المدينة.

فالهواتف قد تحد من الحوار أحيانًا، لكنها قد تكون أيضًا وسيلة لتبادل الأخبار وتنظيم اللقاءات. كما أن متابعة مباراة جماعية أمام شاشة كبيرة يمكن أن تعيد إنتاج شعور مؤقت بالانتماء، خصوصًا حين يتفاعل الرواد مع حدث واحد.

تتغير أشكال الاجتماع، إذن، دون أن تختفي الحاجة الإنسانية إلى الصحبة. ويبقى السؤال متعلقًا بقدرة المقهى على الاحتفاظ بوظيفته الاجتماعية وسط هذه التحولات.

المقهى والمدينة.. ما الذي ينبغي الحفاظ عليه؟

تمنحنا قراءة المقهى الشعبي فرصة لإعادة التفكير في مفهوم الفضاء الحضري. فالمدينة لا تتكون من المباني والطرق والخدمات وحدها، بل من العلاقات التي تنشأ بين سكانها. وبعض هذه العلاقات يحتاج إلى أماكن بسيطة، تتيح اللقاء المتكرر دون ترتيبات مسبقة.

لا تعني المحافظة على المقهى الشعبي تجميد شكله التقليدي أو تجاهل مشكلاته. بل تتطلب فهم دوره، وتوفير شروط أفضل للراحة والنظافة وإمكانية الوصول. كما تستدعي تطوير فضاءات عامة أخرى، حتى لا يبقى اللقاء الاجتماعي حكرًا على من يستطيع الجلوس في المقاهي.

وعندما نراقب رواد مقهى في طنجة أو فاس أو وجدة، يمكن أن نرى جانبًا من الحياة الحضرية لا تكشفه المخططات الهندسية. هناك تتشكل الصداقات، وتنتقل الأخبار، وتستمر علاقات الجوار رغم تغير المدينة.

وربما تكمن القيمة الأعمق للمقهى الشعبي في هذه الوظيفة الهادئة التي يمارسها كل يوم. فهو لا يصنع القرارات الكبرى، لكنه يساعد بعض السكان على ألا يصبحوا غرباء داخل أحيائهم. وتلك إحدى الوظائف التي تحتاجها المدينة حتى تظل مكانًا للعيش المشترك، لا مجرد تجمع للمباني والسكان.