فكر إريك فروم.. الحرية والحب والإنسان في المجتمع الحديث
يعتمد الاستماع على توفر صوت مناسب في متصفحك.

قراءات المدينة – إبراهيم الحشالي
كان إريك فروم مشغولاً بسؤال يبدو بسيطاً في ظاهره: لماذا لا تجعل الحرية الإنسان سعيداً بالضرورة؟ فقد أمضت البشرية قروناً وهي تقاوم السلطات التي تقيد الفرد، وتطالب بحقه في التفكير والاختيار وتقرير مصيره، حتى أصبح التحرر واحداً من أهم وعود الحداثة. غير أن القرن العشرين وضع أمام فروم مفارقة يصعب تجاهلها؛ ففي المجتمعات التي قطعت شوطاً بعيداً في تحرير الفرد من القيود القديمة، ظهر أيضاً استعداد لدى ملايين البشر للخضوع لسلطات شديدة القسوة.
من هذه المفارقة بدأ فروم بناء رؤيته للإنسان الحديث. لم يكن يريد أن يضيف تعريفاً فلسفياً جديداً للحرية بقدر ما أراد أن يفهم الإنسان الذي حصل عليها، ثم وجد نفسه وحيداً أمامها. فالتحرر من سلطة ما لا يخبر الإنسان بالضرورة كيف يعيش بعد زوالها، والاستقلال لا يمنحه تلقائياً معنى لحياته. وهكذا أصبحت الحرية عند فروم مشكلة نفسية واجتماعية في الوقت نفسه، ومنها امتد تفكيره إلى الحب والاستهلاك والعمل والعلاقات الإنسانية وطبيعة المجتمع الذي نصنعه ثم نعيش داخله.
بين فرويد وماركس.. البحث عن الإنسان داخل المجتمع
ولد إريك فروم في فرانكفورت سنة 1900، ودرس علم الاجتماع قبل أن يتجه إلى التحليل النفسي. وقد وجد نفسه في فضاء فكري يتقاطع فيه تأثير فرويد مع تأثير ماركس ومدرسة فرانكفورت، لكنه لم يتحول إلى تابع لأي واحد منهم. أخذ من فرويد فكرة أن الإنسان لا يعرف دائماً كل القوى التي تحركه، وأخذ من ماركس أن ظروف الحياة المادية والاجتماعية تؤثر بعمق في طريقة تفكير البشر وعلاقاتهم.
غير أن فروم رأى حدوداً في المشروعين معاً. ففرويد، في نظره، أعطى الغرائز والصراعات النفسية الداخلية وزناً أكبر مما ينبغي، بينما كان الإنسان بالنسبة إلى فروم كائناً يتشكل أيضاً داخل الأسرة والعمل والسوق والثقافة والتاريخ. وفي المقابل، لم يكن التحليل الاقتصادي وحده كافياً لفهم سبب تصرف البشر أحياناً ضد مصالحهم المادية، أو سبب تعلقهم بسلطة تقيدهم.
هنا وجد فروم المساحة التي سيبني فيها مشروعه. فالاقتصاد يؤثر في الإنسان، لكن الإنسان ليس رقماً اقتصادياً. والنفس تؤثر في السلوك، لكنها ليست معزولة عن المجتمع. وبين الاثنين تتشكل الشخصية، وتظهر المخاوف والرغبات والحاجة إلى الانتماء.
لهذا لم يكن السؤال عنده: ماذا يوجد داخل الإنسان فقط؟ بل كيف يدخل المجتمع إلى أعماق الإنسان حتى يصبح جزءاً من شخصيته؟
الحرية التي أنهت القيود وبدأت الوحدة
وصل هذا التفكير إلى أكثر أشكاله وضوحاً في كتاب «الخوف من الحرية» الصادر سنة 1941. كان صعود النازية في ألمانيا حاضراً بقوة في خلفية الكتاب، لأن فروم، الذي غادر ألمانيا بعد وصول النازيين إلى السلطة، واجه ظاهرة بدت متناقضة مع الاعتقاد بأن الإنسان يسعى بطبيعته إلى المزيد من الحرية.
لكنه عاد إلى التاريخ الأوروبي ليفهم المسألة بصورة أوسع. ففي المجتمع التقليدي كان الفرد محكوماً بقيود كثيرة؛ تحدد العائلة والطبقة والدين والجماعة جانباً كبيراً من موقعه في الحياة. كانت تلك الروابط تحد من استقلاله، لكنها كانت تمنحه في الوقت نفسه مكاناً معروفاً وشعوراً بالانتماء.
جاءت الحداثة وفككت جانباً مهماً من تلك الروابط. أصبح الفرد أكثر استقلالاً، واتسعت أمامه إمكانات الاختيار، لكنه فقد في المقابل بعض الأمان الذي كانت توفره الجماعة القديمة. ومن هنا ولدت المفارقة التي سترافق فكر فروم كله: الإنسان الحديث ربح استقلاله، لكنه دفع مقابله جزءاً من شعوره بالأمان والانتماء.
لم يكن فروم يريد العودة إلى المجتمع القديم، ولم يكن يعتبر الروابط التقليدية نموذجاً ينبغي استعادته. كان يرى أن التحرر منها إنجاز أساسي. المشكلة ظهرت عندما تحققت «الحرية من» القيود دون أن تتطور معها «الحرية من أجل» بناء حياة مستقلة وذات معنى.
وهذا التمييز هو أحد المفاتيح الأساسية لفهمه.
حين تصبح الحرية ثقيلة على صاحبها
إذا تحرر الإنسان من سلطة كانت تخبره بما يفعل، فإنه يصبح مسؤولاً عن قراره. وقد يبدو ذلك مكسباً كاملاً، لكنه يعني أيضاً أن عليه تحمل الشك وإمكانية الخطأ والفشل. وحين لا يجد الفرد روابط إنسانية ومعنى يساعدانه على تحمل هذا الاستقلال، يمكن أن تتحول الحرية إلى شعور بالعجز والوحدة.
عند هذه النقطة يبدأ ما سماه فروم «الهروب من الحرية». وقد يأخذ الهروب شكل الخضوع لسلطة قوية تمنح الفرد اليقين والانتماء، لكنه قد يظهر أيضاً في صورة أقل وضوحاً حين يتخلى الإنسان عن اختلافه ويتحول إلى نسخة تشبه الآخرين.
هذه الفكرة الأخيرة مهمة لأنها تنقلنا من الأنظمة الاستبدادية إلى الحياة العادية. فالإنسان ليس مضطراً إلى وجود شرطي فوق رأسه حتى يفقد استقلاله. يمكن للمجتمع أن ينتج نموذجاً معيناً للنجاح والجمال والمكانة، ثم يبدأ الأفراد في التشبه به وهم يشعرون أنهم يمارسون اختيارات شخصية.
بهذا المعنى، لم يعد السؤال فقط عما إذا كان الإنسان يستطيع الاختيار، بل عن الكيفية التي تكونت بها الأشياء التي يريد اختيارها.
من الحرية إلى السوق
من هنا انتقل فروم بصورة طبيعية إلى نقد المجتمع الاستهلاكي. فإذا كان الإنسان الحديث قد تحرر من سلطات كثيرة، فقد دخل في علاقة جديدة مع السوق لم تعد تقتصر على شراء الأشياء وبيعها. السوق بدأ يؤثر أيضاً في الطريقة التي يقيم بها الإنسان نفسه.
أصبح النجاح قابلاً للقياس بالدخل والمكانة والممتلكات، وأصبحت قيمة الفرد مرتبطة جزئياً بقدرته على تقديم نفسه للآخرين. وقد وصف فروم هذا التحول من خلال مفهوم «الشخصية التسويقية»، حيث يبدأ الإنسان في النظر إلى ذاته كما لو كانت لها قيمة ينبغي تحسينها وعرضها باستمرار.
لم يكن المقصود أن البيع والشراء شر في ذاتهما، ولا أن امتلاك الأشياء يلغي إنسانية الفرد. اعتراضه كان على اللحظة التي ينتقل فيها منطق السوق من الاقتصاد إلى الشخصية، فيبدأ الإنسان في التفكير في نفسه كما يفكر في سلعة: هل أنا مرغوب؟ هل صورتي جيدة؟ هل أملك الصفات التي تجعلني مطلوباً؟
ورغم أن فروم توفي سنة 1980، قبل ظهور شبكات التواصل الاجتماعي بوقت طويل، فإن فكرته تبدو مألوفة اليوم بصورة لافتة. فالمستخدم المعاصر يستطيع أن يبني لنفسه صورة عامة، ويراقب تفاعل الآخرين معها، ويقيس الحضور بعدد المتابعين والإعجابات. لا يعني ذلك أن فروم تنبأ بهذه المنصات، بل إن تحليله لمنطق السوق والشخصية يمنحنا أداة لفهم جانب من عالم لم يعشه.
حين ينتقل الامتلاك من الأشياء إلى الحياة
تعمق هذا النقد في كتاب «أن تملك أو أن تكون؟»، حيث ميز فروم بين طريقتين للوجود. الأولى تجعل الامتلاك مركز الحياة، بينما تقوم الثانية على الكينونة والتجربة والنمو والمشاركة.
الفارق بينهما لا يعني أن الإنسان يجب ألا يملك بيتاً أو مالاً أو ممتلكات. المسألة تتعلق بما يحدث عندما تصبح الملكية المقياس الذي نفهم من خلاله ذواتنا وعلاقتنا بالعالم. فقد يمتلك الإنسان كتاباً دون أن يقرأه، ويجمع معلومات دون أن تتحول إلى معرفة، ويتمسك بعلاقة لأنه يعتبر الآخر جزءاً من ممتلكاته الرمزية.
عندما يهيمن منطق الامتلاك، تصبح الخسارة تهديداً للهوية نفسها، لأن الإنسان لم يعد يقول فقط «لدي أشياء»، بل أصبح يقترب من معنى «أنا ما أملك».
أما نمط الكينونة فيقوم على علاقة مختلفة بالحياة. قيمة القراءة، مثلاً، ليست في عدد الكتب الموجودة على الرف، وإنما في التغير الذي تحدثه في الإنسان. وقيمة العلاقة ليست في امتلاك الآخر، بل في القدرة على مشاركته الحياة مع الاعتراف باستقلاله.
ومن هنا لم يكن انتقال فروم إلى موضوع الحب خروجاً عن مشروعه، بل استمراراً له.
الحب عند فروم ليس قصة عاطفية
في «فن الحب» رفض فروم الفكرة الشائعة التي تجعل مشكلة الحب هي العثور على الشخص المناسب. فقد رأى أن المجتمع الحديث يعلم الإنسان كيف يجعل نفسه مرغوباً أكثر مما يعلمه كيف يحب.
وهنا يعود السوق مرة أخرى. يبحث الفرد عن الصفات التي تجعله جذاباً، ويبحث في الآخر عن الصفات التي يريدها، فتقترب العلاقة من عملية تبادل بين شخصين يحاول كل منهما الحصول على أفضل ما تسمح به «قيمته».
في مواجهة ذلك، اعتبر فروم الحب قدرة إنسانية تحتاج إلى النضج والانضباط والاهتمام والمعرفة والاحترام. فالآخر ليس شيئاً نمتلكه حتى نضمن ألا نفقده، وإنما إنسان مستقل لا يصبح الحب ممكناً إلا بالاعتراف باستقلاله.
وهذه الفكرة تربط الحب بالحرية من جديد. فالحب الناضج، في نظر فروم، لا يلغي الفرد ولا يعزله. إنه يسمح بالقرب من الآخر من دون ابتلاعه، ويمنح الانتماء من دون العودة إلى الخضوع الذي حاول الإنسان التحرر منه.
المجتمع السليم لا يصنع إنساناً مريضاً
عند هذه المرحلة يصبح من الخطأ قراءة فروم بوصفه معالجاً نفسياً يتحدث عن مشكلات الأفراد فقط. فقد كان مشروعه يحمل نقداً اجتماعياً واضحاً، وظهر ذلك خصوصاً في كتاب «المجتمع السليم».
فالمجتمع، في رأيه، لا يصبح سليماً لمجرد أنه ينتج الثروة أو يحقق الكفاءة الاقتصادية. يمكن لمجتمع ناجح اقتصادياً أن ينتج أفراداً يشعرون بالعزلة والقلق وفقدان المعنى، ويمكن للإنسان أن يتكيف تماماً مع بيئة غير إنسانية.
وهذه نقطة أساسية في فكره، لأن العلاج عنده لا يمكن أن يقتصر دائماً على مساعدة الفرد كي يتكيف. فإذا كانت شروط العمل والعلاقات الاجتماعية ونظام القيم نفسها تنتج الاغتراب، فإن مطالبة الإنسان بالتكيف معها لا تعالج أصل المشكلة.
لذلك كان فروم يبحث عن مجتمع يسمح للفرد بالاستقلال، لكنه يمنحه في الوقت نفسه إمكان بناء روابط حقيقية مع الآخرين. لم يكن يريد التضحية بالحرية من أجل الجماعة، ولا التضحية بالجماعة من أجل فرد منعزل. مشروعه كان محاولة للتوفيق بين حاجتين تبدوان متعارضتين: أن يكون الإنسان نفسه، وأن يبقى في علاقة إنسانية مع غيره.
الإنسان الحديث بين الاستقلال والعزلة
هنا تلتقي كتب فروم المختلفة داخل فكرة واحدة. «الخوف من الحرية» يشرح لماذا يمكن للاستقلال أن ينتج القلق. و«فن الحب» يبحث عن علاقة لا تقوم على الخضوع أو الامتلاك. و«أن تملك أو أن تكون؟» ينتقد اختزال الحياة في ما نستطيع جمعه وامتلاكه. أما «المجتمع السليم» فينقل المسألة من الفرد إلى النظام الاجتماعي الذي يشكل شخصيته.
ليست هذه كتباً عن موضوعات متفرقة كما قد تبدو. إنها فصول من سؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يصبح فرداً حراً من دون أن يتحول إلى فرد وحيد، وأن يعيش مع الآخرين من دون أن يفقد نفسه بينهم؟
ومن هذه الزاوية يمكن فهم استمرار حضور فروم اليوم. فالإنسان المعاصر أكثر قدرة على الاتصال بالآخرين، لكنه يستطيع أن يشعر بوحدة عميقة. يملك خيارات استهلاكية هائلة، لكنه قد يجد صعوبة في معرفة ما يريده فعلاً. يستطيع التعبير عن ذاته أمام جمهور واسع، لكنه قد يصبح شديد الحساسية لنظرة ذلك الجمهور إليه.
لم يعش فروم زمن الخوارزميات، ولذلك سيكون من الخطأ تحميل نصوصه ما لم تقله. لكن المفارقة التي اكتشفها ما زالت تعمل داخل عالمنا: يمكن للأدوات التي توسع قدرتنا على الاختيار أن تنتج أشكالاً جديدة من التبعية إذا توقفنا عن مساءلة الطريقة التي نستخدمها بها.
الحرية عند فروم ليست أن تفعل ما تشاء
في النهاية، لم يكن فروم يخاف من الحرية، بل كان يخشى أن نتوقف في منتصف الطريق إليها. التحرر من السلطة ضروري، لكنه لا يكفي إذا أصبح الإنسان بعد ذلك خاضعاً للسوق أو لرأي الجماعة أو لخوفه من الوحدة.
الحرية التي دافع عنها تحتاج إلى إنسان قادر على التفكير والعمل والحب دون أن يذوب في الآخرين. وهي لهذا ليست عزلة ولا رفضاً لكل قيد، وإنما قدرة على بناء علاقة بالعالم لا تقوم على الخوف أو الامتلاك أو الخضوع.
وهنا ربما نجد الخيط الذي يجمع فكره كله. بدأ فروم من الإنسان الذي تحرر من الروابط القديمة، ثم تبعه وهو يبحث عن الأمان في السلطة والجماعة والسوق، قبل أن يحاول إعادته إلى علاقته بالآخر عن طريق الحب والتضامن والعمل ذي المعنى. لم يكن يبحث عن فرد يعيش وحده باسم الحرية، بل عن إنسان يستطيع أن يقول «أنا» من دون أن يفقد القدرة على قول «نحن».
لهذا ما زالت قراءة فروم تستحق وقتها. فقد ترك لنا فكرة أبعد من زمنه: الحرية لا تكتمل عندما تسقط القيود من حول الإنسان، بل عندما يصبح قادراً على العيش من دون أن يبحث عن قيود جديدة تحميه من مسؤولية أن يكون حراً.