في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، صدر في بيروت الجزء الأول من «مدن الملح»، العمل الروائي الذي سيصبح أحد أبرز مؤلفات عبد الرحمن منيف. حملت الخماسية عنوانًا يثير القلق والتساؤل، قبل أن تتوالى أجزاؤها: «التيه»، و«الأخدود»، و«تقاسيم الليل والنهار»، و«المنبت»، و«بادية الظلمات». وقد أثارت منذ صدورها نقاشًا نقديًا واسعًا، كما واجهت قيودًا على تداولها في بعض البلدان العربية.
لم تكن «مدن الملح» مجرد رواية عن اكتشاف النفط، بل قراءة أدبية لتحول اجتماعي عميق. فقد تتبعت انهيار أنماط الحياة القديمة ونشوء مدن جديدة، تغيرت معها علاقات السكان بالأرض والعمل والسلطة. ومن خلال هذا التحول، وضع منيف العمران في قلب الصراع بين عالم يختفي وآخر يتشكل.
روائي جاء من النفط
لم يكتب عبد الرحمن منيف عن عالم بعيد عن تجربته. فقد وُلد في عمّان سنة 1933 لأب سعودي وأم عراقية، ودرس الحقوق والاقتصاد قبل أن يتخصص في اقتصاديات النفط. وعمل في هذا القطاع سنوات، ثم تفرغ للأدب بعد مسار جمع المعرفة الاقتصادية بالتجربة السياسية والمنفى. وقد أقام في مدن عربية وأوروبية عدة، قبل رحيله في دمشق سنة 2004.
أتاحت هذه الخلفية لمنيف فهم الآليات الاقتصادية التي صاحبت اكتشاف النفط. لكنه لم يجعل العقود والشركات محور روايته، بل اتجه إلى الإنسان الذي وجد نفسه داخل تحول يتجاوز قدرته على التحكم فيه. وهكذا انتقل من لغة الاقتصاد إلى الأدب، ومن حسابات الثروة إلى آثارها في حياة الناس.
كان السؤال الذي يحرك السرد أعمق من حجم العائدات النفطية. فقد انشغل منيف بمصير المجتمعات التي تغيرت أرضها بسرعة، قبل أن تتمكن من استيعاب التحولات التي فرضت عليها.
من الواحة إلى المخيم
تبدأ الحكاية في «وادي العيون»، حيث يعيش السكان ضمن عالم تشكله المياه والنخيل والقوافل. كانت الواحة فضاء للعمل والتبادل، ومصدرًا للذاكرة والانتماء. غير أن وصول الغرباء الباحثين عن النفط يغير إيقاع الحياة، بعدما تبدأ عمليات المسح والحفر واقتلاع الأشجار.
يتجسد رفض هذا التحول في شخصية متعب الهذال، الذي يرى في تدمير الواحة اقتلاعًا لعالم كامل. ومع اختفائه في الصحراء، يتحول حضوره إلى ذاكرة مقاومة تستمر داخل الحكاية. فالرجل لا يدافع عن الأشجار وحدها، بل عن علاقة الإنسان بالمكان الذي منحه هويته.
ثم ينتقل السرد إلى «حرّان»، البلدة الساحلية التي تتوسع مع إنشاء المنشآت النفطية والميناء. وهنا يرسم منيف صورة مدينة جديدة تقوم على الفصل الاجتماعي والمكاني. ففي جانب منها يعيش العاملون الأجانب داخل مرافق أكثر تجهيزًا، بينما يقيم العمال المحليون في مساكن أقل راحة. ويكشف هذا التفاوت عن نظام عمراني يعكس توزيع الثروة والنفوذ.
المدينة كجرح
تكتسب «مدن الملح» قيمتها الحضرية من نظرتها إلى المدينة بوصفها نتاجًا لعلاقات القوة. فالعمران الجديد لا يتشكل تدريجيًا استجابة لحاجات السكان، بل ينشأ وفق متطلبات استخراج النفط ونقله. ولذلك يجد الأهالي أنفسهم أمام فضاء مختلف، تتغير فيه قواعد العمل والحياة اليومية.
يتحول البدوي الذي يعرف مسالك الصحراء وآبارها إلى عامل يخضع لنظام جديد من الأجور والمواعيد. كما يفقد السوق بعض وظائفه الاجتماعية القديمة، مع اتساع المبادلات المرتبطة بالمال والشركات. وفي الوقت نفسه، تتراجع أنماط التضامن التقليدية أمام علاقات تحكمها المصالح الاقتصادية والتفاوتات الاجتماعية.
لا يصور منيف هذه التحولات باعتبارها انتقالًا بسيطًا من التخلف إلى التقدم. فهو يكشف التناقض بين التطور المادي السريع وقدرة المجتمع على استيعابه. فقد تتغير المباني والطرق والمرافق، بينما يبقى السكان بعيدين عن القرارات التي تحدد مستقبلهم.
ومن هنا تبدو الرواية أقرب إلى دراسة اجتماعية للتحضر المتسارع، لكنها تعتمد أدوات الأدب بدل المفاهيم الأكاديمية. فهي تقدم التجربة من داخل حياة الشخصيات ومخاوفها وذاكرتها، وتكشف ما تعجز المؤشرات الاقتصادية وحدها عن تفسيره.
لماذا «الملح»؟
يحمل عنوان الخماسية دلالة تتجاوز المكان والأحداث. فالملح مادة قابلة للذوبان، ويمكن قراءة حضوره بوصفه استعارة لهشاشة العمران الذي يعتمد على ثروة واحدة. ومن هذا المنظور، تصبح المدينة معرضة لفقدان توازنها إذا انفصل نموها المادي عن المجتمع الذي يعيش فيها.
غير أن هذا التأويل لا يستنفد دلالات العنوان. فالملح يرتبط أيضًا بالأرض والبيئة وقسوة الطبيعة، وهي عناصر حاضرة في العالم الروائي لمنيف. ولذلك يظل العنوان مفتوحًا على قراءات متعددة، تجمع بين هشاشة المكان والتحولات التي تصيب سكانه.
ولا يعني نقد منيف للمدينة النفطية أنه يرفض التحديث في ذاته. فالحياة القديمة لم تكن خالية من المشقة أو التفاوت. لكن الرواية تكشف أن الانتقال إلى نمط عمراني جديد لا يضمن بالضرورة توزيعًا عادلًا لمنافع التنمية.
المسألة، إذن، ليست في بناء المدن الحديثة، بل في الشروط التي تحكم نشأتها. فمن يقرر شكلها؟ ومن يستفيد من ثروتها؟ وما موقع السكان في التحولات التي تعيد تنظيم حياتهم؟
ما الذي تقوله لنا اليوم؟
بعد أكثر من أربعة عقود على صدور الجزء الأول من «مدن الملح»، شهدت مدن الخليج تحولات عمرانية واقتصادية كبيرة. فقد توسعت شبكات النقل والمرافق الحديثة، وبرزت استثمارات جديدة في التعليم والثقافة والخدمات. كما اختلفت تجارب التنمية بين بلد وآخر، تبعًا لسياساته وموارده وأولوياته.
ومع ذلك، لم تفقد الأسئلة التي طرحتها الرواية أهميتها. فالتوسع الحضري السريع ما زال يثير قضايا المشاركة والعدالة المكانية وحماية الذاكرة العمرانية. ولا تقتصر هذه الإشكالات على المدن النفطية، بل تظهر أيضًا في المدن التي تنمو بفعل العقار والسياحة والاستثمارات الكبرى.
تدفعنا قراءة منيف إلى التفكير في العلاقة بين سرعة البناء وعمق التحول الاجتماعي. فقد تنجح مدينة في إنشاء أبراج ومرافق حديثة، لكنها تواجه تحديات مختلفة تتعلق بالانتماء والتفاوت وإمكانية الوصول إلى الخدمات. ولذلك لا يمكن اختزال نجاح التنمية الحضرية في حجم الإنفاق أو اتساع المجال المبني.
تكمن راهنية «مدن الملح» في قدرتها على إعادة الإنسان إلى قلب النقاش حول المدينة. فالمكان ليس مجرد بنية تحتية أو مشروع اقتصادي، وإنما فضاء للذاكرة والعلاقات والحقوق. وكل تحول عمراني يتجاهل هذه الأبعاد يترك آثارًا تتجاوز حدود المباني والشوارع.
بهذا المعنى، لا تنتمي خماسية عبد الرحمن منيف إلى تاريخ الرواية العربية وحده. إنها تظل مدخلًا أدبيًا لفهم بعض التناقضات التي تصاحب صناعة المدينة الحديثة، وتذكيرًا بأن التقدم العمراني لا يُقاس بما يُبنى فقط، بل بما يتيحه البناء من حياة أوسع وأكثر إنصافًا لسكانه.


