قلّما يعرف القارئ العربي مدينة فوتشو، عاصمة إقليم فوجيان في الشرق الصيني، مع أن تاريخها يتجاوز ألفين ومئتي عام. غير أن هذا الشهر سيضعها في قلب النقاش الحضري العالمي، إذ تحتضن من 31 أكتوبر إلى 2 نوفمبر الاحتفال العالمي بيوم المدن، تحت شعار اختاره موئل الأمم المتحدة بعناية: «تجديد المدينة: السكن اللائق للجميع». فالمذكرة المرجعية للحدث تقدّر أن ما يصل إلى 3.4 مليار إنسان يفتقرون إلى سكن لائق أو إلى أمن الحيازة أو إلى الخدمات الأساسية، وتقترح أن يبدأ الحل من تحسين الأحياء القائمة بدل الاستمرار في الزحف نحو الأطراف.
ولفهم لماذا وقع الاختيار على فوتشو، يكفي أن يمشي المرء في «سانفانغ تشيشيانغ»، أي الأزقة الثلاثة والممرات السبعة. يمتد هذا الحي على نحو أربعين هكتارًا في قلب المدينة، ويُعد أكبر تجمع محفوظ لعمارة أسرتي مينغ وتشينغ في الصين، بنحو 270 مسكنًا قديمًا تتوزع على جانبي شارع نانهو، في شكل يشبه هيكل السمكة. وفي هذه البيوت عاش مفكرون وكتّاب صنعوا جزءًا من تاريخ الصين الحديث، كالمترجم يان فو والكاتبة بينغ شين، وما زالت منازلهم قائمة إلى اليوم.
من بيوت مكتظة إلى وجهة سياحية
لم تكن صورة الحي دائمًا بهذا البهاء. فقبل تسعينيات القرن الماضي، كانت كثير من قصوره القديمة مقسَّمة إلى مساكن مكتظة تتقاسمها عائلات عدة، وكان بعضها مهددًا بالهدم أمام زحف المشاريع العقارية. ثم جاء مشروع ترميم اعتمد مبدأ «التدخل الأدنى»، أي الحفاظ على العناصر المعمارية من مختلف الحقب بدل إعادة البناء من الصفر. والنتيجة اليوم حي يستقبل أكثر من عشرة ملايين زيارة سنويًا منذ 2015، وتنبض أزقته بالحرف التقليدية والمطاعم الشعبية والمتاحف الصغيرة.
السؤال الذي لا يجيب عنه الحجر
غير أن هذا النجاح يطرح سؤالًا لا تجيب عنه المصادر المتاحة بوضوح: ما مصير العائلات التي كانت تسكن تلك البيوت المكتظة قبل الترميم؟ هل بقيت في حيّها بعد أن صار أجمل، أم حلّ محلها الزوار والمتاجر؟ والمفارقة أن المذكرة الأممية لهذه الدورة تشدد تحديدًا على التجديد الذي يشارك فيه السكان، وعلى ضمانات تمنع تهجيرهم من أحيائهم بعد تحسينها. لذلك سيكون من المفيد أن تعرض فوتشو على ضيوفها، إلى جانب أزقتها المرممة، حكاية أهل الحي أنفسهم.
وهذا السؤال ليس صينيًا فقط. فمدننا العتيقة تعرفه جيدًا: أحياء تتآكل بيوتها، وسكان يغادرونها تدريجيًا، ومشاريع تأهيل تنتهي أحيانًا بتحويل الحي إلى واجهة سياحية جميلة لكنها خالية من الحياة اليومية. ولعل المقياس الحقيقي لأي تجديد حضري، في فوتشو كما في فاس أو تونس أو دمشق، بسيط إلى حد القسوة: أن يعود الزائر بانطباع جميل، وأن يبقى الساكن في بيت أفضل.


