استمع إلى المقال2 دقائق تقريباً

يأتي معظم زوار الصويرة من أجل البحر والريح والسمك المشوي في الميناء. لكن من يرفع عينيه قليلًا عن الصحن، سيكتشف أنه يجلس داخل واحدة من أكثر المدن المغربية تميزًا من حيث التخطيط: مدينة رُسمت على الورق قبل أن تُبنى.

مدينة بقرار سلطاني

في ستينيات القرن الثامن عشر، قرر السلطان سيدي محمد بن عبد الله إنشاء ميناء جديد على الأطلسي، ليكون بوابة المغرب التجارية نحو العالم. واستعان في تخطيطه بالمهندس الفرنسي تيودور كورنو، الذي وضع تصميمًا مستوحى من التحصينات العسكرية الأوروبية.

ولهذا تبدو الصويرة مختلفة عن أغلب المدن العتيقة المغربية. فشوارعها الرئيسية أكثر استقامة واتساعًا، وتتقاطع بانتظام نسبي، بينما تحيط بها أسوار وأبراج تطل على البحر.

 لقاء بين عالمين

غير أن الصويرة ليست نسخة أوروبية. فداخل هذا التخطيط المنتظم، بُنيت بيوت مغربية بأفنيتها الداخلية، وأسواق وأزقة ضيقة تتفرع عن الشوارع الكبرى.

ولهذا أدرجت اليونسكو مدينة الصويرة العتيقة عام 2001 في قائمة التراث العالمي، بوصفها نموذجًا استثنائيًا لمدينة محصّنة من أواخر القرن الثامن عشر، بُنيت وفق مبادئ العمارة العسكرية الأوروبية في سياق شمال إفريقي.

كيف تقرأ المدينة وأنت تمشي؟

ابدأ من السقالة، حيث المدافع مصطفة فوق السور، وانظر إلى البحر لتفهم لماذا وُجدت المدينة أصلًا. ثم ادخل من أحد الأبواب الكبرى وامشِ في الشارع الرئيسي، ولاحظ كيف يتغير الإيقاع حين تنعطف إلى زقاق جانبي: من الانتظام إلى الحميمية.

وانتبه إلى الألوان أيضًا: الجدران البيضاء والأبواب والنوافذ الزرقاء، التي تمنح المدينة وحدة بصرية نادرة.

سياحة تقرأ الحجر

تشتهر الصويرة اليوم بمهرجان كناوة وموسيقى العالم، الذي انطلق عام 1998، وبرياحها التي جعلتها قبلة لركوب الأمواج الشراعية. لكنها تستحق أيضًا سياحة من نوع آخر: سياحة تقرأ المدينة كنص عمراني.

فالمدينة التي رُسمت قبل أكثر من قرنين ونصف ما زالت تعمل، يسكنها الناس ويتاجرون فيها ويمشون في شوارعها. وربما هذا أجمل ما يمكن أن يقوله تخطيط عن نفسه: أنه صمد.