في حي شعبي قرب أسوار مراكش، تُعلّق صاحبة شقة صغيرة لافتة «للكراء» ثم تنزعها بعد يومين. فقد اكتشفت أن ثلاث ليالٍ على إحدى المنصات الرقمية تدرّ عليها ما يقارب كراء شهر كامل لأسرة. هذا الحساب البسيط يتكرر اليوم في آلاف البيوت. وهو يفسر، أكثر من أي تقرير، لماذا صار الكراء القصير قضية سكن، لا قضية سياحة فقط.
الكراء القصير في المغرب: أرقام تثير القلق
في يناير 2026، أعلنت الحكومة أنها تدرس إجراءات لخفض أثمنة كراء الشقق، وتشديد القواعد على الكراء القصير عبر منصات مثل «إير بي إن بي». وربط كاتب الدولة المكلف بالإسكان ارتفاع الإيجارات مباشرة بانتشار هذه المنصات. كما ذكّر بأن وثائق التعمير تحدد مناطق للنشاط السياحي، ولا تجيز تحويل الأحياء السكنية كلها إلى فنادق غير معلنة.
ولم يأت هذا القلق من فراغ. فقد ارتفعت أسعار العقار في كبريات المدن المغربية بأكثر من 60 في المئة خلال عقد، وفق ما نقلته الصحافة المغربية. وفي المقابل، تواصل السياحة تحطيم أرقامها، إذ استقبل المغرب نحو 19.8 مليون سائح دولي في 2025.
مراكش: المختبر الأول
تقدم مراكش الصورة الأوضح. فمع مطلع 2026، قُدّر عدد العروض النشطة للكراء القصير فيها بما بين 9600 و21400 عرض، أي أكثر من عدد الغرف في الفنادق المصنفة. والأهم أن نحو 76 في المئة من هذه العروض شقق ومنازل كاملة، لا غرف مشتركة.
بعبارة أخرى، لا يتعلق الأمر بأسرة تؤجر غرفة زائدة لتحسين دخلها. بل بمساكن كاملة خرجت من سوق السكن، ودخلت سوق الإيواء السياحي.
وتشير تحليلات محلية إلى أن الإيجارات الطويلة في الأحياء المطلوبة بمراكش ارتفعت بين 15 و25 في المئة. وهنا تكمن المفارقة القانونية: فالقانون 67.12 يحمي المكتري الحالي، إذ لا يسمح برفع السومة إلا بنسبة 8 في المئة كل ثلاث سنوات. غير أن هذا السقف لا يحمي الباحث عن سكن جديد. لذلك يفضّل كثير من المالكين انتظار انتهاء العقد، ثم تحويل الشقة إلى كراء سياحي.
قانون موجود، وتطبيق غائب
قد يبدو المشهد فراغًا قانونيًا، لكنه ليس كذلك تمامًا. ففي غشت 2023، صدر المرسوم 2.23.441 لتنظيم أشكال الإيواء السياحي، بما فيها الكراء القصير. وفي دجنبر 2025، أكدت الحكومة أن هذا النشاط مؤطر بالكامل بالقوانين الجاري بها العمل.
ومع ذلك، يرى مختصون في السياحة أن الكراء الرقمي لا يزال عمليًا خارج الضبط. والسبب بسيط: النص موجود، لكن المراقبة صعبة، والتصريح اختياري في الواقع، والمنصات لا تُلزم المضيفين بإظهار أي ترخيص.
وقد بدأت الدولة تقترب من الملف عبر باب الضرائب. فمنذ 11 يونيو 2026، صارت «إير بي إن بي» ملزمة بأداء الضريبة على القيمة المضافة عن رقم معاملاتها في المغرب. غير أن الضريبة تنظم المال، ولا تنظم بالضرورة المدينة.
برشلونة: خيار الحسم
على الضفة الأخرى من المتوسط، اختارت برشلونة طريقًا أكثر جذرية. ففي يونيو 2024، أعلن عمدتها جاومي كولبوني أن المدينة لن تجدد تراخيص 10101 شقة سياحية، وأنها ستنتهي كلها في نوفمبر 2028.
طعن المعارضون في القرار، لكن المحكمة الدستورية الإسبانية أيدت في مارس 2025 المرسوم الكتالوني الذي يستند إليه. واعتبرت المحكمة أن الاستغلال السياحي لا يُعد جزءًا أصيلًا من المباني المخصصة للسكن في وثائق التعمير. أي أن الملكية حق، لكن تحويل البيت إلى فندق ليس حقًا تلقائيًا.
هل يكفي المنع؟
في المقابل، تحذّر أوساط قطاع الكراء القصير من التبسيط. فهي تستشهد بدراسات وتجارب تفيد بأن تقييد المنصات لا يؤدي تلقائيًا إلى انخفاض الإيجارات. وهذه حجة تستحق النقاش، حتى لو صدرت عن طرف معني مباشرة.
ذلك أن أزمة السكن في المدن المغربية أوسع من «إير بي إن بي». فهي تشمل غلاء العقار، وضعف العرض الموجه للطبقة المتوسطة، والمضاربة في الأراضي. ولهذا تراهن الحكومة أيضًا على صيغة «الكراء المفضي إلى التملك»، بأثمنة تقل بنحو 20 في المئة عن السوق.
ما الذي يمكن فعله؟
ليس على المغرب أن يختار بين نموذج برشلونة والفوضى. فثمة طريق وسط واضح المعالم.
أولًا، سجل وطني إلزامي، يحصل فيه كل مسكن معروض على رقم يظهر في الإعلان. ثانيًا، تمييز صريح بين من يؤجر بيته الرئيسي بضعة أسابيع في السنة، ومن يشتري الشقق خصيصًا لتشغيلها كفنادق. ثالثًا، تحديد سقف للعروض في الأحياء الأكثر ضغطًا، كالمدن العتيقة وبعض أحياء الرباط ومراكش وأكادير.
قد يربح المالك من السائح أكثر مما يربح من الساكن. لكن المدينة لا تعيش بالسياح وحدهم. فالحي الذي يفرغ من أهله يفقد بقاله ومدرسته وجيرانه، ثم يفقد في النهاية ما جاء السائح ليراه أصلًا.


