يمكن لمدينة أن تمتلك شوارع واسعة ومبانٍ حديثة وساحات أنيقة، ومع ذلك يشعر سكانها بأن شيئاً أساسياً ينقصها. فقد تنجح في تنظيم حركة السيارات، لكنها تجعل المشي مرهقاً، وتوفر مجمعات سكنية متناسقة، لكنها تقلص فرص اللقاء بين الجيران، وتخصص مساحات خضراء للزينة أكثر مما تتيحها للاستعمال اليومي. وفي المقابل، قد تبدو أحياء أقل انتظاماً وأكثر ازدحاماً قادرة على إنتاج حياة اجتماعية غنية، لأن سكانها يجدون فيها فرصاً للعمل والتواصل والتفاوض حول استعمال المكان.
هذه المفارقة تقع في قلب المشروع الفكري لعالم الاجتماع الأمريكي ريتشارد سينيت، الذي خصص جانباً كبيراً من أعماله لفهم العلاقة بين المدينة والشخصية الإنسانية والعمل والحياة العامة. ففي كتابه Building and Dwelling: Ethics for the City، الصادر سنة 2018، لا يتعامل مع العمران باعتباره مجرد مسألة هندسية، بل يدرسه بوصفه مجالاً تتشكل داخله العلاقات الاجتماعية، وتظهر فيه إمكانات الحرية وحدودها.
لا يرفض سينيت التخطيط أو التصميم، ولا يدعو إلى ترك المدن تتوسع دون قواعد. لكنه يشكك في الاعتقاد بأن المهندس يستطيع، مهما بلغت خبرته، أن يحدد مسبقاً جميع أشكال الحياة التي ستنشأ داخل الفضاء الذي يصممه. فالمدينة ليست منتجاً مكتملاً يُسلَّم إلى مستخدميه، وإنما واقع يتغير باستمرار بفعل سكانه ومؤسساته وصراعاته وتفاعلاته اليومية.
وتفتح هذه الأطروحة مجالاً لقراءة التحولات الحضرية في المغرب، حيث تتجاور المدن العتيقة والأحياء الشعبية والتجزئات الحديثة والمناطق العمرانية الجديدة. فاختلاف هذه المجالات لا يقتصر على أشكال المباني، بل يمتد إلى العلاقات بين السكان والشارع والسوق ووسائل النقل والفضاءات المشتركة.
المدينة المبنية والمدينة المعيشة
يميز سينيت بين مفهومين يستعيرهما من اللغة الفرنسية: ville، أي المدينة بوصفها بنية مادية مشيدة، وcité، أي المدينة بوصفها حياة اجتماعية وتجربة معيشة. ويستخدم هذا التمييز لفهم العلاقة المعقدة بين ما يصنعه المخططون والمهندسون، وما يفعله السكان داخل الفضاءات التي ينتجها التخطيط.
فالمدينة المبنية تشمل الطرق والمباني وشبكات النقل والمرافق والساحات، بينما تتشكل المدينة المعيشة من العلاقات والممارسات والعادات والاختلافات التي تظهر داخل هذه البنية. ولا يعيش المستويان منفصلين؛ فتصميم الشارع يؤثر في طريقة استعماله، لكن السكان يستطيعون أيضاً تطوير استعمالات لم يتوقعها المصممون.
قد يخطط المهندس لساحة واسعة باعتبارها فضاءً للعبور والراحة، ثم يكتشف أن السكان لا يستخدمونها إلا نادراً، لأنها تفتقر إلى الظل أو المقاعد أو الأنشطة القريبة. وقد يتحول رصيف صغير أمام محلات متجاورة إلى نقطة لقاء يومية، رغم أنه لم يُصمم أصلاً لأداء هذه الوظيفة الاجتماعية.
تكشف هذه الأمثلة أن جودة الفضاء لا تتحدد بمظهره وحده. فنجاح التصميم يحتاج إلى فهم ما يسمح به من ممارسات، ومدى استجابته لاختلاف الأعمار والقدرات والحاجات.
وهنا تتضح أهمية التمييز الذي يقترحه سينيت: لا تكفي معرفة كيف بُنيت المدينة لفهم كيفية عيشها.
لماذا يخشى التخطيط الاختلاف؟
يحتل الاختلاف مكانة مركزية في تصور سينيت للمدينة المفتوحة. فالمدينة، بالنسبة إليه، ليست فضاءً يجتمع فيه أشخاص متشابهون، بل مجال يلتقي فيه أناس تختلف أوضاعهم الاقتصادية وخلفياتهم الثقافية وأنماط حياتهم ومصالحهم.
غير أن بعض نماذج التخطيط تميل إلى تقليل هذا التعقيد من خلال الفصل الصارم بين الوظائف: مناطق للسكن، وأخرى للعمل، وأخرى للتسوق والترفيه. وقد يحقق هذا الفصل مزايا تنظيمية في ظروف معينة، لكنه قد يضعف أيضاً فرص التفاعل العفوي ويزيد اعتماد السكان على التنقل لمسافات طويلة.
ولا يدافع سينيت عن الاختلاط باعتباره قيمة جمالية أو مشهداً اجتماعياً جذاباً فحسب، بل يربطه بتعلم العيش مع أشخاص لا يشبهوننا ولا نتفق معهم بالضرورة. فالمدينة تتيح، في أفضل أحوالها، نوعاً من الخبرة المدنية التي لا تشترط الانسجام الكامل بين الأفراد.
ومن هذه الزاوية، تصبح المساحات المشتركة مهمة لأنها تسمح بالتجاور والتفاوض والتعايش، لا لأنها تزيل الاختلافات الاجتماعية.
لكن هذا التصور يطرح بدوره إشكالاً يستحق النقاش. فالاختلاف لا ينتج دائماً علاقات متكافئة، وقد تتحول بعض الفضاءات المشتركة إلى مواقع للتوتر أو الإقصاء عندما تتفاوت قدرة الفئات على استعمالها. ولذلك لا يمكن الاكتفاء بالدعوة إلى الاختلاط دون النظر إلى شروط السلامة والإنصاف وإمكانية الوصول.
المدينة المفتوحة ليست مدينة بلا تخطيط
قد يوحي تعبير «المدينة المفتوحة» بأن سينيت يدعو إلى عمران عفوي يرفض التنظيم، لكن أطروحته أكثر تركيباً. فهو يدافع عن تصميم يسمح بالتغير والتكيف، بدلاً من فرض استعمالات جامدة تحدد مسبقاً الطريقة التي ينبغي للسكان أن يعيشوا بها.
ويستعين في هذا السياق بأفكار مثل الحدود القابلة للتفاعل، والأشكال العمرانية التي تسمح بتعدد الاستعمالات، والتصميم غير المكتمل بمعنى أنه يترك مجالاً لإضافات السكان وتغير احتياجاتهم.
فالمبنى أو الساحة لا يحتاجان بالضرورة إلى أن يحددا وظيفة واحدة ثابتة إلى الأبد. ويمكن لبعض الفضاءات أن تستوعب أنشطة مختلفة على امتداد اليوم أو عبر السنوات، إذا توفرت شروط السلامة والتجهيز والتنظيم المناسبة.
وتكمن الفكرة في أن المدينة لا تتوقف عن التغير بعد انتهاء الأشغال. فالسكان يتقدمون في العمر، وتتغير أنماط العمل، وتظهر وسائل تنقل جديدة، وتتبدل احتياجات الأسر والمؤسسات. وإذا صمم المخطط الفضاء على أساس صورة اجتماعية جامدة، فقد يفقد جزءاً من صلاحيته مع مرور الوقت.
ومن ثم، تصبح قابلية التكيف معياراً لجودة العمران، إلى جانب المتانة والجمال والكفاءة.
لكن المرونة لا تعني غياب المسؤولية العمومية. فالأحياء تحتاج إلى شبكات صرف صحي وطرق آمنة ومرافق ومدارس وخدمات منتظمة. والمطلوب ليس التخلي عن التخطيط، وإنما تطوير تخطيط يتعامل مع المستقبل باعتباره مفتوحاً على احتمالات متعددة.
الشارع باعتباره مؤسسة اجتماعية
من أكثر المجالات التي تسمح باختبار أفكار سينيت الشارع الحضري، لأنه يجمع بين الحركة والاقتصاد والعلاقات اليومية. فالشارع ليس مجرد قناة لعبور المركبات والمشاة، بل فضاء يحدد بدرجات متفاوتة إمكان اللقاء والمراقبة المتبادلة والتبادل التجاري والاستراحة.
عندما تتحول وظيفة الشارع إلى تسهيل حركة السيارات وحدها، قد تتراجع استعمالات أخرى لا تقل أهمية للحياة الحضرية. فالأرصفة الضيقة والعبور الصعب وغياب أماكن الجلوس تجعل الفضاء أقل ملاءمة للأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حاجات النقل والتزويد والخدمات الاستعجالية. ولهذا لا يتعلق الأمر باختيار المشاة ضد السيارات بصورة مطلقة، بل بإعادة النظر في ترتيب الأولويات وفق طبيعة كل شارع ووظائفه.
يمكن للشارع التجاري، مثلاً، أن يحتاج إلى تنظيم يسمح بحركة الزبائن والبضائع والمشاة، دون أن تتحول الأرصفة إلى فضاءات مغلقة أمام بعض المستخدمين. كما قد تحتاج الأزقة السكنية إلى إجراءات لخفض السرعة وحماية الأطفال، بدلاً من معاملتها بالمعايير نفسها المطبقة على المحاور الرئيسية.
ويبين هذا التعدد أن التخطيط الجيد لا يبدأ دائماً من نموذج موحد للشارع، بل من دراسة الحياة التي تجري فيه.
هل تحمل الأحياء الشعبية دروساً للمخططين؟
في المدن المغربية، تحتفظ أحياء كثيرة بأنماط من الحياة اليومية تقوم على القرب بين السكن والتجارة والخدمات، وعلى كثافة العلاقات الاجتماعية داخل الأزقة والأسواق والمقاهي.
وقد تكشف هذه الأحياء عن قدرة على التكيف مع حاجات السكان، خصوصاً عندما تتداخل الوظائف الاقتصادية والاجتماعية في مجال محدود. فالشارع قد يستقبل أنشطة مختلفة خلال اليوم، وقد تؤدي المحلات الصغيرة دوراً يتجاوز البيع والشراء إلى التعارف وتبادل المعلومات.
لكن تحويل هذه الملاحظات إلى تمجيد شامل للحي الشعبي سيكون خطأً تحليلياً. فالكثافة الاجتماعية لا تلغي مشكلات السكن غير اللائق، وضعف التجهيزات، والازدحام، ونقص المساحات الخضراء، وصعوبة التنقل بالنسبة إلى بعض الفئات.
والسؤال الذي تتيحه قراءة سينيت ليس ما إذا كانت الأحياء الشعبية أفضل من المناطق الحديثة، بل ما العناصر الاجتماعية المفيدة التي يمكن الحفاظ عليها عند تحسين ظروف العيش.
فقد يحتاج الحي إلى إعادة تهيئة شاملة لشبكاته ومرافقه، دون أن يستلزم ذلك بالضرورة إضعاف اقتصاده المحلي أو قطع العلاقات التي نشأت حول فضاءاته المشتركة.
ومن جهة أخرى، قد تستفيد التجزئات السكنية الجديدة من تصميم يسمح بتنوع الأنشطة، ويوفر فضاءات عامة قريبة، ويقلل الفصل بين السكن والحياة اليومية.
هكذا تصبح التجربة الحضرية القائمة مصدراً للمعرفة، لا عائقاً ينبغي إزالته لمجرد أنه لا يطابق النموذج الهندسي المرغوب.
العمارة والعدالة الاجتماعية: حدود أطروحة سينيت
رغم القوة التفسيرية التي يحملها مفهوم المدينة المفتوحة، فإنه لا يقدم وحده جواباً كافياً عن مسألة العدالة الحضرية. فالتصميم الذي يشجع الاختلاط والتفاعل لا يستطيع تلقائياً معالجة الفوارق في الدخل والملكية وفرص العمل والوصول إلى الخدمات.
قد تنجح مدينة في إنشاء ساحات جذابة ومسارات للمشاة، بينما يستمر ارتفاع تكاليف السكن في دفع بعض الأسر نحو أطراف بعيدة. وقد تتحسن جودة الفضاءات العمومية في مركز حضري، دون أن تستفيد الأحياء الأقل تجهيزاً من استثمارات مماثلة.
بل إن بعض مشاريع تحسين الفضاء قد ترافقها زيادة في القيمة العقارية، وهو ما يثير سؤالاً حول قدرة السكان الأصليين على الاستمرار في الاستفادة من التحسينات.
ولا تعني هذه الملاحظة أن سينيت يتجاهل العلاقات الاجتماعية أو السلطة الاقتصادية، بل تكشف الحاجة إلى وضع أطروحته في حوار مع مقاربات أخرى تركز بصورة أكبر على توزيع الموارد وملكية الأرض وآليات إنتاج التفاوت.
فالمدينة المفتوحة تحتاج إلى أكثر من هندسة مرنة. إنها تحتاج أيضاً إلى سياسات سكن ونقل وخدمات، وإلى مؤسسات قادرة على حماية المصلحة العامة وتنظيم التعارض بين المصالح الخاصة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الانفتاح بوصفه خاصية عمرانية، والانفتاح بوصفه قدرة اجتماعية فعلية على الوصول إلى المدينة والمشاركة في حياتها.
من يصمم المدينة، ومن يستطيع تغييرها؟
تطرح أطروحة سينيت سؤالاً يتعلق بحدود سلطة الخبير. فالمهندس يمتلك معرفة ضرورية بمواد البناء والسلامة والتنظيم المكاني، لكن هذه المعرفة لا تمنحه وحدها القدرة على تحديد جميع احتياجات السكان أو التنبؤ بجميع استعمالات الفضاء.
كما أن السكان لا يشكلون جماعة متجانسة تتفق دائماً على ما تحتاج إليه. فقد يطالب بعضهم بتوسيع مواقف السيارات، بينما يفضل آخرون إنشاء مساحات للعب أو توسيع الأرصفة. وقد تختلف أولويات التجار عن أولويات الأسر أو مستعملي النقل العمومي.
لذلك تحتاج المدينة المفتوحة إلى مؤسسات تستطيع إدارة الاختلافات، لا مجرد جمع الآراء. فالمشاركة تصبح أكثر جدوى عندما ترتبط بمعلومات واضحة عن الموارد والقيود والبدائل، وعندما تتيح مناقشة النتائج المحتملة لكل خيار.
وفي المغرب، يوفر الإطار الدستوري المتعلق بالمشاركة المواطنة أساساً للنقاش حول علاقة السكان بقرارات الجماعات الترابية. لكن تقييم هذه العلاقة يتطلب دراسة كيفية تطبيق آليات التشاور، ومدى قدرتها على التأثير في المشروعات قبل اعتمادها.
ويمكن لأفكار سينيت أن تساعد في صياغة أسئلة عملية: هل يترك المشروع مجالاً لاستعمالات متعددة؟ هل يستجيب لاختلاف احتياجات السكان؟ هل يستطيع الفضاء التكيف مع التحولات المقبلة؟ وهل تسمح المؤسسات بمراجعته عندما تظهر مشكلات لم تكن متوقعة؟
هذه الأسئلة لا تلغي المعايير التقنية، بل توسع نطاقها لتشمل النتائج الاجتماعية للتصميم.
هل نحتاج إلى مدن أجمل أم إلى مدن أكثر قابلية للعيش؟
يستمد كتاب «بناء وسكن» أهميته من رفض الفصل بين الشكل العمراني والحياة الاجتماعية. فالمدينة ليست عملاً فنياً ينتهي بمجرد اكتمال بنائه، كما أنها ليست نظاماً تقنياً يمكن ضبطه نهائياً بواسطة الخرائط واللوائح.
إنها فضاء تتجاور فيه المصالح المختلفة، وتتغير فيه الاحتياجات، ويعيد سكانه باستمرار تعريف العلاقة بين الخاص والمشترك، وبين التنظيم والحرية، وبين الاستقرار والتغير.
ولا يعني ذلك أن جمال العمارة أمر ثانوي. فالتصميم الجيد قادر على تحسين جودة الحياة وتوفير الراحة والأمان وإثراء التجربة اليومية. غير أن الجمال يصبح معياراً ناقصاً عندما ينفصل عن استعمال الفضاء، أو عندما يتحول إلى واجهة تخفي ضعف الخدمات والتفاوتات الاجتماعية.
وبالنسبة إلى المدن المغربية، تفتح قراءة سينيت باباً لمراجعة الطريقة التي نقيم بها المشروعات العمرانية. فقد لا يكون السؤال الأهم عن عدد المباني الجديدة أو مساحة الطرق المهيأة، وإنما عن قدرة هذه التحولات على جعل الحياة اليومية أكثر سهولة وتنوعاً وإنصافاً.
فالمدينة الجيدة لا تفرض على سكانها شكلاً واحداً للحياة، ولا تتعامل مع الاختلاف باعتباره خللاً ينبغي محوه. إنها توفر بنية مادية متينة، لكنها تترك مجالاً للمبادرة والتكيف والتفاعل، وتقبل أن يتغير استعمال الفضاء بتغير المجتمع.
وهنا تكمن القيمة النقدية لفكرة المدينة المفتوحة: العمارة تستطيع أن تهيئ شروط الحياة الحضرية، لكنها لا تستطيع أن تصنع تلك الحياة وحدها. فالمدينة تكتسب معناها من الناس الذين يسكنونها ويعملون فيها ويختلفون حولها، ومن قدرتهم على تحويل الفضاء المبني إلى مجال مشترك قابل للتغيير.


