في محطة زجاجية أسطوانية بمدينة كوريتيبا البرازيلية، ينتظر الركاب وصول حافلة حمراء طويلة تسير في ممر مخصص للنقل العمومي. يدفع المسافرون ثمن التذكرة قبل الصعود، ثم ينتقلون إلى الحافلة من رصيف مرتفع دون الحاجة إلى استعمال الدرج. وما إن تُغلق الأبواب حتى تستأنف الحافلة رحلتها، بعيدًا عن الجزء الأكبر من الازدحام الذي تواجهه السيارات.
يختصر هذا المشهد تجربة حضرية بدأت قبل أكثر من نصف قرن، عندما اختارت المدينة تطوير النقل بالحافلات بدل الاعتماد على مشروع مترو مرتفع التكلفة. لكن نجاح التجربة لم يكن نتيجة تغيير وسائل النقل وحدها. فقد ارتبط بإعادة تنظيم الشوارع وتوجيه التوسع العمراني نحو محاور محددة، في تصور جعل التنقل جزءًا من التخطيط الشامل للمدينة.
من فكرة المترو إلى نظام الحافلات السريعة
خلال ستينيات القرن الماضي، واجهت كوريتيبا نموًا سكانيًا وعمرانيًا متسارعًا. وكانت زيادة حركة السيارات تفرض ضغوطًا متنامية على الشوارع والخدمات. لذلك اتجه المخططون إلى البحث عن نموذج يربط التوسع الحضري بنظام نقل جماعي قادر على استيعاب الطلب المتزايد.
اعتمد المخطط التوجيهي لسنة 1966 على التكامل بين استعمالات الأرض وشبكة الطرق والنقل العمومي. ومع تولي المعماري جايمي ليرنر رئاسة البلدية، انتقل جزء من هذه التصورات إلى التنفيذ. وفي 22 سبتمبر 1974، بدأ تشغيل نظام الحافلات السريعة عبر محورين رئيسيين، باستخدام ممرات مخصصة وحافلات ذات قدرة استيعابية أكبر من الحافلات التقليدية.
كانت الفكرة تقوم على توفير بعض مزايا المترو دون بناء شبكة سكك حديدية تحت الأرض. فالممر المنفصل يحد من تأثير الازدحام، بينما يساعد تنظيم المحطات على تحسين انتظام الخدمة. ومع تطور النظام، أصبحت كوريتيبا من أبرز التجارب التي ارتبط بها مفهوم النقل السريع بالحافلات، المعروف اختصارًا باسم BRT.
المحطات الأنبوبية.. تقليل زمن التوقف
شهد النظام مرحلة جديدة في بداية التسعينيات، مع ظهور المحطات الأنبوبية التي أصبحت رمزًا بصريًا للمدينة. وتميزت هذه المحطات بشكلها الأسطواني وجدرانها الشفافة، إلى جانب نظام يسمح بدفع الأجرة قبل الصعود.
تكمن أهمية هذه المحطات في تقليص الوقت الذي تقضيه الحافلات عند التوقف. فحين يكون مستوى الرصيف قريبًا من أرضية المركبة، ويجري التحقق من التذاكر مسبقًا، تصبح حركة الركاب أكثر انسيابية. وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة على الخطوط المزدحمة، حيث يتراكم أثر التأخير عبر عشرات المحطات.
كما توسعت الشبكة لتشمل حافلات مفصلية ومزدوجة المفاصل، إلى جانب خطوط محلية ومراكز للتبادل بين المسارات. وساعد التكامل بين هذه المكونات على ربط الأحياء بالمحاور الرئيسية، دون الاعتماد على خط سريع منفصل عن بقية المدينة.
ومع ذلك، فإن وجود المحطة الحديثة لا يضمن وحده خدمة جيدة. فسرعة الحافلات تظل مرتبطة بتكرار الرحلات وحالة الممرات، فضلًا عن الصيانة والقدرة على التعامل مع الطلب المتزايد.
حين يصبح النقل أداة لتشكيل المدينة
لا يمكن فهم تجربة كوريتيبا من خلال الحافلات وحدها. فقد ارتبط تطوير النقل بتوجيه الكثافة العمرانية نحو المحاور الرئيسية. وسمحت قواعد استعمال الأرض بتركز البناء والخدمات على امتداد هذه المحاور، بينما خضعت مناطق أخرى لضوابط مختلفة.
بهذا المعنى، لم تكن شبكة النقل مجرد استجابة لمدينة قائمة، بل ساهمت في تحديد اتجاهات توسعها. فحين تقترب المساكن والأنشطة الاقتصادية من خطوط النقل الجماعي، تصبح إمكانية استعمال الحافلات أكبر. كما تتراجع الحاجة إلى الاعتماد الكامل على السيارة الخاصة بالنسبة إلى بعض الرحلات اليومية.
وامتدت هذه الفلسفة إلى المجال العام. فقد تحوّل شارع 15 نوفمبر، في بداية السبعينيات، إلى فضاء للمشاة. كما استثمرت المدينة في الحدائق والمساحات الخضراء، وربطت بعضها بتدبير المناطق المعرضة للفيضانات.
كانت هذه الإجراءات جزءًا من تصور يربط الشارع بالنقل والبيئة والحياة الاجتماعية. فالمدينة ليست شبكة طرق فقط، وإنما منظومة تتأثر فيها حركة السكان بطريقة توزيع السكن والعمل والخدمات.
من كوريتيبا إلى بوغوتا والدار البيضاء
انتقلت أفكار النقل السريع بالحافلات إلى مدن عديدة، مع اختلاف ظروف تطبيقها. وفي العاصمة الكولومبية بوغوتا، ظهر نظام «ترانسميلينيو» سنة 2000، مستفيدًا من عدد من المبادئ التي ساعدت على انتشار تجربة كوريتيبا عالميًا.
أما في المغرب، فقد دخلت الدار البيضاء هذا المجال من خلال مشروع «الباصواي». وانطلق تشغيل خطيه الأول والثاني في فاتح مارس 2024، مع اعتماد تسعيرة مندمجة مع شبكة الطرامواي.
وبحسب الأرقام التي أعلنتها شركة الدار البيضاء للنقل آنذاك، استخدم الخدمة نحو 15 ألف راكب في يومها الأول. وشكل إطلاق الخطين خطوة جديدة في تطوير شبكة النقل الجماعي، إلى جانب الطرامواي والحافلات التقليدية.
لكن مقارنة التجربتين البرازيلية والمغربية تتطلب الانتباه إلى اختلاف السياق. فكوريتيبا بنت نموذجها تدريجيًا عبر عقود من التخطيط، بينما تعمل الدار البيضاء على تطوير شبكة متعددة الوسائط داخل مجال حضري واسع ومعقد.
لذلك لا يكفي تشابه الحافلات والمحطات للقول إن المدينتين تتبعان التجربة نفسها. فالتقييم يحتاج إلى دراسة انتظام الرحلات وسهولة الانتقال بين الوسائل، ومدى استفادة الأحياء البعيدة من الشبكة الجديدة.
حدود النموذج.. حين لا تكفي الحافلات
على الرغم من شهرتها، لا ينبغي التعامل مع كوريتيبا باعتبارها مدينة تجاوزت جميع مشكلات النقل. فقد تغير حجم الطلب وأنماط التنقل منذ سبعينيات القرن الماضي، وأصبحت الشبكة مطالبة بالتكيف مع تحديات جديدة.
يظهر أحد التحديات عندما تتجاوز كثافة الركاب القدرة التشغيلية للخطوط والمحطات. كما قد يؤدي امتداد المدينة إلى مناطق بعيدة عن المحاور الرئيسية إلى زيادة الاعتماد على وسائل أخرى. وفي هذه الحالات، يصبح تطوير الخدمة القائمة ضروريًا حتى لا تتحول مزايا النظام إلى مصدر اختناق.
وتبرز أيضًا مسألة العدالة المجالية. فالسكن القريب من الممرات السريعة قد يتيح فرصًا أفضل للوصول إلى الخدمات والعمل. لكن هذه المزايا لا تتوزع بالضرورة بالتساوي بين السكان، خصوصًا عندما ترتفع أسعار الأراضي والمساكن في المناطق الأكثر ارتباطًا بشبكات النقل.
من هنا، ينبغي قياس نجاح النقل العمومي بقدرته على خدمة مختلف الفئات والأحياء، وليس بسرعة المركبات وحدها. فالوقت الذي يوفره الخط السريع قد يفقد جزءًا من قيمته، إذا اضطر الراكب إلى قطع مسافة طويلة قبل الوصول إلى المحطة.
ما الذي يمكن أن تتعلمه المدن العربية؟
تقدم كوريتيبا درسًا يتجاوز المقارنة بين الحافلة والمترو. فقد أظهرت تجربتها أن تطوير النقل يتطلب تنسيقًا بين القرارات العمرانية والتمويل والتشغيل. كما بينت أهمية الاستمرارية المؤسسية في تنفيذ المشروعات، بدل التعامل مع كل دورة إدارية باعتبارها بداية جديدة.
بالنسبة إلى المدن العربية التي تواجه الازدحام والتوسع العمراني، لا يتمثل السؤال في إمكان استنساخ كوريتيبا بحذافيرها. فلكل مدينة مواردها وكثافتها وتضاريسها واحتياجات سكانها. وقد تكون الحافلات السريعة مناسبة لبعض المحاور، بينما تحتاج محاور أخرى إلى الطرامواي أو المترو أو وسائل نقل مكملة.
تكمن القيمة الفعلية للتجربة البرازيلية في أنها تعاملت مع النقل بوصفه عنصرًا من عناصر صناعة المدينة. فالممرات والمحطات لم تكن غاية مستقلة، بل جزءًا من سياسة هدفت إلى تنظيم النمو وتسهيل الحركة اليومية.
بعد أكثر من خمسة عقود، تظل كوريتيبا مرجعًا مهمًا في النقاش حول مستقبل التنقل الحضري. وليس لأنها قدمت حلًا نهائيًا للازدحام، بل لأنها أظهرت أن التخطيط المتكامل قد يحقق نتائج مهمة بوسائل أقل تكلفة. غير أن الحفاظ على هذه النتائج يحتاج إلى تطوير مستمر، وإلى وضع احتياجات السكان في صميم القرارات العمرانية.


