قد يستيقظ سكان حي مغربي على بداية أشغال لتوسيع شارع أو إعادة تهيئة ساحة عمومية أو إزالة أشجار أو تغيير اتجاه حركة السير. وقد يكتشف بعضهم أن الجهات المسؤولة أعدّت المشروع قبل سنوات، وأنه مرّ عبر مساطر إدارية وتقنية متعددة، دون أن تصل إليهم معلومات كافية عن تفاصيله إلا مع وصول الآليات وبدء الأشغال.
في هذه اللحظة، لا يعود النقاش متعلقاً بجودة المشروع أو تكلفته وحدهما، بل يمتد إلى طريقة اتخاذ القرار. فمن حدد أولويات التهيئة؟ وهل أتيحت للسكان فرصة الاطلاع على التصاميم ومناقشة آثارها؟ وما القيمة التي تمنحها المؤسسات لملاحظاتهم عندما تتعارض مع الاختيارات التقنية أو المالية؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في المدن المغربية التي تعرف تحولات عمرانية متسارعة. فإعادة تنظيم شارع أو ساحة لا تغير المشهد البصري وحده، وإنما تؤثر أيضاً في حركة المشاة، ونشاط التجار، وإمكانية وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى المرافق، وفي استعمال السكان للفضاءات المشتركة.
من يملك سلطة رسم ملامح الحي؟
لا تتخذ مؤسسة واحدة جميع القرارات العمرانية في المغرب. إذ تتقاسم جهات متعددة أدوار إعداد وثائق التعمير وتنفيذ المشاريع الحضرية، من بينها المصالح المكلفة بالتعمير والوكالات الحضرية والجماعات الترابية. كما تتدخل مؤسسات أخرى بحسب طبيعة المشروع ومصدر تمويله والاختصاصات المرتبطة به.
ويحدد القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير الإطار القانوني لتصاميم التهيئة، بينما تساهم الجماعات المعنية في إعداد هذه الوثائق ودراستها وفق المساطر المعمول بها. ويكتسب تصميم التهيئة أهمية خاصة لأنه يحدد استعمالات الأراضي والطرق والمرافق والتجهيزات، ويوجه القرارات اللاحقة المتعلقة بالبناء والتوسع العمراني.
لكن من الضروري التمييز بين تصميم التهيئة، باعتباره وثيقة تعميرية تنظيمية، ومشاريع إعادة تأهيل الشوارع والساحات والأحياء. فقد تنجز الجماعات والجهات المختصة هذه المشاريع ضمن برامج استثمارية أو اتفاقيات شراكة، دون أن تخضع جميعها بالضرورة للمسطرة نفسها الخاصة بالبحث العلني لتصاميم التهيئة.
ويساعد هذا التمييز على فهم موقع المواطن في القرار الحضري. فوجود آلية قانونية للمشاركة في إعداد وثيقة تعميرية لا يعني تلقائياً أن السكان شاركوا في تحديد التفاصيل العملية لكل مشروع تنفذه الجهات المسؤولة داخل حيهم.
البحث العلني.. حق قانوني يحتاج إلى تفعيل
ينص الفصل 25 من القانون رقم 12.90 على إخضاع مشروع تصميم التهيئة لبحث علني مدته شهر، بالتزامن مع دراسته من طرف المجلس الجماعي المعني. ويتيح هذا الإجراء للعموم الاطلاع على المشروع وتقديم الملاحظات بشأنه.
كما يحدد المرسوم التطبيقي رقم 2.92.832 إجراءات الإعلان عن البحث وإيداع الوثائق بمقر الجماعة. ويمكن للمعنيين تسجيل ملاحظاتهم في السجل المخصص لهذا الغرض أو توجيهها إلى رئيس المجلس الجماعي برسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل.
غير أن وجود هذه الإمكانية القانونية لا يضمن وحده مشاركة واسعة وفعالة. فالمواطن يحتاج أولاً إلى معرفة أن الجماعة فتحت بحثاً عمومياً، ثم إلى فهم الوثائق والخرائط المعروضة، وإدراك تأثير الاختيارات المقترحة على مسكنه أو نشاطه الاقتصادي أو محيطه اليومي.
وقد تتحول المصطلحات التقنية والخرائط المعقدة إلى عائق أمام المشاركة، خصوصاً عندما لا تقدم الجهات المعنية شروحاً مبسطة. ولذلك لا يكفي قياس جودة البحث العلني بعدد الإعلانات المنشورة، بل ينبغي النظر أيضاً إلى مدى وصول المعلومات إلى السكان وقدرتهم على فهمها والتعبير عن مواقفهم.
بين الاستشارة والمشاركة المؤثرة
لا تعني المشاركة العمومية أن المؤسسات تنقل القرار النهائي إلى السكان. فالمجالس المنتخبة والإدارات المختصة تحتفظ بصلاحياتها القانونية، كما تخضع المشاريع لقيود تتعلق بالميزانية والسلامة والملكية العقارية والمعايير التقنية.
لكن الفرق كبير بين استشارة تنظمها الجهات المسؤولة بعد استقرار الاختيارات الأساسية، ومشاركة تفتح المجال أمام السكان لمناقشة البدائل قبل اتخاذ القرار.
فعندما تعرض الجهات المختصة مشروعاً لتوسيع طريق على سكان حي، يمكن أن يتناول النقاش أثره على الأرصفة والأشجار ومواقف السيارات وحركة التلاميذ. وقد تكشف الملاحظات المحلية عن استعمالات يومية للمجال لا تظهر بوضوح في الدراسات التقنية.
ولا تقتضي الاستجابة لهذه الملاحظات قبول جميع المطالب، وإنما تستدعي دراستها بجدية وشرح أسباب الأخذ ببعضها أو استبعادها. فالمشاركة تفقد جزءاً من معناها عندما تطلب المؤسسات آراء السكان دون أن توضح لهم لاحقاً كيف تعاملت معها.
وتبرز هنا مسألة أساسية تتعلق بالثقة في القرار العمومي. فكلما عرف المواطن كيف جرى تقييم اقتراحاته، أصبح أكثر قدرة على فهم الاختيارات النهائية، حتى عندما لا تستجيب لجميع مطالبه.
من يمثل سكان الحي في النقاش؟
لا يشكل سكان الحي مجموعة متجانسة في مصالحها واحتياجاتها. فالتاجر قد ينظر إلى مشروع التهيئة من زاوية الولوج إلى محله، بينما تهتم الأسرة بسلامة الأطفال، وقد يعطي كبار السن الأولوية للأرصفة والمقاعد والإنارة.
أما الأشخاص ذوو الإعاقة، فقد ترتبط مشاركتهم بإمكانية استعمال الفضاء نفسه، وليس فقط بتحسين مظهره. ويمكن أن ينتج عن إعادة تهيئة جذابة من الناحية المعمارية فضاء يصعب استعماله إذا لم يراعِ المصممون شروط الولوج والحركة اليومية.
لهذا، لا يكفي أن تستشير الجهات المسؤولة بعض الجمعيات أو الفاعلين المحليين، ثم تعتبر ذلك تعبيراً شاملاً عن سكان الحي. فالمشاركة الجيدة تحتاج إلى تنويع قنوات الاستماع، وإتاحة فرص واقعية للفئات التي لا تحضر الاجتماعات التقليدية.
كما ينبغي الانتباه إلى تفاوت القدرة على التأثير بين السكان. فالأفراد الأكثر تنظيماً أو معرفة بالإجراءات الإدارية قد يتمكنون من إيصال مطالبهم بسهولة أكبر، بينما تظل فئات أخرى بعيدة عن النقاش رغم تأثرها المباشر بالمشروع.
الحق في المعلومة شرط لمشاركة حقيقية
يصعب على المواطن مناقشة مشروع لا يعرف أهدافه أو تكلفته أو مدة إنجازه أو آثاره المتوقعة. ولذلك تشكل إتاحة المعلومات مرحلة أساسية تسبق التشاور، وتمنح السكان فرصة لتكوين موقف يستند إلى معطيات واضحة.
ولا يتعلق الأمر بنشر إعلان عن بداية الأشغال فقط، بل بتوفير وثائق تشرح ما الذي سيتغير، ولماذا اختارت الجهات المسؤولة حلاً معيناً، وما البدائل التي درستها قبل اعتماد المشروع.
ويمكن للجماعات، في إطار اختصاصاتها، تحسين التواصل عبر نشر التصاميم التوضيحية والبرامج الزمنية والبيانات المتعلقة بالمشاريع. كما تستطيع تنظيم لقاءات محلية تتيح للسكان طرح الأسئلة قبل بدء التنفيذ.
ويتيح الإطار الدستوري المغربي آليات للمشاركة في تدبير الشأن المحلي. فالفصل 139 من الدستور ينص على إحداث آليات تشاركية للحوار والتشاور، ويقر حق المواطنين والجمعيات في تقديم عرائض لطلب إدراج قضايا تدخل ضمن اختصاصات المجالس الترابية في جداول أعمالها.
لكن تقديم العريضة لا يمنح أصحابها حق إيقاف مشروع بصورة تلقائية. كما تختلف مساطر العرائض عن إجراءات البحث العلني الخاصة بوثائق التعمير. ولهذا يحتاج المواطن إلى معرفة الأداة القانونية المناسبة لطبيعة مطلبه، حتى لا تختلط الحقوق بالإجراءات.
عندما تصبح التهيئة مصدراً للتوتر
قد تنشأ الخلافات حول مشاريع التهيئة حتى عندما تهدف إلى تحسين جودة الحياة. فقد يؤدي توسيع شارع إلى تقليص مساحة رصيف، أو قد تثير إعادة تنظيم سوق مخاوف مرتبطة بمصادر رزق التجار.
وفي هذه الحالات، لا يمكن تفسير كل اعتراض باعتباره رفضاً للتحديث، مثلما لا يجوز اعتبار كل مشروع تعلن عنه المؤسسات دليلاً كافياً على تحقق المصلحة العامة.
فالمصلحة العامة تحتاج إلى ترجمة عملية تراعي توزيع المنافع والأعباء. وقد يستفيد جزء من السكان من تحسين حركة السيارات، بينما يتحمل جزء آخر تراجع المساحات المخصصة للمشاة أو تغير شروط ممارسة أنشطته اليومية.
ومن هنا تبرز أهمية تقييم الأثر الاجتماعي للمشاريع إلى جانب الدراسات الهندسية والمالية. فنجاح التهيئة لا يتوقف على احترام آجال الإنجاز أو جودة المواد المستعملة، بل يرتبط أيضاً بمدى استجابة المشروع للحاجات الفعلية للمجال وسكانه.
نحو مشاركة تبدأ قبل وضع التصاميم
تستطيع الجهات المسؤولة تطوير المشاركة في مشاريع التهيئة من خلال مسار تدريجي يبدأ بتشخيص احتياجات الحي، ثم عرض الخيارات الممكنة ومناقشتها مع السكان، قبل اعتماد المشروع وتنفيذه وتقييم نتائجه.
وتمنح هذه المقاربة المؤسسات فرصة لاختبار الحلول قبل تحويلها إلى قرارات نهائية. كما تساعد على توضيح الحدود المالية والتقنية للمشروع، وتقلل احتمالات نشوء توقعات لا تستطيع الجهات المنفذة تحقيقها.
وقد تناولت مراجعة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للسياسة الحضرية المغربية تجارب مرتبطة بالتشخيص المشترك وورشات العمل الموضوعاتية وأدوات المشاركة الرقمية في إعداد بعض وثائق التعمير. وتبرز هذه التجارب إمكانات توسيع التشاور، دون أن يعني وجودها تعميم الممارسات نفسها على جميع المدن والمشاريع.
لكن المشاركة الرقمية وحدها لا تكفي. فالسكان الذين لا يستعملون المنصات الإلكترونية يحتاجون إلى وسائل أخرى للاطلاع والمساهمة. ولهذا يمكن أن يساعد الجمع بين اللقاءات المباشرة والوثائق المبسطة والأدوات الرقمية على الوصول إلى فئات متنوعة.
المدينة ليست مشروعاً هندسياً فقط
يظل التخطيط العمراني ضرورياً لتنظيم التوسع وتوزيع التجهيزات وتحسين الفضاءات العامة. لكن المدينة ليست مجرد طرق وبنايات ومرافق؛ إنها أيضاً شبكة من العلاقات الاجتماعية والاستعمالات اليومية والذكريات المرتبطة بالأماكن.
وقد تكون ساحة صغيرة مكاناً للقاء السكان، أو يشكل رصيف واسع جزءاً من الحياة الاقتصادية للحي. وعندما تعيد الجهات المسؤولة تهيئة هذه الفضاءات دون فهم وظائفها الاجتماعية، قد يتحسن مظهرها الهندسي بينما تتراجع بعض استعمالاتها اليومية.
لذلك لا ينبغي وضع الخبرة التقنية والمعرفة المحلية في مواجهة دائمة. فالمهندس يمتلك أدوات ضرورية لتقدير الإمكانات والقيود، بينما يقدم السكان معرفة تفصيلية بطريقة استعمال المجال وما يواجهونه من صعوبات.
وتصبح التهيئة أكثر توازناً عندما تسمح المؤسسات بالتقاء هذين المستويين من المعرفة، في إطار قرار عمومي واضح المسؤوليات وقابل للمساءلة.
في النهاية، لا يبدأ حق المواطن في المشاركة عند الاعتراض على وصول الجرافات، بل عند إتاحة الفرصة لفهم المشروع ومناقشته قبل أن يتحول إلى أمر واقع. وبين التخطيط والمشاركة، يتحدد جانب مهم من مستقبل الأحياء المغربية: هل يتعامل المخططون معها باعتبارها فضاءات تحتاج إلى التنظيم فقط، أم باعتبارها أماكن يعيش فيها مواطنون لهم معرفة واحتياجات وصوت يستحق أن تسمعه المؤسسات؟


